وصايا عشر إلى المجلس الوطنيّ السوريّ

بقلم: مرح البقاعي

في غمرة احتدام القتل المفرط في سوريا وتعاظم إرهاب الدولة الموجّه من طرف النظام في محاولته البائدة لقمع الثورة السورية الماجدة وقهر طاقاتها المتوالدة، وفي وقت نحتاج فيه لتوجيه طاقاتنا كافّة باتجاه إسقاط هذا النظام وإيقاف حملة التدمير للحجر والبشر التي يشنّها بشار الأسد على الشعب السوري العظيم، وفي منتصف البئر المعتم في مسيرة المجلس الذي تجلّت بشائر الانفراج منه في طرحنا لمبادرة الإصلاح الانتخابي التي تقوم على قاعدة الكفاءة لا على المحسوبية والتكتّل، وقبيل اجتماع الدوحة المفترض انعقاده في الرابع من شهر نوفمبر القادم لأعضاء الهيئة العامة كافّة، يتمّ تسريب قائمة من أعضاء المجلس قيل إنها أساءت للمجلس الميمون من خلال الانتقاد العلني لأدائه، وبناء عليه تمّ تحويل هذه الأسماء إلى التحقيق بتهم جاهزة قد تكون موازية لتهمة "إضعاف الشعور القومي".

ونظراً لورود اسمي ضمن هذه القائمة بتهمة مهاجمة أداء المجلس في وسائل الإعلام من خلال مطالبتي الواضحة بـ "تطبيق المحاسبة والشفافية المالية وتعديل قانون الانتخابات وإلا حلّ المجلس والسماح بقيام جسم سياسي صحّي قادر على حمل مسؤولية المرحلة السياسية الدقيقة في سوريا" وهذا تصريح رددته في غير تلفزيون وصحيفة عربية وأفخر به أمام الشعب السوري العظيم الذي هو المحكمة الشرعية الوحيدة التي تتمتّع بالصلاحية الكاملة لتقييم وتقويم أداء المعارضة بلااستثناء، أرى أنه لابد من الوقوف لبرهة مع معطيات الموقف وتوجيه هذه النصائح العشر للمجلس الوطني العتيد:

1. ضرورة إصدار بيان رسمي من المكتب القانوني في المجلس ينأى بنفسه عن التورّط في إصدار قائمة اقصائية بحق من خالفه الرأي وانتقد أداءه (القائمة السوداء)، وكذا الاعتذار الفوري للمتضررين نفسياً وسياسياً من تسريب هذه القائمة

2. ضرورة دعوة أعضاء الهيئة العامة كافة من المسجّلين رسمياً في لوائح عضوية المجلس، دونما استثناء، لاجتماع الدوحة، كون الهيئة العامة هي الجهة المخوّلة بالتصويت على مشاريع القرارات بالقبول أو الرفض حسب النظام الداخلي للمجلس

3. الابتعاد ما أمكن عن انتفاخ الحس العنصري الذكوري بالتفوّق والتعالي على سيدات المجلس وهنّ في موقع العلم والمسؤولية والحنكة والتاريخ السياسي أيضاً والامتناع عن استبعاد السيدات الفاضلات من صاحبات الكفاءة عن الاجتماعات واللقاءات الدولية ومواقع اتخاذ القرار

4. الابتعاد ما أمكن عن الشخصنة وازدراء من يختلف باللون أو الرأي السياسيين ونبذ المحاولات اليائسة لطمس وإخماد الأصوات الإصلاحية والمحاولات الترشيدية في المجلس

5. إجراء محاسبة ومراجعة دقيقة لأداء المكتب التنفيذي على المستويين السياسي والإداري بما يتضمن تقييم هذا الأداء وتقويمه

6. تقديم كشف حساب للشعب السوري بواردات المجلس المالية كافّة، منذ إعلانه حتى اليوم، مع بيان قنوات صرف هذه الموارد ومن كان قائماً على صرفها وماهي آلية خطط الإنفاق وأقنيته

7. التخلّي عن مبدأ نظام الكتل والقوائم الانتخابية لصالح الانتخاب على مستوى الهيئة العامة وعلى قاعدة الكفاءة لا المحسوبية أوالانتماء الحزبي أو السياسي كما جاء في مبادرتناOne Man One Vote

8. الاعتراف للشعب السوري العظيم بالتقصير عن مواكبة تسارع الثورة السورية الماجدة ووضع خطط واضحة بين يدي الشعب لتنفيذها في فترة زمنية محدّدة من أجل رأب هوّة هذا التقصير

9. تمكين واستقطاب الكفاءات ذات الفكر والأيادي البيض على مسيرة الثورة والتوقف عن تهميشها و"تطفيشها" من مواقع الفعل والقرار في المجلس

10. فتح صفحة جديدة بشخوص جديدة منتخبة حسب الأصول الديمقراطية كما هو مقرّر في اجتماع الدوحة القادم في محاولة أخيرة لاستعادة ثقة الشارع السوري المفقودة.

وفي فصل المقال، لم أكن لأنضمّ إلى للمجلس الوطنيّ السوريّ الا يقيناً منّي بشرعيته التي منحها له شعبنا العظيم، وكذلك لحماسي، إلى جانب كل الزميلات والزملاء، بأن أداءنا سيكون موازياً للزخم الثوري وللثقة الممنوحة لنا من طرف صنّاع الثورة السورية الماجدة.

اليوم، أجد من الضرورة مراجعة أوراقي السياسية، والاعتراف بأن حضوري في المجلس كان معطَّلاً (بفتح الطاء) بما يكفي لنفي دوري في تشكيل هيئة داعمة للحراك السياسي الداخلي؛ كما أنني لا أعتبره فعلاً ثورياً ناجعاً لأن مسيرة المجلس العرجاء كانت متخلّفة وقاصرة عن اللحاق بالتسارع اللحظيّ الثوريّ على الأرض. وليس سرّاً أن العشرات من أعضاء المجلس لم تكن مساهمتهم بأرفع من مساهمتي لأسباب بنيويّة معطّلة (بكسر الطاء) تكمن في صلب تركيبة المجلس وعلاقاته البينيّة الشخصانيّة ولونه السياسي الأحاديّ الغالب على ألوان الأطياف "المغلوبة" كافّة.

قد تنفع الذكرى أنه في تاريخ 17 آذار 2011، اتصلتُ بالعديد ممن يشكّلون اليوم ما يُدعى "وجهاء ونجوم المعارضة" أستجديهم توقيع بيان لمؤازرة المظاهرات النوعيّة التي ظهرت في غير مدينة سوريّة. تهرّب الجميع بحجج واهية أقل ما فيها قولهم "علينا أن نتريّث.. يبدو أنها مجرد ثورة فيس بوك.. دعينا نرى كفّة من سترجح...

نعم، لم يكن هذا العام ونيف إلا اختباراً لعظمة هذا الشعب السوري، وتوثيقاً لتجذّره في الحرية والكرامة والحق، تجذّرٌ نتاجُ استيعابه للتراكم الحضاري الإنساني الذي يناهز أربعة آلاف عام من العمر البشريّ، ليشكّل ملامح الشخصية السوريّة الفريدة، التي شغلت الناس والأرض، على امتداد عام كامل، بقضيتها العادلة في التحرّر والعدالة والكرامة الإنسانية.

فلننتقل من جسم ضاق على روح الثورة العالية إلى فضاء أرحب يحتمل قامة كبريائها الباذخة.

مرح البقاعي