الشعر 'سلاح' يوهانس بشر للتعبير عن معاناة الكادحين

الطبقات المسحوقة ألهبت قريحته الشعرية

برلين - يعد الشاعر والروائي والمسرحي يوهانس بشر والذي ولد في مدينة ميونخ أحد الذين يعاب عليهم أسلوبهم الشعري الخطابي واتجاهه الى البساطة التقليدية رغم أن أسمه التصق بالواقعية الاشتراكية للأدب الألماني الحديث وبداياته كانت ضمن النزعة التعبيرية.

وإقتربت تسميته أحيانا من شاعر المناسبات ولعل إنضمامه الى العمل العقائدي من خلال إنتمائه الى الحزب الديمقراطي الإشتراكي ثم الحزب الشيوعي وموقفه من النازيين في ألمانيا عند إستلامهم للسلطة كانت كل تلك مؤثرات في إثراء موجوداته الشعرية والفكرية ضمن ذلك الخط الوطني المعبر عن الإيمان بالمبادئ المنتسب إليها.

وجعل الإنسجام مع تلك المفاهيم من يوهانس بشر ممثلا للواقعية الإشتراكية في الأدب الألماني، إذ وجد أن الأساس في التغيير تغيير الأنظمة والمجتمعات التي تأتي من الطبقات المسحوقة وتحديدا على أيدي الطبقة العاملة.

وتغنى الشاعر بنضال تلك الطبقة ويقيم من لغتها أناشيده وأغانيه التي أصبحت فيما بعد أناشيد الجماهير التي تحفزهم لتحقيق مصيرهم الأمثل والإيمان بقدرة الإنسان على الخلاص والبناء.

وأكمل بشر رحلته الفكرية والشعرية وحماسه الدؤوب حين هاجر من بلاده ألمانيا عام 1933 وأستقر في الإتحاد السوفيتي ومارس الصحافة والتقى العديد من الأدباء هناك.

وصقلت هذه الهجرة تجربته الشعرية على صعيد اللغة حيث إنتقل من اللغة الخطابية التقليدية المباشرة الى اللغة الثرية التي لاتحصر في منحى واحد.

ووجد أن الضرورة الشعرية تقتضي التخلص من القالب القديم للغة والذي لايتلاءم مع مجريات تحولات الحداثة الشعرية والمتغيرات التي تعصف بالعالم ومنها إنهيار العالم البرجوازي وصراع المصالح الذي أدى الى قيام الحربين العالميتين.

وحرص على ادخال لغة جديدة، وتناول مواضيع متنوعة وأستطاع من إخراج منتجه من تلك السفافة والتقليد الى تراكيب تعبر عن متطلبات الهم الإنساني وبقدرة فنية عالية.

وكتب خلال تلك المرحلة "رقص الموتى" و"ألمانيا ...عمل ملحمي" و"السعادة والأعباء السبع"، وغيرها من الأعمال التي جعلته يتحول ببراعة في صوره الشعرية.

ولاشك أن تلك المغايرة وقد يكون بدون قصد مسبق سارت به الى شيء من التشاؤم في شعره وعدم الثقة بالحياة والاحساس بالخسارة، وقربت له الموت وخلاصة القول أنه إتجه لحقيقة الشعر وبعده المطلق الذي يتمثل في ذلك الصراع الأبدي عن حقيقة الوجود.

وقدم يوهانس بشر إيجازا لغويا خاصا لنمط من روحه المجزأة مابين تلك الواقعية وبين الذات المنسلخة منها وكأنه أرغم بذلك الإزدواج على المغامرة بالشئ الجديد الذي يعتريه.

ووقع الشاعر الفذ مابين النصفين النصف المنمق والنصف المنفعل وأعطى لكل منهما حقه الشعري من التبشير بالإخوة العالمية والخلاص والتحرر والإنعتاق على أيدي الطبقة العمالية الى نشيد الإستسلام أمام قدر الموت.

وكأنه يقدم شكله الفلسفي الذي قدمه زملاء له في تلك الحقبة لتصبح لدى هولاء الحياة بأنها متعة الرمز الذي يعبر عنه تارة ببراعة ونقاء وتارة يستلزم تقديمه بعتمة مبالغ فيها.

ويعود يوهانس بشر عام 1945 الى بلاده الى ألمانيا ويرأس إتحاد المثقفين للتجديد الديمقراطي.

وكان قد أنتخب قبل عام رئيسا لأكاديمية الفنون ليمارس عمله هذه المرة في بلاده تحت الإتجاهين اللذين ذكرناهما مناديا بالحرية والديمقراطية والتحرر في دعائه العلني وراضخا لحقيقة الحياة في دعائه الباطني لينشد بذلك نشيده الوطني الشخصي الذي لايسمعه سواه في قصيدته "عشب".

إن ما يذكر لبشر تلك الانتقالية الشعرية السريعة من النزعة الجادة الى النزعة الفلسفية للإرتقاء بشعره الى الفن اللائق عبر مساحة إنسانية شفافة تبتغي الوصول بأغراض الهم الإنساني فرادا وجماعات.

وقدر له أن يلخص ذلك في نجوم بريق لامحدود ويبلغ أقصاه في رائعته حب بلا راحة لينعم بعدها بميتة هانئة وسعيدة لأنه انشد مؤخرا ماراه ضروريا ومفيدا.