كيف نقلت الدراما السورية الواقع إلى الشاشات؟

دمشق
الدراما البيئية والحياة داخل حارات مغلقة..

لا بدو للمطلع على السيناريوهات التي قدمها كتاب الدراما السورية هذا العام أن يلمح كتابة فنية جديدة أخذت مشروعيتها من راهنية طرحها قبل كل شيء، وهي كتابة تنمو تحت وهج الصورة بل هي تحت عنايتها "فالصورة هنا تستطيع نقل الكتابة من سيناريو ورقي إلى شاشات عشرات الفضائيات" كما يؤكد الكاتب السوري فادي قوشقجي.

ويقول قوشقجي الكتابة الدرامية في جوهرها كتابة للشاشة فهي ليست كتابة روائية مع أنها تنهل من معين السرد وتتغذى عليه بل هي رواية تلفزيونية يصنفها بعض الفنانين تحت مصطلح "قلي لقلك" كحكي يتبعه حكي دون انقطاع وعلى مدار أكثر من ألف ومئة مشهد.

ويرى قوشقجي أن الرواية التلفزيونية تأتي على شكل حلقات مسلسلة كتلك التي نشرها كل من بلزاك وديستويفسكي في الجرائد على شكل سلسلة روائية لكنها ليست أدبية فهي ليست خاضعة للوصف إلا عبر الكاميرا وفي حالتها تعتبر ما قبل تفريغها إلى مشاهد في مواقع تصوير لا تزال في وضعها الأولي ضمن كتابة حكي متواصل لشخصيات وأدوار متناثرة هنا وهناك حيث انها كتابة تحتاج إلى تحرير نحو صياغة السيناريو التلفزيوني الاجتماعي.

لكن ما الذي يجعل من هذه الكتابة فنا؟

يجيب على ذلك الناقد الدرامي موسى أسود "لست هنا في وارد طرح قواعد لتعليم السيناريو في عشرة أيام كما تفعل العديد من الكتب التجارية التي تصور لنا كتابة السيناريو بالشيئ السهل مع أن هذا صار رائجاً بالأخص بين أوساط الشباب السوري فواحد من هذه السيناريوهات سيكون كافياً لتحصيل الشهرة والمال وسيكون كاتب السيناريو التلفزيوني بمثابة صورة عن روائي العصر الجديد بل روائي بصري يركب حيوات متنافرة لبشر يتناثرون على مساحة مدينة أو مدن عبر قدرة استثنائية في نمذجة البشر وتصنيفهم وضبط أوقاتهم وفق صيغ على نحو صيغة 'ليلي داخلي'، 'نهاري خارجي".

ويضيف أسود "إنها صيغة لكتابة تقترح علينا زاوية الرؤية بل تؤطرها فعلى الرغم من أن البصرية التلفزيونية عبارة عن مزيج هائل من الأفكار والصور التي تتداخل فيها وتصنعها عشرات العقول الإبداعية إلا أن هذه البصرية تحدد المكان وتحصره وتحده وهذا هو الفارق الجوهري في عملية التلقي للعمل التلفزيوني عنها في عملية القراءة للنص الروائي فإذا تجاوزنا هذا الموقف التنظيري البحت عن المقارنة بين الرواية التلفزيونية والرواية الأدبية المقروءة سنجد أنه سنكون أمام نوع خالص وجديد نوع كتابي يرتكز على رسم الخارطة البصرية وعلى شحن المفارقة وتجييش التشويق والإثارة كون الكتابة التلفزيونية نوع قائم على حواراته قبل كل شيء".

هذه الحوارات في المادة التلفزيونية ليست مجرد ثرثرة عديمة القيمة كون هذه الحوارات هي مادة الدراما القائمة على الأفعال وعلى تنامي الفعل وتجذيره في البنية العامة للعمل التلفزيوني إلا أن هذه الدراما ليست في متناول اليد كما يظن البعض حسب الفنانة سوزان سلمان التي عملت مؤخراً في ورشة جماعية لكتاب السيناريو التلفزيوني..

وتضيف سلان "الكتابة هنا قائمة على فهم نقدي عميق لمكونات الواقع الذي تريد تناوله وعلى رسم الشخصية وإضاءة المساحات المظللة في الراهن الاجتماعي من خلال الإطلالة على نهر اليومي المعاش وذلك باجتزاء مقاطع عرضية مطولة من هذا اليومي".

وترى الناقدة راما بدرة أن السيناريو التلفزيوني ليس بعيداً عن هموم الناس بل هذه الهموم جوهرية في عملية الكتابة للشاشة الصغيرة كونها معينا رئيسا لالتقاط المفارقة مادة الدراما الأولى و"كون هذا الهم اليومي أيضاً هو العنصر الحاسم في جذب المشاهد واستدراجه إلى المتابعة حيث يعمل الكاتب الدرامي ملاحظاته عبر الأفعال التي تقوم بها الشخصيات الموجودة على نطاق الصراع الدائر لنصير كمشاهدين معنيين قبل كل شيء بما يحدث بمعنى آخر تمثل الواقع الافتراضي على الشاشة ومحاكاته".

وتضيف "تنزع السيناريوهات الخاصة بالمسلسلات الاجتماعية السورية نحو ترميز جديد لواقع الحال مغتنمةً فرصتها التاريخية هذه لتنميط حياة خاصة بها ليست حقيقية بالمعنى المباشر للكلمة لكنها تحاكي الواقع من مكامن مختلفة ففي نظرة خاطفة لما قدمته الدراما السورية عبر السنوات العشر الأخيرة لن تقدم لنا أمثلة كثيرة عن أعمال مهمة وجيدة إلا ما ندر".

ورغم شدة الأثر الذي يتركه المسلسل الاجتماعي وشخصياته في وجدان المشاهد إلا أن هذا الأثر غالباً ما يكون خاضعا لنسيان سريع إذ ينتهي بانتهاء عرض المسلسل ففي نظرة عاجلة لما قدمه كل من حسن سامي اليوسف ونجيب نصير وأمل حنا وريم حنا ودلع الرحبي وممدوح حمادة وخالد خليفة وفؤاد حميرة سنلاحظ هذا الغنى الحياتي المتنوع في الإشراف على المشهد المعيشي السوري وسنلاحظ قدرة هؤلاء على سبر أغوار جديدة ومجهولة من هذا المعيش عبر تعرية ظروفه الاجتماعية والتاريخية وبالدخول إلى أماكن لم تطلها بعد عين الكاميرا التلفزيونية ونكاد نقول السينمائية.

ويقول الفنان أيمن رضا "في مسلسل 'الانتظار' استطاع كل من الثنائي نجيب نصير وسامي اليوسف اختراق البنى النائية لأحزمة الفقر الموجودة حول دمشق من خلال ما جسدته كاميرا المخرج الليث حجو بشفافية قل نظيرها في الأعمال السورية ومرد ذلك هو جودة النص وثراؤه الفني الذي عول على فك شيفرة اجتماعية شديدة التعقيد عبر بناء واع لشخصيات مسلسل 'الانتظار' بمعالجة درامية أخذت موقفها من الواقع المحتمل مصوبةً مجساتها الخبيرة لفحص نبض الحياة في غرفة عناية بصرية مشددة".

على مستوى آخر رغم التنوع الظاهري الذي عكسته الأعمال الدرامية السورية على طول السنوات العشر الأخيرة إلا أن هذه الأعمال الجديدة ذهبت للخضوع تحت هيمنة الكليشيهات في معظمها ولعل أبرز هذه الكليشيهات وضوحاً هي كتابة الشخصيات في المسلسل الاجتماعي إذ نادراً ما أفرزت الساعة التلفزيونية السورية شخصيات مكتوبة بحرفية بل يمكن القول إن أغلب ما أنتجته الدراما الاجتماعية تمحور جميعه في أدوار أكثر منه شخصيات من لحم ودم وشتان بين الدور والشخصية فالدور عبارة عن شكل خارجي يلعبه الممثل دون أدنى عناء ويديره لصالح الحبكة الدرامية السهلة وغالباً مايكون هذا الدور إما شريراً أو خيراً.. أسود أو أبيض.. على أكبر تقدير.

ويقول المخرج زهير قنوع "إن الدور يبقى دوراً في تقسيم كتاب مبتدئين أو دخلاء على الكتابة الإبداعية لأنهم يديرون لعبتهم المبسطة هذه عبر لعبة أدوار ودون أدنى عناء بل يغالون في حدة الزوايا التي يشكلها الدور في مواجهاته مع أدوارٍ أخرى في العمل التلفزيوني ليصبح المشاهد متابعاً لجوقة من الأدوار السطحية في مشاعرها وأحاسيسها ورغباتها فالدور لا يتيح للكتابة الإبداعية النفاذ إلى العمق كونه يحاكي القشور في كل شيء ثم انه لا يسمح بتحقق معنى الدراما بل يحولها إلى مجرد ميكانيك أحداث لا تطل على واقعها المفترض محاكاته بصدق وتجرد فالدور لا يقول شيئا كونه غير قادر أصلاً على إيصال مكنونات الدراما بل يراوح في فناء البيت من غير أن يدخل إلى الغرف السرية التي تتيحها الشخصية".

ويؤكد الناقد موسى أسود أن الدور مختلف عن الشخصية والدور قريب جداً من رسوم الكاريكاتور كونه يوصل الفكرة ببساطة ويعرف عن نفسه من النظرة الأولى لذلك "فهو لا يحتاج إلى مقدمات ولا يستأهل قراءات متعددة حيث أن الأدوار تبدو معافاة من كل ما يلزمها من تركيبية".

ويضيف "المطلوب من الممثل في تقديمه لدوره في مسلسل ما هو فقط أداء منسجم مع تسطيحاته متناغم مع الكليشيه النمطية التي يلخصها الدور.. فهل هو بقال الحارة...أم هو جاسوس... أم هو الزوج أو الزوجة المخدوعة... أم الرجل المتنفذ... هل هو طالب جامعي... أم مدير شركة متعددة الجنسيات... أم هو هي أب أو أم رؤوم تخاف على أبنائها".

ويرى أن الأدوار "نسخ متلاحقة من الثرثرة المفرغة من مضامينها ولاسيما في معظم الكتابات الجديدة التي صنعت قوالبها الفنية الجاهزة لطباعة أدوار لا نهاية في لعبها البصري قبل منه الكلامي أما الشخصيات فلا مجال لها في السيناريو الاجتماعي إلا فيما ندر كون الشخصية الدرامية رغم أنها دور في الأصل إلا أنها فارقة ومفارقة عن مزايا الدور نفسه فهي قبل كل شيء كتومة ولا تعطي انطباعاً بيناً من اللحظة الأولى في عين المشاهد ثم إنها مفاجئة وثرية..غامضة وعميقة.. متناقضة في حدود منطقها الدرامي".

وتقول الدكتورة نهلة عيسى (نائبة عميد كلية الإعلام) "الشخصية الدرامية متطلبة ومشوقة وساحرة فهي شكاكة إلى أبعد حد مخادعة متكلمة حتى في صمتها رغائبية مدمرة ومتصارعة حتى مع ذاتها فالشخصية هي المأزق الدرامي وهي من ينجز الخطأ التراجيدي بل هي من يسوغ له مقتل الترك فيه".

وتضيف "الشخصية ليست دوراً مع أنها كذلك فهي تلمح ولا تصرح تغلي لكنها تبتسم تمد يد الطيبة لكنها فتاكة وخطرة الشخصية هي القصة هي الصراع في السيناريو فهي جسد الحبكة أما الدور فهو فيزياء محضة بينما الشخصية كيمياء خالصة ملامح وقسمات وخليط ومزيج هائل من التناقضات مثلها مثل الكائن الإنساني فالدراما نحن.. الدراما هي اللوبان بين الفعل ورد الفعل ولا يمكن أن ننعت الأعمال التلفزيونية بالدراما السورية قبل أن نكتب كيمياء شخصياتها لا أدوارها الوظائفية".(سانا)