مريم عبدالعليم .. أنامل ذهبية صاحبة بصمة في فن الجرافيك

القاهرة ـ من كالة الصحافة العربية
أصالة وشفافية

التشكيلية المصرية "مريم عبدالعليم" من طليعة فنانات الجرافيك.. أبدعت بحرارة وحماسة، تتداعى أمامها المعاني، فتحولها إلى خطوط لها إيقاعات تتجاوز بها الحدود السطحية المرتبطة بالعقل.. إبداعها ذو موضوع مقروء، كما هي الحال عند الواقعيين، تمنحه قالبًا وشكلاً شأن التجريديين، وتشحن بانفعالات تثير المتلقي وتجذبه إلى المضمون الاجتماعي والرمزي، الذي هو آلية العمل الفني.

بدأ مشوار "مريم" مع الفن بصفة عامة، ومع الصور المطبوعة بصفة خاصة منذ نشأتها الأولى واهتمامها بالفن العالمي، وبالبحث والدراسة وتذوق الجمال والتعبير عن كل ما يصادفها من أشياء ملموسة أو محسوسة بتلك التعبيرات المعروفة بالخطوط والألوان والتكنيك.. ثم اهتمامها الواعي بالثقافة الفنية والخبرات المنظمة، وصقل المعرفة من خلال التحاقها بكلية الفنون الجميلة بمصر، ودراستها في الخارج بجامعة جنوب كاليفورنيا بأميركا. ومنذ إنهاء دراستها الأكاديمية بدأت الاهتمام بإنتاجها الخاص.

وفي عام 1958 وبعد عودتها من الخارج تبينت أن أساليب الإبداع الجرافيكي التقليدية لا تفي بحاجتها الفنية، ولا تحقق التأثيرات التعبيرية الخاصة، والطرافة والجاذبية التي نستشعرها في لوحاتها الآن.

وفي العام 1962 قامت باستخدام طرق التحسيس الضوئي في فن الطباعة والذي لم يكن قد طرقه أي فنان في مصر، وحتى 1969 وبعد أدائها فريضة الحج، دخلت مرحلة من التصوف واختيار المواضيع المرتبطة بذلك، وتوجت هذه المرحلة بحصولها علي جائزة الدولة التشجيعية عام 1973، ووسام الدولة في العلوم والفنون من الدرجة الأولى عام 1974 عن تلك الأعمال.

ومنذ منتصف السبعينيات.. كان التجريد الشكلي المعبر عن فكرة معينة مختلطة بالمخطوطات أو الكتابات العربية لبعض الجمل أو الآيات القرآنية ولفظ الجلالة، عاملاً في بناء أعمالها المنفذة باستعمال التحسيس الضوئي بالوسائل المختلفة للطباعة (ليثوجراف وسيروجراف) وفي منتصف الثمانينات صدمت بفقدان ابنها الشاب فاتجه تفكيرها إلى عالم التصوف.

• لوحات زنكية

استحدثت مريم عبد العليم "وسائط جديدة" فأدخلت الطباعة بالشاشة الحريرية مع التحسيس الفوتوغرافي وأبدعت لوحاتها الزنكية بعد تقطيعها إلى أجزاء متعددة تحفرها غائرة أحيانًا وبارزة أحيانًا أخرى لتتفادى ظهور الخط الوهمي الذي يفصل العناصر المرسومة. الأمر الذي منح إبداعها مذاقًا واقعيًا وشاعريًا، من هنا كانت الصنعة من أجل إحكام صياغة المضمون لا من أجل الصنعة ذاتها. وكانت قد ملأت فكرها وإحساسها بتصفية القلب والحب الإلهي.. وذلك من بداية السبعينيات وعلى إثر أدائها لفريضة الحج عام 1969، ثم زياراتها المتكررة للأراضي المقدسة لقضاء العمرات وفريضة الحج، بالإضافة إلى الفكر الصوفي الذي كان له الأثر الكبير على إبداعاتها واختيار موضوعات لوحاتها التي تلونت بفكر وإحساس مميزين.

وكان ذلك من خلال أعمال فنية معبرة عن وعي من خلال أشكال ورموز متأثرة بالحضارة الإسلامية في ثوب جديد؛ من حيث الاهتمام بجماليات الخط العربي والاهتمام بالحرف مع الكلمة والآية القرآنية أو الحديث النبوي أو لفظ الجلالة أو البسملة.. كل هذه المفردات ترمز له كقيمة وفكر وحضارة. وقد رصدت الفنانة بأسلوب الطباعة بعض الأمور الدينية عقب عودتها من الأراضي المقدسة مثل "العودة"، "الطواف".. وكانت هذه الأعمال انعكاسات نفسية أسهمت في أن تحتوي اللوحة على العديد من الأشكال المجمعة لإعطاء الموقف جلاله الديني.

• أصالة وشفافية

كما دعيت الفنانة لتقوم بدورها عبر الوطن العربي لإنشاء قسم للتربية الفنية بكلية البنات بجدة في السعودية، وشاركت أيضًا مع الهيئة العالمية للثقافة بأعمالها الفنية المتطورة نحو الإنسانية.

وعبر مشوارها الفني تطالعنا أعمالها ومن خلال العديد من المعارض والمشاركات الدولية.. معارض خاصة في لوس أنجلوس ونيويورك وبيروت والقاهرة والإسكندرية والنرويج وروما، وشاركت في معارض جماعية في ألمانيا واليابان وإيطاليا وفرنسا ولوكسمبورج وروسيا ويوغوسلافيا والهند والصين وأميركا وإنجلترا والعراق والكويت، وفي بيناليات فينسيا وساوباولو وسياتل والنرويج (84 – 86 – 89) وهو خاص بالحفر وحققت فيه الجائزة الأولي. وبيناليات الهند والعراق ومسقط ويوغوسلافيا (63 – 69 – 73 – 89 – 91).

وفي مجال البحث والتقنيات الفنية نفذت الفنانة عبدالعليم أعمالها الجرافيكية بأساليب مختلفة حفرًا على الزنك أو النحاس أو الحجر أو الخشب، ثم ما صاغته بألوان مائية على الورق. واتسمت تكويناتها بالهوية الشرقية في مقابل الهوية الغربية، الهوية التي ترشح بالشاعرية والخيال والسحر والغموض والتوقع والهوية الإسلامية التي تتضمن التسليم لله، والإيمان بالغيب وباليوم الآخر. أما طابع الحداثة فتبدي في اللغة التشكيلية العصرية، والأساليب التكنولوجية المعقدة، والصياغات المبتكرة في التعبير عن موضوعاتها الروحية، فقد استطاعت أن تجسد أفكارها وتحول حلمها إلى أشكال وملامس وألوان يراها المتلقي.

أما طابع الحيوية والنضارة الذي يطبع مستنسخاتها، فمنبعه الصدق والإسقاط الفوري الذي يتعذر توفره عادة في الطباعة الفنية والاستنساخ، فتوافرت للوحاتها المتعة الروحية والجمالية والعقلية التي تلازم الأعمال الفنية الكبرى.

وهكذا ظلت الفنانة تعمل وتجدد أسلوبها وخاماتها وألوانها.. تتداعي أمامها المعاني التي تحولت إلى خطوط وألوان صاغت من إيقاعها هذا النبض الذي ترسمته وعاشتها بقدرتها وتفردها، عبر كل عمل فني أبدعته ومن خلال مراحلها المختلفة وقدرتها علي الابتكار والتطور عبر رحلتها، لأكثر من 55 عامًا حتي وفاتها في السادس والعشرين من أبريل/نيسان 2010.