... شجاعة ملك

بقلم: خيرالله خيرالله

انتقل الملك محمد السادس في اطار جولته الخليجية - العربية الى دولة الإمارات ليحلّ بين اهله. فالإمارات هي الاقرب الى المغرب من بين كل دول الخليج العربية. وصل العاهل المغربي الى الإمارات بعدما زار السعودية والاردن وقطر. كان ملفتا حرصه في الاردن على تفقد المستشفى الميداني الذي اقامه المغرب لمعالجة اللاجئين السوريين ولمخيم الزعتري الذي يضم الوفا من هؤلاء اللاجئين. لم تكن الزيارة حدثا عاديا.

للمرّة الاولى هناك زعيم عربي يقدم على خطوة من هذا النوع.

تعبّر هذه الخطوة اوّلا عن شجاعة لا متناهية لدى العاهل المغربي، خصوصا اذا اخذنا في الاعتبار المخاطر التي تتضمنها زيارة من هذا النوع. كذلك تعبّر الخطوة عن مدى انسانية محمّد السادس الذي اراد ان يؤكّد للشعب السوري ان هناك بين العرب من يقف معه فعلا. اخيرا كانت الزيارة للمستشفى والمخيّم بمثابة رسالة سياسية فحواها ان للمغرب موقفا واضحا مما يتعرّض له الشعب السوري وان استضافته في الرباط قبل بضعة اشهر اجتماعا لـ"اصدقاء سوريا" لم يكن حدثا معزولا بمقدار ما انه يندرج في سياق سياسية واضحة المعالم تستهدف مساعدة الشعوب العربية على التحرّر من الانظمة الديكتاتورية. بكلام اوضح، لا يمكن ان يكون المغرب، بما يحمله من طموحات سياسية، مع انظمة لا تمتلك اي شرعية من ايّ نوع كان لم تمارس سوى القمع من اجل البقاء في السلطة.

يقوم ملك المغرب حاليا بجولته الخليجية- العربية التي بدأت بالمملكة العربية السعودية والاردن من اجل تأكيد ان هناك بين العرب من لا يزال يفكّر في المستقبل بطريقة مختلفة مرتبطة بالعصر وان التعاون العربي- العربي لا يزال ممكنا، كذلك الحدّ الادنى من التنسيق بين العرب.

ليس صدفة ان تشمل الجولة زيارة للاردن التي تقف على حدود كلّ الازمات الاقليمية. فالاردن في مواجهة مباشرة مع المشروع الاستعماري الاسرائيلي، على الرغم من وجود معاهدة سلام بين البلدين، وهي معاهدة قطعت الطريق على مشروع "الوطن البديل" الذي يدعو اليه اليمين الاسرائيلي والذي يلقى تأييدا واسعا من جهة جماعة الاخوان المسلمين التي تركّز حاليا على عرقلة الاصلاحات في الاردن وتتظاهر ضد اتفاق السلام الذي اعاد الى الاردن حقوقها في الارض والمياه.

كذلك، هناك انعكاسات مباشرة على الاردن جراء الازمة السورية التي هي ازمة نظام وكيان في الوقت ذاته. هناك مئتا الف لاجئ سوري في الاردن حاليا وقد جاء محمّد السادس الى عمّان ليؤكّد ان الاردن ليست وحدها في مواجهة المحنة التي تسبب بها انتقال هذا العدد الكبير من السوريين الى اراضيه.

كانت المحطة الاردنية للعاهل المغربي في غاية الاهمّية نظرا الى انها اظهرت عمق العلاقة التي تربط محمّد السادس بالملك عبدالله الثاني اللذين يتطلعان الى اصلاحات في العمق تؤدي الى ربط البلدين بعملية سياسية تسمح بالذهاب في اللعبة الديموقراطية الى النهاية وتؤمن تداولا سلميا للسلطة بين الاحزاب التي تؤمن بالمشروع الوطني المغربي والاردني وبالرغبة في تطوير المجتمع في كلا المملكتين وتحصينه في مواجهة التطرّف والمتطرفين من اشباه المتعلّمين الذين يسيئون، عبر ممارساتهم الارهابية، الى الدين الحنيف قبل اي شيْ آخر.

ثمة جانب آخر لا يمكن المرور عليه مرور الكرام في جولة ملك المغرب. اعتمد محمّد السادس طريقة جديدة في التعاطي بين العرب تقوم على الملفات المعدّة بدقة. تشير هذه الملفات الى ان الاستثمار في المغرب يعود بالفائدة على الجانبين، اي على المغرب نفسه وعلى الدولة او المجموعة التي تستثمر فيه.

لم يأت محمّد السادس الى الخليج الاّ بعد ترتيب البيت الداخلي. هناك بنية تحتية في المغرب تحسده عليها دول متقدّمة وهناك قوانين عصرية تحمي المستثمر. وهناك مشاريع مستقبلية تربط العالم العربي، خصوصا العربية في شمال افريقيا، باوروبا.

في مقدم هذه المشاريع الميناء الجديد في طنجة (طنجة- ميد) التي يشكّل رأس جسر عربيا في القارة الاوروبية وذلك ليس بسبب قربه منها فحسب، بل بسبب الاقبال الاوروبي على اقامة صناعات في المغرب حيث اليد العاملة الرخيصة نسبيا ايضا. هل بين العرب من سمع بمشروع تصنيع سيارات "رينو" في مكان قريب من الميناء الجديد في طنجة وفرص العمل التي سيوفّرها؟

من يساعد المغرب من العرب، انّما يساعد نفسه ويساعد في اقامة علاقة سليمة بين الدول العربية، علاقات تقوم على المصالح المشتركة انطلاقا من لغة الارقام التي لا بديل منها. انها اللغة التي يفهمها محمّد السادس الذي عرف قبل غيره ان على بلاده ان تنصرف اوّلا الى معالجة مشاكلها الداخلية من دون اي عقد من ايّ نوع كان. هل هناك منْ يستطيع تجاهل انّ العاهل المغربي فتح ابواب القصر الملكي امام كلّ الذين ظلموا في عهد والده؟ هل هناك منْ يستطيع تجاهل ان المغرب ذهب في الاصلاحات السياسية الى النهاية؟

لم يعد سرّا ان جولة ملك المغرب التي أُعدّ لها بتأنّ تشكّل سابقة، ذلك ان التركيز فيها على الاقتصاد والسياسة في الوقت ذاته. هذا لا يعني في ايّ شكل تجاهل الوضع في منطقة شمال افريقيا والاصرار الجزائري على ابقاء الحدود مغلقة بين البلدين خشية ان تكون هناك علاقات صحّية وطبيعية بين دول المغرب العربي، علاقات تساعد في الحرب على الارهاب الذي يهدّد المنطقة كلّها...

الازمة السورية كانت حاضرة، كذلك فلسطين والقدس والخطر الايراني على دول المنطقة من العراق، الى البحرين ودول الخليج في مجملها، الى لبنان...الى اليمن. ولكن ما قد يكون اهمّ من ذلك كلّه انّ هناك محاولة هي الاولى من نوعها لاقامة نوع جديد من العلاقات العربية- العربية تقوم على لغة الارقام التي لا يفهمها، للاسف الشديد معظم السياسيين في احيان كثيرة.

خيرالله خيرالله