الصَّفوي ... لأجل المُلك سمى نفسه بكلب علي

عندما تتحول المذاهب إلى رايات بيد أهل السياسة!

ينحدر ميول الأُسرة الصفوية للتشيع من طائفة من غلاة الشيعة، الذين كانوا يقطنون اراضي في آسيا الصغری التي كانت تحت السلطة الصفوية. لهذا كان الحكام الصفويون، وخصوصاً الاوائل منهم، بعيدين تماما عن التشيع المعتدل، فكانوا شديدي التعلق بالمذهب الشيعي وحريصین على إرساء دعائمه؛ وقد بذلوا قصاری جهدهم في ترويج المذهب الإثنى عشري الشيعي؛ و كانوا حريصين كل الحرص على القضاء على أي مذهب آخر، يقلل من شأن المذهب الشيعي.

دفع هذا التعصب الشديد، على نصرة المذهب الشيعي، بالصفويين إلى ممارسة البطش بجميع المذاهب الأخرى؛ التي كانوا يشعرون أن انتشارها يمثل خطرا على المذهب الاثنى عشري، قد كان الكثير من الشعوب الإيرانية، سنية المذهب و كانت التجمعات الشيعة تتمركز في مدن محددة نحو: قم وكاشان والري.

بعد ما توّج إسماعيل الصفوي نفسه شاهاً على ايران، فرض المذهب الشيعي على الشعب كله وجعله المذهب الرسمي للدولة؛ على الرغم من إعتراض بعض علماء المسلمين من شتی المذاهب. ومن المعروف أن مستشاريي الملك الشاب كانوا يخافون كثيرا من تشدده المذهبي وفرضه التشيع علی الشعب. فعند ما حذروه من احتمال رفض الشعب التشيع او عدم خضوعهم لملك شيعي، قال لهم بانه مأمور من عند الله، وآن الله و الائمة معه و سيساندونه في هذه الدعوة. ثم قال: "اذا اعترض الشعب باكمله فسأسل السيف من غمده ولم أبق أحداً من المخالفين حياً".

كان الشاه عباس الكبير، حريصاً على الإكثار من زيارة أضرحة مشايخ الشيعة وأئمتهم، والقيام بخدمتها، فكان يزور ضريح الامام الرضا في مشهد، و قد زار هذا الضريح ذات مرة سيراً على الأقدام من اصفهان إلى مشهد (1333 كم) وذلك وفاء لنذر غير معروف. بدأ الرحلة يوم الخميس، الخامس عشر من جمادي الأول، 1010هـ ووصل إلى مشهد في الرابع عشر من جمادي الآخرة من العام نفسه، وقضى هناك ثلاثة أشهر يقوم بالخدمة. وعلق بعض مؤرخي الصفوية على هذه الرحلة بالقول: "يدرك علماء التاريخ أنه لا يوجد حاكم سلك مثل هذا الطريق الذي سلكه الشاه عباس، وإذا كان هرقل قد سار من القسطنطنية إلى بيت المقدس فقد رشوا له أرض الطريق بالورود و الرياحين. في حين سلك الشاه عباس الطريق على الحصى و الرمال دون أن يعبد أو يمهد. و قد آثر أن يسير حافي القدمين".

بعد أن تمكن من فتح بغداد العام 1032هـ، واستولى على العتبات المقدسة لدى الشيعة والموجودة في كل من كربلاء والنجف والكوفة، ونجده يسارع بزيارتها. وقد ذكر البعض بأنه قضى عشرة أيام في ضريح على بن أبي طالب في النجف، حيث قام بخدمة زواره وبكنس أرض المقبرة. وإمعاناً في إعلان تبعيته لآل علي بن أبي طالب، وتمسكه بالمذهب الشيعي لقب نفسه بـ"كلب عتبة علي" أو "كلب عتبة الولاية"، ونقش هذا اللقب على خاتمه لكي يستعمله في المراسلات الرسمية.

لم تكن سياسة التشدد الديني للحكام الصفويين تجاه أهل السنة فقط، بل شملت كل الأقليات الدينية المتواجدة في ايران من المسيحين و اليهود و المجوس و المذاهب الصوفية. وهذا شأن كل حكم يقوم علی اساس الدين و يفرض مذهبا معينا علی الشعب و يربط الديانة بالامن و المصالح العامة. وهذا ما نخافه في العراق الجديد بسبب وجود مرجعية دينية محددة تتبناه السلطة. وعليه كلما كان يتوسع نفوذ علماء الدين في السلطة، كان يكثر التشدد الديني تجاه الاقليات. كما نشاهده في عهد السلطان حسين الصفوي، فبدأ يطلب الجزية منهم وخصوصاً من اليهود والمجوس، و كان يأخذ منهم ايضا ضرائب أخری مما اثار تلك الاقليات، وعند ما هجم محمود الافغان لاسقاط الدولة الصفوية، واجه إقبالا واسعا ومساندة كبيرة من الاقلية المجوسية في يزد و المناطق الأخری.

وعلى الرغم من ذلك، لم يكن تعامل الصفويين مع الأديان و المذاهب المختلفة علی مستوی واحد؛ وذلك لاختلاف المصالح والظروف. فإنهم كانوا عادة يتعاملون مع المسيحيين بشكل أفضل بسبب حاجتهم إلی مساعدة الدول الأوروبية وبسبب العداء المشترك للصفويين والدول المسيحية تجاه العثمانيين؛ فعدو العدو يعتبر صديقا. وسنستعرض هنا تعامل الحكام الصفويين تجاه الفرق الصوفية و أهل السنة والمسيحيين واليهود خاصة بسبب اهمية هذه المذاهب والأديان في العهد الصفوي، ونغض النظر عن الأديان الأخری كالمجوس والصابئة والهندوس والبوذيين والمذاهب الأخری كالإسماعيليين الذين كان عدد منهم متواجدين في ايران آنذاك.

بنت الاسرة الصفوية امجادها علی اكتاف اتباع المذاهب الصوفية – شيعية منها كانت او سنية – و لكن سرعان ما ظهرت خلافات بين الحكام الصفوية و المنتمين إلی الفرق الصوفية. كان من آثار ذلك الفتك بكثير منهم، و ان كانوا من الشيعة، فالمُلك عقيم ولا يرحم اتباع الديانة الواحدة أو حتى أفراد الأسرة الواحدة. والملفت في الأمر هو أن ما جری علی الفرق الصوفية كثيرا ما كان بطلب و دعم من الفقهاء، الذين كانوا يعتبرون التصوف منافس تاريخي لهم فيجب حذفهم تمهيدا لبسط سيطرة الفقهاء علی الأمور؛ وهكذا بسط الفقهاء ايديهم علی مقاليد الحكم کافة في المنتصف الثاني من العهد الصفوي. فقام الشاه عباس بحركة ابادة ضد المتصوفة بسبب رأي فقهاء البلاط الصفوي بانهم من الفرق المنحرفة و الضالة و خصوصاً بعد ما عرف انهم يخبئون بعض الدسائس ضده( ). و اهم نموذج علی ذلك ما حدث للنقطويين. ينسب المذهب النقطوي الی احد سكان جيلان في شمال ايران، اسمه «محمود نامي». بدأ محمود بدعوته عام 800 الهجرية، و دعوته الاساسية هو ان كل شيء يحدث من نقطة من التراب، و لهذا اشتهر مذهبه بالنقطوية( ). و قد تعرضت النقطوية للتنكيل من قبل الشاه طهماسب الاول (930 - 984)، إلا أن اضطراب الامور، خلال سني حكم الشاه اسماعيل الثاني و السلطان محمد خدابنده، ساعد النقطويين علی انتشار دعوتهم، لكن ما أن استقر الشاه عباس علی العرش و اطلع علی الانتشار المتصاعد للنقطوية، خاف من ظهور قوة شعبية منافسة للصفوية، فأسرع علی الفور الی مقرّهم في قزوين بحجة زيارة المرشد الصوفي، ثم امر بالقاء القبض علی رؤسائهم و الفتك بهم و بكل من ينتمي اليهم علنا. كما اضطر اتباع بعض الفرق الصوفية السنية كالقادرية – و هم اتباع عبدالقاهر الجيلاني – مغادرة ايران بسبب التشدد المذهبي ضدهم.