اسلام وعرب: المعنى الهارب بين قوسين

بقلم: فاروق يوسف

هناك اسلامان: اسلام يعرفه المسلمون ومنهم العرب ويؤدون شعائرهم وطقوسهم الروحية من خلاله واسلام يعرفه الغرب (اميركا بالتحديد) هو أشبه بالملصق السياسي، لم يكن بعض المسلمين بعيدين عن المساهمة في رسم جزء من ملامحه. بالنسبة للغرب فان صورة المسلم في "الواقع" هي ذاتها صورة الاسلام في ماكنة الخيال الشعبي. بدءا من التعريفات الاولية: المرأة المسلمة هي من تغطي رأسها بغطاء، اصطُلح على تسميته بالحجاب، ولو كانت تلك المرأة منقبة فهي الأكثر تعبيرا عن المعنى أما الرجل المسلم فهو مَن يرتدي الثياب القصيرة، مطلقا لحيته بطريقة قبيحة. ولو أمسك ذلك الرجل سيفا وقطع رأس رهينته لكان هو المقصود الأكثر دلالة.

بهذا تكون الظاهرة الاستثنائية قد صنعت تصورا شموليا، أطاح بالحقيقة وسيج وجودا بشريا هائلا بالريبة، التي تفصح عن نفسها في المطارات الغربية بطريقة عنصرية مستفزة. وليس بعيدا عن التصور الغربي الراهن للإسلام يقف بعض المسلمين (دعاة وأفرادا عاديين) ليؤكدوا أن الحجاب فريضة على المرأة المسلمة (هو ليس كذلك شرعا) وأن الجهاد لا يكتفي بالوقوف عند حدود الدفاع عن الحق، بل يتجاوزه من خلال تكفير الآخر، غير المسلم (غالبا ما كان المسلم المختلف مشمولا أيضا) وشن الغزوات عليه. وهي غزوات غالبا ما تميزت بالبلاهة والرعونة والسطحية لتنتهي بالفشل، حيث لم يحصد الإسلام منها سوى السمعة السيئة.

هناك إذن تصور غربي للإسلام قائم على الدعاية. وهو تصور رعته ونمته أوساط الاصوليين في أميركا وبالأخص بعد فاجعة الحادي عشر من ايلول/ سبتمبر 2001. يومها صار المسلم عدوا، لا في صفته فردا مريضا بنزعة التدمير، بل لأن دينه يدعوه إلى القيام بأعمال عدوانية، من شانها أن تلحق الضرر بالآخر (الغربي المسيحي بالتحديد). وإذا ما كانت أصابع الاتهام قد وجهت يومها إلى تنظيم القاعدة، كونه المسؤول عن غزوة نيويورك فان العالم كله تناسى حقيقة ذلك التنظيم التي تبين أسباب ودوافع نشأته ومصادر تمويله بالمال والبشر والجهات التي تزوده بالمعلومات وخرائط الطريق التي يجب أن يسلكها.

العالم كله صمتْ (هناك استثناءات لم تجد من ينصت إليها) ومعه صمت المسلمون وبالاخص العرب، الذين كانوا مستهدفين لا لأنهم كانوا مادة الإسلام البشرية الأولى، حسب بل وأيضا لانهم يقيمون في واقع تضامنت الجغرافيا والسياسة من أجل أن يكون قبلة التفكير الغربي. كان هناك النفط من جهة ومن جهة أخرى كانت هناك اسرائيل. من وجهة نظر الغرب المتقدم علميا وثقافيا واقتصاديا وعسكريا فان العرب لا يستحقون تلك الثروة التي هبطت عليهم من غير أن يسعوا إليها ويكدوا ويكدحوا، كما أن الغرب كان ولا يزال معنيا بالحفاظ على امن اسرائيل والوقوف في وجه المغامرات الطائشة التي يمكن أن يقوم بها العرب (المفارقة هنا أن تاريخ الصراع العربي ـ الصهيوني يقول شيئا مختلفا، حيث كانت اسرائيل هي الطرف الأقوى في كل الحروب التي خاضتها ضد العرب، بمعنى أن العرب كانوا ولا يزالون مهددين بالاجتياح الاسرائيلي كما حدث للبنان عام 1982).

وفق ذلك التصور الغربي عن الاسلام فقد تحول الإسلام إلى تهمة وصار المسلم متهما. إن قلنا اليوم، رغبة في النقاش ليس إلا، أنْ ليس كل ما يفعله أو يقوله المسلمون يمت بصلة إلى الإسلام، سوف لن يعجب كلامنا الكثيرين. فالإسلام من وجهة نظرهم هو دين التحريض على القتل، دين السبايا والإماء والاستباحة العثمانية لقرى وبلدات البلقان. لمَ تعاقبون العرب بما فعله الاتراك بكم؟

لا أحد يجيب، فلا أحد أنصت إلى السؤال أيضا.

ولو تفحصنا الخارطة السياسية للإسلام، فان العرب الذين كانوا بناة الإسلام هم اليوم أقلية قياسا لإعداد المسلمين في الصين وتركيا واندونسيا والفلبين وباكستان وروسيا وايران ونيجيريا وافغانستان وكازاخستان. ولكن علينا أن نعترف هنا أن الإسلام العربي هو أسوأ أنواع الإسلام في العالم (ينافسنا في ذلك حكم طالبان في افغانسان الذين هم صناعة باكستانية تمت بإشراف أميركي مباشر). ما يمكني قوله الآن ان لدى العرب تراثا رثا عظيما في الاساءة إلى الإسلام، دينهم الذي أخرجهم من الظلمات إلى النور فعادوا به من خلال فقهاء الظلام ووعاظ السلاطين إلى العتمة. العربي اليوم ينفذ ما يأمره به رجال الدين، من غير أن يعود إلى أصول دينه. يسلم راضيا خمس أمواله إلى السادة ولا يعرف أن آية الخمس التي ورد ذكرها في القرآن الكريم هي من الآيات التي لم يعد العمل بها ممكنا. ترعبه مشاهد قطع الرؤوس والأيدي (قطع صدام حسين آذان البعض) ولا ينتفض معترضا.

صار العربي نموذجا للمسلم الكريه. تماهى مع الصورة التقليدية التي رسمها خيال الدعاية الغربية له. ذلك الخيال الذي وظف من أجل اقناع الإنسان العادي في حق الغرب في تدمير دول وابادة شعوب. إنها الحرب ضد الارهاب. "بدلا من أن يأتوا إلينا في نيويورك نذهب إليهم في العراق". تلخص تلك الجملة شكل الثوب الذي لبسه الجميع. لقد وقعنا في الفخ: أما ثورة تتقدمها العمائم وأما أن نذهب إلى الفوضى. وفي الحالين فان صورة العدو لن تفارقنا أبدا.

فاروق يوسف