'الفيلم المقروء' يتحدى قبضة 'الميليشيات' التجارية

التحايل على المتحايلين

القاهرة - لماذا لا تقرأ الفيلم بدلاً من أن مشاهدته؟ تساؤل قد يثير اندهاش من يسمعه لكنه أصبح مؤخرا ذا وجاهة وذلك بعد أن ظهر في المكتبات ابتكار جديد أطلق عليه مؤلفه "الفيلم المقروء".

الدافع وراء إصدار هذا الكتاب هو محاولة مؤلفه شريف عبد الهادي، إخراج عمله إلى النور إن لم يكن من خلال الشاشة الفضية فمن خلال الورق المطبوع، كشكل من أشكال المواجهة لحالة سيطرة الميليشيات التجارية على الساحة السينمائية منذ عدة عقود.

وقد أشار المبدعون إلى أن الإنتاج السينمائي هو الأفضل لسيناريوهاتهم إلا أنهم يلجأون إلى ما يستطيعون فعله والذي يمكن أن يصل بهم إلى الشهرة بأفضل الطرق الممكنة.

أولى تجارب شريف عبد الهادي، كاتب سيناريو في هذا المضمار أنه قام بتحويل سيناريو "كوابيس سعيدة" إلى فيلم مقروء صدر عن دار "نهضة مصر" للنشر والتوزيع.

وأوضح عبد الهادي أن هذا القالب لم يظهر من قبل في الأدب العربي أو العالمي، وهي المرة الأولى التي تنفذ فيها هذه الفكرة، فقد ابتكرها بعد معاناته الشديدة مع الوسط السينمائى عقب كتابة سيناريو أثناء لجنة تحكيم السيناريو في جوائز ساويرس 2009، ومحاولات التسويق العديدة له من خلال اللجوء لمختلف المنتجين، ولم يكلف أحدهم خاطره بقراءة العمل للحكم عليه، بل كانوا دائما يرفضونه.

وأوضح أنه وجد في الكثير من شركات الإنتاج مئات السيناريوهات المغطاة بالتراب، بعد أن قدمها مؤلفون شباب، لكن لم يلتفت إليهم أحد، ليكتشف أن الوسط السينمائي لا يعاني أزمة نص كما يروج صناع السينما، وإنما آفة المهنة هي الشللية.

وأشار عبد الهادى إلى أن السيناريو لاقى عدداً من ردود الفعل القوية من نقاد سينما وأدب على مدار ثلاث سنوات، مما دفعه لتغيير مساره بتحويله إلى فيلم مقروء حتى لا يظل حبيس الأدراج ولا يرى النو ، ومن هنا كان التمرد على الشللية السينمائية وسلبيات الوسط من خلال اللجوء إلى فكرة الفليم المقروء.

وأوضح عبد الهادى أن فيلمه عبارة عن رواية مكتوبة بلغة سينمائية تجمع بين السرد القصصى ولغة السينما الحوارية السريعة، والحوار بين الأبطال يكون باللهجة العامية العادية المتداولة بين الناس، مع وجود ما يشبه العنوان في مقدمة الرواية لعرض شخصيات العمل وبجوار كل شخصية نجم من نجوم الشباك المعروفين للجمهور، فيتخيل القارئ طوال الوقت الأحداث بشخصياتها على مدار الرواية وكأنه يشاهد فيلما سينمائيا.

كما أشار إلى أنه يقوم باختيار النجوم حسب الشخصيات المكتوبة فلا يمكن أن يكون الدور لشخصية خفيفة الظل ضعيفة الجسد ثم نقوم باختيار أحمد السقا لها.

وأوضح عبد الهادى أن ردود الأفعال جاءت رائعة وأكثر مما يتخيل، مشيرا إلى أن الفنانة بشرى أحد نجوم الفيلم أشادت به وقالت "إن الفكرة هائلة وجديدة " وبذلك تكون قد أعطت درساً للسوق ورأس المال الجبان وواجهت المفاهيم التجارية المبتذلة الموجودة في الوسط الفني ولدى المنتجين.

وأكد أنه سيواصل تقديم المزيد من الأفلام المقروءة بعد أن نجح "كوابيس سعيدة" الذى ينتمى لنوعية الفانتازيا دراما، وأن لديه المزيد من الأعمال سواء الرومانسية او الكوميدية او الحركية وسيواصل إمتاع الجمهور وتحدى الوسط الفنى حتى يدرك الجميع أنه ليست لدينا أزمة ورق، وأن في مصر مئات الكتاب المتميزين الذين تستحق أعمالهم أن ترى النور، ويتمنى أن تكون هذه الفكرة فاتحة خير على المؤلفين الشباب الذين أحبطتهم الظروف ليحولوا سيناريوهاتهم إلى أفلام مقروءة.

وأشار الكاتب محمد فتحى إلى أن الكتاب كعمل أول يعد جيداً جداً، وقد أشادت به لجنة تحكيم السيناريو لجوائز ساويرس عام 2009، كما أن فكرة التحايل على الواقع وتحويل السيناريو إلى فيلم مقروء في مصلحة الآب والسينما على السواء، فلابد أن يعرف الجمهور أن الأزمة ليست لها علاقة بالورق المكتوب ولكنها أزمة منتجين لا يبحثون إلا عن الفيلم المضمون إيراداته.

وأكد الكاتب مينا سليم، صاحب سيناريو "زمن القهر" الذى أشادت به لجنة تحكيم السيناريو في 2009 أن أكبر معاناة لكتاب السيناريو المصريين خاصة فئة الشباب منهم هي فشل القائمين على صناعة السينما في البحث عن المواهب الجديدة ودعمها مثلما يحدث في المسابقات التي تطرح أسماء جديدة موهوبة بالفعل، بينما نرى في دور العرض أفلام السبكي التي لا تحمل أي قيمة فنية.

وأكد سليم أن هناك سيناريوهات أقوى درامياً وفنيا على مستوى عال من الكتابة لا ينظر إليها أحد، وان كل كاتب في بداية حياته يدرك تماماً أنه من المستحيل أن يصل فيلمه إلى النور بلا وساطة ومحسوبية، ومن هنا تأتي حاجته إلى تغيير المسار أو أساليب الترويج للعمل الفنى.

وأشار سليم إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إصدار سيناريوهات سينمائية في شكل كتب، فقد قام الكاتب يوسف معاطي من قبل بنشر عدد من أعماله السينمائية مثل "حسن ومرقص" ولكنهم كانوا يتخذون الشكل التقليدي للسيناريو، وأنه يعمل حاليا على تحويل السيناريو الخاص به إلى رواية حتى يستطيع إخراج عمله إلى النور.

وأكد أنه يرى أن تحويله إلى رواية أفضل لأن أدوات الكتابة تختلف من الرواية عن السيناريو، فالسيناريو يركز على الصورة، ولهذا سيكون مقصوراً في طريقة كتابته، لكن مع الرواية ستكون هناك حرية في كتابة التفاصيل، وستكون أكثر ثراء ومتعة عن القراءة.

ومن جانبه أشار الناقد السينمائى محمود قاسم إلى أن هناك العديد من السيناريوهات القديمة التي تم نشرها في الصحف مثل سيناريو فيلمي "البوسطجي" والعزيمة"، كما كان يقوم الكاتب الراحل إحسان عبد القدوس بنشر سيناريوهات أفلامه في مجلة "روز اليوسف"، لذا فالفكرة ليست بجديدة ولكنها وسيلة جيدة للترويج للسيناريو.

وتخوف قاسم من أن يكون الأمر ليس الغرض منه الترويج للعمل لكنه وسيلة تستخدم من قبل بعض المنتجين لترويج الأفلام الفاشلة حتى يتكسبوا من ورائها بأى شكل من الاشكال، وأكد أن الحكم في النهاية للقراء فهم وحدهم الذين يستطيعون تحويل ذلك السيناريو إلى فيلم فعلا من خلال إقبالهم عليه، أو يظل حبيس كتاب لا يتداوله سوى القراء.(وكالة الصحافة العربية)