الجزائر ومعضلة شمال مالي المستعصية

بقلم: عبد الكريم رضا بن يخلف

من حدث عابر في شريط الأخبار السياسية، وعناوين الصحف العالمية، انتقلت أزمة مالي ومنطقة الساحل، إلى المانشيت الأولى للوسائل الإعلامية الدولية، ومن أولويات بحث مراكز الدراسات وأجهزة الاستخبارات العالمية، قنابل الراحل القذافي الموقوتة بدأت تنفجر بعد زواله، مؤرقة مضجع قوى شاركت في القضاء على نظامه.

يبدو أن الرئيس الفرنسي السابق، السيد ساركوزي، كان أحرص على إسكات الراحل القذافي منه على تأمين المنطقة من انعكاسات سقوطه، وانتقال سلس ومدروس للواقع الجديد. أميركا في عهد أوباما "الديمقراطي" قد قررت، أن لا تكون في الصفوف الأولى، واكتفت بالإسناد السياسي وحتى اللوجيستي، وفضلت التواري عن الأنظار والكاميرات، ولقد سهلت لها شخصية ساركوزي المحبة للأضواء.

أسلحة كثيرة، وعتاد ضخم، أصبح بلا رقيب ولا حارس حين سقوط النظام البائد، أو بالأحرى صار بأيد غير أمينة، غرضها إما الاتجار بها أو الاستعمال المستقبلي لأغراض غير نبيلة من طرف جهات لا تستطيع أن تؤمنهم على حياة أطفالهم ناهيك على بني البشر.

لقد شكل موقف الجزائر السلبي من التدخل الدولي بليبيا امتعاضا من الثوار الليبيين أولا ثم من عاصمة أوروبية بالأخص، وهي باريس، إلا أن كل تخوفات الجزائر أخذت محمل الجد من عواصم أكثر واقعية وإلماما كواشنطن ولندن، مما أسس من بعد ذلك على التأسيس لحوار استراتيجي بين الولايات المتحدة الأميركية والجزائر جرت أولى دوراته بواشنطن يومي 19 و20 أكتوبر 2012، بين نائب وزير الخارجية الجزائري عبدالقادر مساهل ومستشار الامن القومي للرئيس أوباما السيد جون برينان، الأيام اللاحقة أكدت للعالم الخطأ الإستراتيجي في عدم تأمين السلاح، العصب الرئيسي لقلب موازين القوى في أي منطقة. نحن بصدد التكلم عن أسلحة تقليدية فقط، كثيرة أو قليلة، الله أعلم ماذا سيصير الأمر لو انتقل الأمر إلى أسلحة غير تقليدية ولو على حيز ضيق، كالأسلحة الكيماوية.

لقد كان سقوط شمال مالي بأيدي حركات الطوارق المطالبة بحقوقها، بعد الانقلاب العسكري أول الرجات عن تسونامي سقوط القذافي في منطقة الساحل والصحراء، لقد سقط شمال مالي بأيدي تلك الحركات، ثم سقط مرة أخرى بأيدي حركة أنصار الدين المحلية بتحالف مع حركة التوحيد والجهاد، وقاعدة المغرب الإسلامي.

لقد استيقظ العالم على معضلة جديدة خطيرة، وهو إيجاد القاعدة منطقة نفوذ وانطلاق تشكل خطرا قاتلا للمصالح الغربية، الاقتصادية والعسكرية والسياسية، واستقرار دول المنطقة، علما أن النفوذ قد زاد مع تعاظم تواجد حركات مسلحة قريبة من القاعدة، كبوكو حرام النيجيرية وحركة الشباب المجاهدين الصومالية.

يبدو أن الخطر الإرهابي كان السبب الرئيسي في تغيير الجزائر الجذري لموقفها من التدخل العسكري في شمال مالي، أو بالأحرى السبب الظاهر، فالجزائر حريصة على تأمين ترابها، وعدم فتح الباب أمام خطر محدق على أمنها. ولقد شكلت ضربة القاعدة لمدينة ورقلة بتفجير إرهابي، جرس الإنذار لحكام الجزائر على أخذ الخطر على محمل الجد، فمدينة ورقلة هي عاصمة النفط الجزائري، وميدان نشاط كبرى الشركات الأجنبية، النفط الذي يمثل الرئة الاقتصادية للجزائر.

لقد خرجت الجزائر عن العادة لما أيدت مشروع القرار الأممي رقم 2071 الذي يؤيد تدخلا عسكريا بشمال مالي، فالسياسة الخارجية الجزائرية كانت دوما مبنية على تفضيل التفاوض السياسي، وحلول الوسط. تبرير الجزائر جاء متضمنا التأكيد على أن الأمر يتعلق بمحاربة الإرهاب وتنظيم القاعدة الإرهابي على وجه الخصوص، وأن القرار بذاته يعطي فسحة 45 يوما لحل سياسي تفاوضي محتمل، فقد صرح وزير الخارجية الجزائري مراد مدلسي: "الجزائر مع التدخل العسكري في مالي قصد القضاء على الإرهاب والجريمة إذا اقتضى الأمر ذلك"، الذي لم تبح به الجزائر، كيفية مساهمتها في الجهد العسكري لحل معضلة منطقة الساحل و"طوارقستان"، هل سيكون بفتح المجال الجوي الوطني لقوات أجنبية؟ أم بالمساهمة المباشرة بسلاح الجو، نقطة ضعف الخطة الأممية؟ أم ستكون بالمشاركة بجنود على الأرض؟

حرصت الجزائر قبل الموافقة على الدخول في الخطة الدولية لاستتباب الأمن في المنطقة وإعادة الأمور إلى نصابها على أمور نجملها:

- عدم اعتبار حركة أنصار الدين منظمة إرهابية، والدعوة للتفاوض معها، لسحب البساط عن الحركات ذات التركيبة البشرية من خارج منطقة الطوارق كحركة التوحيد والجهاد، والقاعدة، وإعطاء الحرب معنى حرب تحرير ضد حضور أجنبي.

- تلازم العمل على محاور ثلاث مكملة لبعضها البعض، الشق الإنساني والسياسي، والعسكري.

- التأكيد على وحدة مالي الترابية، والعمل على بناء أسس الحوار المالي الداخلي للاستجابة لمطالب الأطراف العادلة.

- إعطاء قيادة العمليات لجنرال أميركي، على أن يكون مساعده إفريقيا، أو جزائريا على الأرجح.

- القوات الأرضية، لا بد أن تكون تارقية من الحركات التارقية الوطنية الأخرى، بإسناد قوات إفريقية محضة، على أن تشارك قوات دولية أخرى في الإسناد الجوي.

يبدو أن البلدان المعنية قد اتفقت وهي بصدد الإعداد الميداني لبلورة القرار الأممي رقم 2071، البلدان المجاورة لحماية أراضيها، والبلدان الأخرى لحماية مصالحها، تدخل يبدو وشيكا وحاسما.

عبد الكريم رضا بن يخلف

كاتب صحفي

Amidz29@yahoo.fr