إيران تواجه خصومها في حرب إلكترونية وخيمة العواقب

واشنطن - من بيتر ابس
واشنطن تهدد بالرد عسكريا

بعد عامين من الهجوم بفيروس "ستاكس نت" الالكتروني على برنامج ايران النووي تجد الجمهورية الإسلامية نفسها في حرب الكترونية متصاعدة مع اعدائها، تجري في الخفاء.

وعلى الرغم من ان خطر التعرض الوشيك لضربة عسكرية اسرائيلية لمنشآت بلادهم النووية تراجع الآن، يجد حكام طهران أنفسهم تحت ضغوط متصاعدة من العقوبات وانهيار العملة وتنامي السخط الشعبي.

ومع حرص الجميع على تفادي صراع صريح، تبدو الهجمات الالكترونية واحدة من أسهل السبل للرد دون خسارة الكثير.

ويقول خبراء ان الوصول الى ادلة دامغة للمسؤولية عن هجوم الكتروني هو ضرب من المستحيل. لكن الحكومة الاميركية ومسؤولي امن يقولون ان الأدلة القائمة تشير الى تورط ايراني في عدد متزايد من الهجمات حدثت في 2011.

وكان من أخطرهذه الهجمات تلك التي استهدفت منع مؤسسات من تقديم خدماتها وقطعت الانترنت عن عدد من البنوك الاميركية، منها "سيتي غروب" و"بنك أوف أميركا" بالاضافة الى هجوم على شركة ارامكو النفطية السعودية دمر نحو 30 الف جهاز كمبيوتر.

ويقول خبراء مطلعون على معلومات مخابراتية ان الهجمات تظهر أن طهران تسرّع من اللعبة، رغم أن قدراتها لا تزال أقل بوضوح من الولايات المتحدة واسرائيل وبريطانيا وقوى اخرى مثل الصين وروسيا.

ويرى هؤلاء الخبراء ان الهجمات تتصاعد من حيث التطور والشدة.

وقال جيمس لويس وهو ضابط سابق في العمليات الخارجية الاميركية والزميل والخبير الإلكتروني في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في العاصمة الاميركية واشنطن، "نعرف منذ فترة طويلة ان الايرانيين يعملون على مثل هذه التقنيات لكن المدهش هو السرعة التي يتقدمون بها".

وأضاف "كلا الجانبين لا يريدان حربا بسبب التكلفة الاقتصادية في الاساس.. وهذا ما يفعلونه كبديل".

ونفى مسؤولون ايرانيون في تصريحات لوسائل إعلام محلية تورطهم في الهجوم على البنوك.

ويقولون انهم هم انفسهم تعرضوا لهجمات متصاعدة، وان انظمة منشآت نفطية وبنية تحتية وشركات اتصال تعرضت لأعطال، ألقوا باللوم فيها على هجمات الكترونية شنتها دول اخرى.

ويقول خبراء ان فيروس "ستاكس نت" فتح الباب أمام ما قد يكون أخطر الصراعات الإلكترونية وأكثرها تعقيدا حتى الان.

وعلى الرغم من انه ما من حكومة أعلنت مسؤوليتها عن الفيروس الالكتروني، فإنه يعتقد على نطاق واسع انه مشروع أميركي اسرائيلي مشترك يهدف الى الإضرار بأجهزة الطرد المركزي الايرانية وتدميرها.

وقال ايلان بيرمان وهو مستشار سابق للمخابرات المركزية الاميركية (سي.اي.ايه) ووزارة الدفاع الاميركية (البنتاغون) ويشغل حاليا منصب نائب رئيس مجلس السياسة الخارجية الاميركية "'ستاكس نت' كان فعالا لكنه لم يكن ضربة قاضية.. ما فعله على كل حال هو انه فتح جبهة جديدة".

وانتبه حكام الجمهورية الاسلامية الى مخاطر وامكانات الفضاء الالكتروني عام 2009، حين استخدم محتجون مناهضون للحكومة الانترنت لتنظيم احتجاجات حاشدة ضد نتائج انتخابات الرئاسة الايرانية التي يقولون انها زورت لصالح الرئيس محمود أحمدي نجاد.

ومنذ ذلك الحين، عززت ايران الشيعية قدرات الحرس الثوري لمراقبة الانترنت ورصد المنشقين المحتملين. كما خصصت موارد للرد على اعدائها.. ليس على الولايات المتحدة واسرائيل فقط بل دول في الخليج منها السعودية وقطر.

ويعتقد البعض ان طهران ربما تقدم مساعدة تقنية لحليفها القديم الرئيس بشار الاسد في سوريا، حيث لعبت الحرب الإلكترونية دورا في الصراع الدائر هناك.

وتمكنت المعارضة السورية من اختراق البريد الالكتروني الشخصي للأسد بينما يشك خبراء في ان سوريا او ايران تقفان وراء التشويش الذي حدث الاسبوع الماضي على بث (بي. بي. سي وورلد) في المنطقة.

وقالت دينا اصفندياري وهي باحثة مساعدة ومتخصصة في الشأن الايراني في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن "الفضاء الالكتروني هو المجال الذي ستتحرك صوبه المواجهة.. بالنسبة لطهران (هذا الفضاء) هو الشكل الآمن للمواجهة نظرا لطبيعته السرية وامكانية إتلاف أي اثر للهجمات فيه".

وتحديد من هو وراء أي هجمات شيء يصعب الوصول اليه.

وقال بيرمان خلال شهادته امام الكونغرس بشأن هذه المسألة "الكثير من هذه القدرات مائعة (غير قابلة للإثبات)".

وأضاف "لدينا مجموعات من المتسللين يمكن ان يكونوا جزءا من الحرس الثوري ويمكن أن لا يكونوا، لكن من الواضح انهم يلقون تشجيعا منه.. هناك ايضا احتمال ان تشتري ايران قدرات إلكترونية اضافية بل حتى قوة بشرية من السوق المفتوحة.. نحن ببساطة لا نعرف".

وفي خطاب عن الامن الالكتروني، وصف وزير الدفاع الاميركي ليون بانيتا الاسبوع الماضي الهجوم على ارامكو بأنه أكثر الهجمات التي تعرضت لها شركة ما تدميرا. لكن الوزير لم يصل الى حد القاء اللوم صراحة على ايران.

لكن القوة التي تحدث بها اعتبرها خبراء تحذيرا من ان اي هجمات أخرى قد تكون لها عواقب.

وطبيعة هذه الحرب الصامتة، من قدرة على انكارها ومن إمكانية لشنّها بالوكالة، قد تجعل السيطرة عليها اكثر صعوبة. فالخبراء يقولون ان القواعد في الفضاء الالكتروني هي أبعد ما تكون عن الوضوح.

وأعلنت واشنطن في 2011 انها تحتفظ بحق الرد عسكريا على اي هجوم الكتروني يوقع قتلى او أضرارا، لكن على ارض الواقع يعتقد كثيرون ان هذه التكنولوجيا تتجاوز إلى حد بعيد المناقشات الجارية بشأن استخدامها.

وقال الكسندر كليمبرج خبير الامن الالكتروني في المعهد النمساوي للشؤون الدولية "الدول في الوقت الراهن لا تضع على نفسها قيودا كثيرة في الفضاء الالكتروني، وهذا خطير للغاية.. قد تكون العاقبة ان نجد نفسنا امام تعريف جديد (للحرب).. حرب لا تعلن أبدا ونادرا ما تكون مرئية لكنها مستمرة بشكل فعال".

وما يتضح بشكل متزايد، هو ان المواجهة الالكترونية ستكون في قلب الكثير، ان لم يكن في قلب كل النزاعات الدولية والمنافسات لسنوات قادمة.

ويعتقد مراقبون ان روسيا والصين استثمرتا المليارات في قدرات تريان انها تسمح لهما بالالتفاف على الهيمنة العسكرية التقليدية للولايات المتحدة، وتسمح لهما بتعطيل انظمة واتصالات ضرورية.

واتهم مسؤولون اميركيون بالفعل الصين، بالسطو على اسرار دولة واسرار شركات وسرقة تكنولوجيات، بينما تتهم بكين واشنطن بدعم المنشقين الذين يعملون على الانترنت وتخشى ان يسقطوا الحكومة الشيوعية.

ويخشى البعض وفقا للسيناريو الأسوأ ان تفسد النزاعات الالكترونية العلاقات الدولية وتفجر حروبا عسكرية في مناطق عدة من العالم وليس في الخليج وحده.

وقال جون باسيت وهو مسؤول كبير سابق في مقر الاتصالات الحكومية البريطانية وزميل كبير "الان في معهد الخدمات المتحدة الملكية في لندن لدينا موقف تنخرط فيه الحكومات ومن يعملون لها بالوكالة، وبشكل متزايد، في الهجمات الالكترونية لإلحاق اضرار بمصالح منافسيها".

وأضاف "هناك حقا غياب خطير للتفاهم المشترك والقواعد غير الرسمية الضرورية لتنظيم هذه الأنشطة والحد منها".