حقبة اللايقين: معضلات بناء نموذج إسلامي (1-2)

إعداد: محمد الشيوخ
الجمع بين الدين والسياسة إيذاء متبادل

خروج بعض الحركات الإسلامية في تونس ومصر تحديداً، إبان اندلاع الاحتجاجات والثورات في الوطن العربي، من خندق المعارضة كقوى محظورة ومطاردة، ووصولها إلى السلطة وفي مراكز صناعة القرار وبشكل مكثف، ومن ثم تحولها إلى قوة اجتماعية وسياسية معترف بها، وذات ثقل ووزن كبيرين، لم يأت من فراغ. بمعنى آخر أن هذا التحول جاء بعد أن جددت حركات الإسلام السياسي مؤخرا شعاراتها وخطاباتها لتتوائم مع حركة الجماهير الغاضبة والمناهضة للاستبداد السياسي.

إن التحول الهام لمكانة حركات الإسلام السياسي دفع بعض الباحثين والمهتمين بهذه الظاهرة لإعادة التقييم والاهتمام بها؛ وبشكل موسع ومركز أيضا. ذلك ليس لأنها تمثل حالة دينية أو سياسية أو حركية محضة فحسب، كما كان سائداً في السابق، وإنما بوصفها تمثل ظاهرة سوسيولوجية بالغة التعقيد والتشعب، إذ يختلط فيها الجانب الديني بالثقافي، والاجتماعي بالسياسي، والتنظيمي بالحركي، الأمر الذي دفع هؤلاء الباحثين الولوج إلى عمق بنيتها الفكرية والتنظيمية ومنظومتها الإيديولوجية بحثا وتحليلاً، ومن ثم رصد سلوكها وشعاراتها وبرامجها وتحولاتها وقراءة تأثيراتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ضمن بيئتها الاجتماعية، بغية استشراف مساراتها وأدائها وتحولاتها في مختلف المراحل الزمنية والظروف المتغيرة.

بيد أن الاهتمام بظاهرة صعود الإسلام السياسي، سواء بوصفها حالة دينية أو سياسية على الصعيد العالمي والعربي، ليست مسألة حديثة، وإنما هي راجعة إلى عقود طويلة من الزمن. لذا تشير أدبيات الإسلام السياسي العربية والأجنبية إلى أن حركات الإسلام السياسي في المشرق والمغرب العربي المعاصرة منها، والتقليدية الفكر والمنهج، عرفت حالة زخم سياسي متواصل منذ تهاوي المد القومي العروبي إثر نكبة 1967، فغدت خلال ستة عقود من الزمن أحد أهم حقائق المشهد السياسي في العالم العربي بمشرقه ومغربه، كما حظيت باهتمام دولي بالغ مع انخراطها في الصراع الدولي الإقليمى في ظل الحرب الباردة، لصالح المشروع الرأسمالي الغربي(الحراثى، ميلاد: حركات الإسلام السياسي المعتدل والمتطرف في العالم العربي، منظور تحليلي معاصر11 أكتوبر 2012).

ما يميز الأبحاث والدراسات المعاصرة لظاهرة صعود الإسلام السياسي، التي صدرت بعد اندلاع الثورات تحديداً، أنها لم تكتف بدراسة الظاهرة بوصفها ظاهرة سوسيولوجية منعزلة فحسب، وإنما تشعبت الدراسات واتسعت إلى اوسع من ذلك، لتشمل رصد وتحليل تأثيراتها وتموجاتها ومجمل الظروف المحيطة بها، سيما بعد وصولها لمركز صناعة القرار، وكذلك رصد وقراءة العديد من الظواهر الاجتماعية والسياسية التي ارتبطت بحدث "الاحتجاجات والثورات" في العالم العربي.

الإسلام السياسي بوصفه ظاهرة سوسيولوجية:

ففي ما يتعلق بنموذج الدراسات، التي ركزت على ظاهرة صعود الإسلام السياسي بوصفها ظاهرة سوسيولوجية؛ يمكن الإشارة إلى ما تضمنته مجلة السياسة الدولية الفصلية البحثية في عددها 187 يناير 2012، والصادرة عن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام، ما تضمنته من دراسات عبر ملحقها الذي جاء بعنوان "تحولات استراتيجية واتجاهات نظرية".

إن ما تضمنه هذا الملحق من أبحاث سعت إلى الاقتراب من ظاهرة صعود الإسلاميين، في محاولة منه للإجابة على تساؤل رئيس: هل نحن بصدد "حقبة إسلامية"؟ أم أن هذا الصعود يمكن أن ينتهي إلى مآل آخر يختلف عما قد توحي به المشاهد الأولية في اليوم التالي لنجاح تغيير أنظمة الحكم في بعض دول الربيع العربي؟ وفي هذا السياق يعتبر الملحق أن ظاهرة صعود الإسلامين (الانتقال) يمثل بالنسبة لأنصار التيارات الإسلامية فرصة لا ينبغي إهدارها لترسيخ هذا الصعود ليصبح حضورا ثابتا نسبيا، بل وربما، حسبما يطمح البعض، لقيادة عملية تغيير واسعة النطاق في مجتمعاتها باتجاه التفضيلات القيمية لتلك التيارات. كما حاول هذا الملحق قراءة الواقع الذي تبلور في إطاره هذا الصعود الإسلامي، واستكشاف خريطة القوى الإسلامية، عقب التحولات التي سيفرزها هذا الصعود في أوضاعها ومواقفها، وأخيراً حول المعضلات التي قد تواجه هذا الصعود.

تضمن الملحق ستة أوراق بحثية لمناقشة هذه القضية، إضافة إلى مقدمته التي حاول فيها مالك عوني، محرر الملحق، تحديد الأسئلة الإشكالية التي يثيرها هذا الصعود الإسلامي، مع التأكيد على أن الرؤى التي يتضمنها الملحق إنما هي محاولات اقتراب أولية لا تستهدف التوصل إلى نتائج كلية أو نهائية، بقدر ما تستهدف فتح المجال أمام دراسات وقراءات أكثر عمقا وشمولا.

افتتح الملحق بورقة للدكتورة نادية محمود مصطفى- أستاذة العلاقات الدولية بجامعة القاهرة- تحت عنوان: "بين فقه الواقع وفقه التاريخ: حالة "الصعود الإسلامي" في ظل الثورات العربية"، حيث حاولت هذه الورقة استجلاء حالة الصعود وفهمها على ضوء فقه الواقع وفقه التاريخ، لتحديد موقع الصعود ومآلاته المحتملة، في ظل الثورات العربية الراهنة وتداعياتها، فهذا الفهم ضروري لتحديد الأهداف التي يتعين على الحركات الإسلامية أن تسعى لتحقيقها في المرحلة المقبلة، وكذا تحديد الأدوار التي يتعين أن تلعبها وما يجب استخلاصه من مبادئ لتنظيم سلوك تلك الحركات على ضوء الأطر المرجعية المختلفة التي تتوفر لها.

حاولت الدكتورة في بحثها تقديم رؤية تجيب على السؤال الرئيسي الذي يواجه الحركات الإسلامية في المرحلة الراهنة، وهو: ما نمط الإصلاح والتجديد المطلوب داخليا وخارجيا استجابة لتحديات اللحظة التاريخية وحتى تصبح الحقبة القادمة إسلامية وطنية حرة ومستقلة؟ وتجيب الدراسة انطلاقا من أبعاد رؤية حضارية من منظور فقه حضاري إسلامي عن آفاق ومتطلبات التغيير الحضاري المنشود، باعتبار أن الصعود الإسلامي الراهن بقدر ما يمثل فرصة للحركات الإسلامية وأحزابها إلا أنه يمثل أيضا اختباراً ويتطلب شروطاً. فمرجعية إسلامية للتغيير بعد ثورة لا تقتضي فقه الثوابت فقط، بل فقه التغيير وفقه الفكر إلى جانب فقه الحركة وفقه إرادة الشعوب مع فقه سلطة الحكم.

إلى جانب تلك الدراسة عرض الدكتور كمال حبيب، الباحث المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية، تأثير حالة الصعود تلك على خريطة القوى الإسلامية والتحولات التي يمكن أن تشهدها تلك الخريطة جراء تغير المواقع السياسية لتلك القوى، وتوجهاتها إزاء العملية السياسية، وما قد ينجم عن ذلك من انشقاقات أو نشوء حركات أو أحزاب جديدة تعكس توجهات جديدة، في مقابل البعض الآخر من تلك القوى الذي استمر في الحفاظ على مواقعه وتوجهاته ان الكم الهائل من الدراسات حول ظاهرة الإسلام السياسي، التي برزت منذ بدأ الاحتجاجات في العالم العربي، ونوعيتها أيضاً، يعطي مؤشرا إيجابيا على أن تناول هذه الظاهرة من جوانبها المتعددة وتأثيراتها،سيكون أكثر سعة وشمولية وتركيزا وحيادية من ذي قبل.

تحت عنوان "الاقتراب الحذر: هل تعيد الحركات الإسلامية الصاعدة هيكلة الدولة العربية؟"، يعتمد الدكتور أسامة صالح، مدرس العلوم السياسية في جامعة القاهرة، على تحليل خطاب تلك القوى والحركات الإسلامية الصاعدة، في كل من مصر وتونس، ومقاربته مع منطلقاتها الفكرية، ومع معطيات الواقع المحيطة، للإجابة على سؤالين محددين: هل يمثل الصعود الإسلامي إلى الحكم بعد ثورات الربيع العربي مؤشرا على بدء مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة؟ وهل يمكن توقع نمط استجابة واحد من قبل تلك الحركات تجاه التعاطي مع مفهوم الدولة وشكل نظامها السياسي ومبادئه الحاكمة، في الدول المختلفة التي شهدت صعودها الأخير، أم أنماط استجابة متعددة؟

قدم الباحث قراءة وصفية تحليلية للبرامج السياسية للأحزاب والتيارات الإسلامية وتصوراتهم لقضايا الدولة والسلطة والديمقراطية والإصلاحات السياسية والدستورية ومفاهيم المرجعية والهوية والقيم قبل الثورة وبعدها، متوقفا عند طبيعة الفكر السياسي لكل من الإخوان المسلمين وحزب النور في مصر وحركة النهضة في تونس، بالإضافة إلى تصوراتهم حول قضايا التنمية الاجتماعية والاقتصادية ومواقفهم من الحريات الفردية والسياحة.

من جهة أخرى، يحاول الدكتور هشام بشير – الباحث المتخصص في شؤون الاقتصاد السياسي– في مقاله المعنون بـ "من التشدد إلى الاعتدال رؤية القوى الإسلامية الصاعدة للمسألة الاقتصادية"، فقد تناول بالتحليل النماذج الثورية الأربع التي صعد فيها الإسلاميون، مفككا المميزات والخصوصيات السياسية والاجتماعية لكل من النموذج التونسي والمصري والنموذج الليبي والمغربي، وقد رصد الباحث مواقف هذه التيارات من السياحة والبنوك وقضايا الاستثمار والعدالة الاجتماعية، كما رصدت الدراسة مميزات الاقتصاد الإسلامي في تصور الإسلاميين وطبيعة رؤيتهم لسبل تنزيل مبادئ الاقتصاد الإسلامي على أرض الواقع بوصفه حلا للأزمات والمشاكل الاقتصادية التي تعانيها دول الربيع العربي.

كما اعتمدت الدراسة في عرضها للموقف من السياحة مثلا، مقاربة مقارنة لتصورات التيارات الإسلامية بخصوص المسألة الاقتصادية، إذ يلاحظ الباحث مثلا بعد استعراضه لكل من تصورات حركة النهضة التونسية وحزب الحرية والعدالة المصري وحزب العدالة والتنمية المغربي والتيار السلفي المصري أن هذه البرامج والتصورات اتفقت على المبدأ وهو الوعي بأهمية القطاع السياحي في الدينامية الاقتصادية وتوفير فرص العمل وجذب الاستثمارات، رغم اختلافها في التفاصيل والآليات والوسائل، لكنه في سياق المقارنة يؤكد أنه بشأن السياحة نجد التيار السلفي في مصر هو الأكثر تشددا وإن كانت هناك اتجاهات بداخله تحاول التخفيف من حدة خطابه وموقفه، في حين أن النهضة في تونس والعدالة والتنمية في المغرب قد اتخذا موقفا برجماتيا عمليا.

يناقش كل من: الدكتورة ولاء البحيري، مدرس العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والأستاذ أبو الفضل الإسناوي، الباحث المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية، الانعكاسات المحتملة لصعود تلك التيارات الإسلامية على السياسة الخارجية لدولها، وكذا على التفاعلات الإقليمية، في دراستهما بعنوان:"الجغرافيا المحيرة: كيف تفكر التيارات الإسلامية في معضلة الإطار الإقليمي"، فقد شهدت المنطقة العربية صعود التيارات الإسلامية بشكل لافت للنظر وغير مسبوق على صعيد المشاركة في عملية صنع القرار، بعد ثورات الربيع العربي، إذ صعدت في خضمها تيارات عدة منها:تيار الإخوان المسلمين، والتيار السلفي بمصر، وحزب النهضة في تونس، والإخوان المسلمون في ليبيا، وحزب العدالة والتنمية في المغرب. وقد سعت الدراسة إلى استجلاء تأثير صعود الحركات الإسلامية في السياسات الخارجية لدولها، وفي التفاعلات الإقليمية، مع محاولة استكشاف آلياتها في التعامل مع المشكلات القائمة في المنطقة، وذلك من خلال رصد وتحليل برامجهم التأسيسية والانتخابية؛ لكي يعمق بحثه في تصورات القوى الإسلامية للإقليم ومفهومه وحجم هذه الرؤية، وأنماط التفاعل المتصورة مع قضايا الإقليم، من خلال قضايا محددة بعينها حصرها في: الموقف من القضية الفلسطينية وقضية أمن الخليج وقضايا التكامل العربي والإسلامي والعلاقة مع الخارج.

ويختتم الملحق بمقال تحت عنوان "حقبة اللايقين: معضلات بناء نموذج إسلامي بعد الثورات العربية"، الذي أعده الأستاذ سعيد عكاشة، الباحث المشارك بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية في مؤسسة الأهرام، لتقديم رؤية عامة للعقبات والتحديات التي قد يواجهها هذا الصعود الإسلامي. إذ ترى الدراسة بأنه لم يفاجئ الصعود الكبير لقوى الإسلام السياسي في العالم العربي، بعد الثورات التي وقعت منذ أواخر العام 2010 الكثيرين من المحللين والمراقبين. فالأمر ببساطة لدى البعض منهم على الأقل كان متوقعا، في ظل فشل النظم والأفكار "شبه العلمانية" التي حكمت أغلب البلدان العربية بعد الحرب العالمية الثانية، في تحقيق التنمية الاقتصادية - الاجتماعية، والحفاظ علي الأمن والسيادة الوطنيين من التدخلات الأجنبية (مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية، مؤسسة الأهرام، ملحق: تحولات إستراتيجية واتجاهات نظرية، مجلة السياسة الدولية الفصلية البحثية، عدد187 يناير 2012).

محمد الشيوخ