من حروب الردة إلى الحرب الأهلية السورية

بقلم: فاروق يوسف

حتى في أكثر عصورهم الحضارية رقيا (من دمشق الى غرناطة مرورا ببغداد) لم يعرف العرب أي معنى، مهما كان صغيرا من معاني الحكم المدني. دائما كان الحاكم العربي يستمد قوته وسلطانه من موقعه الديني اميرا للمؤمنين. سلطة مطلقة مدعومة بغطاء نخبوي وشعبي اتخذ هو الآخر طابعا دينيا من خلال البيعة. تلك الضريبة التي دفع العرب ثمنها المكلف قتلا ونبذا وتشريدا، بدءا من حروب الردة في سنوات الاسلام الاولى وانتهاء بما تشهده سوريا اليوم من حرب أهلية. إن لم تبايع، إن نفضت يديك عن بيعتك الصامتة فان الموت قتلا هو مصيرك أو أهرب لاجئا أو منبوذا أو منفيا. ولأن الحكم كان ينتقل وراثيا، سلميا في حالة وفاة الاب وإلا من خلال العنف إذا ما اختلف الورثة في ما بينهم ولجأوا الى السلاح، مثلما حدث بين الامين والمأمون، ابني الخليفة العباسي هارون الرشيد فقد كان علينا أن ننتظر الوريث بطريقة سلبية.

لا اريد هنا أن أدخل في تفاصيل التناقض بين ما يتطلبه منصب خطير من نوع (امير المؤمنين) من حكمة وعدل وصبر وشجاعة واستقامة ونزاهة وبين الوراثة التي غالبا ما تكون سلما لصعود المجانين والفاسدين والاغبياء والضعفاء إلى سدة الحكم. لكن ما يهمني التأكيد عليه هنا هو ان مبدأ الوراثة لا يمت الى الاسلام بصلة. تقليد روماني استعاره معاوية بن أبي سفيان، نسف من خلاله أية امكانية لإنتقال العرب إلى المنطقة التي يكونون فيها أحرارا في اختيار حكامهم. من يزيد بن معاوية إلى بشار الاسد لم ينقطع خيط الفتنة.

لقد تمكن مبدأ التوريث من العقل العربي، اصابه بلوثة لم ينج منها، حتى بعد أن فكت السياسة علاقتها بالدين في معظم انحاء العالم وصارت الشعوب تنظر إلى حكامها، باعتبارهم موظفين كبارا لديها، يتم تقييم إدائهم بين حين وآخر بناء على المصلحة العامة التي هي مجموعة من الشروط القانونية التي يُقاس من خلالها ذلك الأداء. كان العرب في مكان آخر دائما. ألم يكن توريث جمال مبارك ممكنا قبل أن ينقلب الشعب المصري على حكم أبيه؟ كان علي عبد الله صالح يستعد لإعلان ابنه وريثا مثلما كان سيف الاسلام في ليبيا يتصرف باعتباره حاكما في الظل ولم يكن ابنا صدام حسين في العراق أقل ثقة من ابن القذافي في أن الحكم سيؤول إليهم بعد غياب والدهما.

ولو نظرنا إلى مسألة حقوق الإنسان في سياق الحكم العربي فسنواجه مسألة غاية في التعقيد. كان أمير المؤمنين في منجى عن أية مساءلة. ولأنه كان يحتكر كل السلطات فكان من اليسير عليه أن يتحكم بمصائر رعيته. يحيي ويميت. ارادته وهي تعبير عن مزاجه الشخصي يمكنها أن تتحكم بحركة عزرائيل. كان للنعمان بن المنذر يومان: واحد للسعد وآخر للنحس. وما بينهما تتحدد مصائر المخلوقات. ولو نظرنا إلى تاريخنا المعاصر فسنجد ان الفعل الذي يؤدي بأحد ما إلى الموت قد يرفع آخر إلى عنان السماء. الفعل نفسه، غير أن المزاج هو الذي اختلف.

حتى الاحزاب العربية كانت تدار بالطريقة نفسها.

لو نظرنا إلى الخارطة السياسية في لبنان، فانها كانت دائما رهينة لتوزعها بين اقطاعيات العوائل التي ملكت السلطة وصارت تتوارثها. آل الجميل، آل كرامي، آل جنبلاط، آل الحريري وهناك استثناءات قليلة أفرزتها الحرب الأهلية وبالأخص بعد الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 قد تخطط هي الأخرى لكي يبقى ذكرها خالدا عن طريق الوراثة.

المشهد السياسي العربي لا ينتج إلا صورا غير مشجعة على التفاؤل. ذلك لأنه يعطينا الدليل تلو الدليل على أننا لم نغادر بعد قصور بني أمية. كانت فاجعة السوريين عظيمة، يوم اجتمع نوابهم في البرلمان إثر وفاة الرئيس حافظ الأسد ليغيروا فقرة صريحة في الدستور السوري تنص على عمر الرئيس. كانت عملية احتيال تاريخية، يدفع الشعب السوري اليوم ثمنها.

بدا الأمر كما لو أنه خيانة لإخلاق المجنمع المدني، ولكن ذلك المجتمع المدني لم يكن له وجود إلا في مخيلات وأذهان المثقفين. لقد ارتضى العراقيون المشي في الشوارع بالملايين من أجل تجديد البيعة لصدام حسين. قالوا "نعم" للرجل الذي قادهم كالنعاج إلى حروب لم تكن لهم أية مصلحة فيها ولم تكن لتقع لولا عبقرية الرئيس المريضة بشعور بالعظمة، نادر من نوعه. كان العراقيون يمشون حفاة فيما كانت عيونهم ترنو إلى أفق المجد. بلاغة عربية البست الكذبة ثياب الحقيقة.

لقد تلذذ حكامنا بقدرتنا العجيبة على السير إلى الوراء.

كما لو أن العجلة لم تُخترع بعد، كنا مسكونين بوهم حصان طروادة الذي سيكون نوعا من الخرافة التي تختزل غزاة قادمين من وراء البحار. كان العربي خائر القوى (لا يزال) يفكر في وهم كرامته، فيما كانت حرياته كلها تداس بأقدام من يحكمونه. بشر مثله قُدر لهم بسبب خموله الفكري أن يكونوا ظلا لإلله في الأرض بدعم مباشر من رجال الدين الذين لعبوا دورا كبيرا في إذلال الناس وإركاعهم للحكام من دون الله. سيكون علينا أن نعترف أن حكامنا ما كان لهم أن ينفردوا بنا بتلك الطريقة المأساوية لولا ذلك الدعم الذي تلقوه من رجال الدين.

فاروق يوسف