عن قانون العفو العام في العراق وحكاية قص الرأس وموت الخبر

بقلم: جمال محمد تقي

الحق العام، هو حق المجتمع الذي تعاقد مع دولته على دستور وقوانين تنظم حياته وعلاقاته وكيفية تنفيذ واجباته، كافراد وجماعات، ثم طرق حصوله على حقوقه، ومنها الحق العام الذي كلفت الدولة بتحصيله بالنيابة عن المجتمع، ومن الطبيعي ان تكون تجليات هذا الحق مبثوثة في عمل كل سلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية، فاولويات التشريع محكومة بالموازنة بين الحقوق العامة والخاصة، واولويات التنفيذ مكرسة للسهر على خدمة الحقوق العامة والخاصة وضمانة انسياب تنفيذ الواجبات العامة والخاصة، واما اولويات السلطة القضائية فهي العمل على تطبيق الاحكام في المنازعات والتجاوزات والجرائم والبت في فضها وبما يضمن الحصول على الحق العام اولا والحق الخاص ثانيا.

لو تنازل شخص ما عن واقعة اعتداء جسدي قام به احدهم عليه وتسبب بعاهة مستديمة له، فان هناك حقا عاما يعبر عن روح القانون الساري يجب انتزاعه من المعتدي وان تنازل صاحب الشأن عن حقه الخاص بالدعوى، لان المعتدي قد اوقع الضرر بالمجتمع ككل من خلال اضراره باحد عناصره، اما ان تقوم الدولة او السلطة بالتنازل عن الحق العام فهذا خرق للعقد لا يمكن تبريره الا في حالات خاصة اهمها ان تكون هناك مصلحة عامة وملحة تقف وراء هذا التنازل، او العفو، بحيث تستدعي حتى اصحاب الحق الخاص للاقدام على العفو ذاته.

هناك بعض السلطات تخلط الاوراق، فهي باسم المصلحة العامة تصدر قرارات عفو عام ولكن الغرض الاول منها هو العفو عن جرائمها هي، لانها احد اهم الاطراف المسؤولة عن شيوع وسيادة المناخ الجرمي العام القائم، او انها تريد من خلاله انقاذ من يواليها من المتهمين والمحكومين!

في العراق وبدلا عن الغاء القوانين التي تسعر من روح الانتقام والثأر والتنكيل بالخصوم، كقانون الاجتثاث، الذي اسموه تورية بقانون المساءلة والعدالة، وقانون المخبر السري، والاعدام، وبدلا من اشاعة روح المصالحة الحقة، والسلم المجتمعي الذي لا يتحقق من دون تساوي عناصره المتجسدة بصفات المواطنة المجردة عن كل التمايزات الاثنية والطائفية والمناطقية او عن اعتبارات اللون والجنس والثقافة، شكلا وموضوعا وفي الحقوق والواجبات امام القانون، وبدلا من التوجه الجاد للتخلي عن نهج إثارة النعرات المكوناتية بواسطة التخلي عن شرعنتها كوحدة بناء لدولة عراقية تكون المواطنة هي لبنة البناء الاولى فيها، وليس المكون الذي سيجعل من علاقة الدولة بمجتمعها مبنية على رابطة هشة،لا تقوم لها قائمة الا على توافقات ومساومات وابتزازات وتمايزات القابضين على الامر من امراء وشيوخ واغوات وافندية تلك المكونات، بدلا عن ذلك يشيع القائمون على الامر في العراق وفي كل التفاصيل الفعلية لسياسات فصائلهم روح الاستئثار بالسلطة والمغنم من خلال تضخيم الولاء المكوناتي وتقزيم الولاء الوطني، ومن خلال محاولة اعدام اي بصيص امل لنهوض العراق مجددا!

في العراق تجري مماحكات بين قوى السلطة لتحاصص حتى نسب المستفيدين من قانون العفو العام المؤمل صدوره، بل هناك محاولات مستعرة لجعله وسيلة من وسائل اذكاء الشحن الطائفي والعرقي والمناطقي في البلاد وبما يعزز من حضوة اصحاب الشأن طائفيا ومناطقيا!

الامراء الاكراد حسموا امرهم مبكرا فهم ومنذ ان تمكنوا من حكم مناطق الاقليم كانوا قد اعفوا جماعيا عن كل الذين استخدموا السلاح ضدهم من مجندي النظام السابق، بل ومنحوهم حقوقا جعلتهم لا يحنقون على الاوضاع الجديدة في الاقليم، وهذا ما عزز من حالة السيطرة الامنية لحزبي البرزاني والطالباني على اغلب مناطق الاقليم، اما من وقع بقبضتهم فيما بعد من انصار الاسلام او انصار القاعدة فقد تعاملوا معه بشدة، وقسوة امنية، ومحاصرة سياسية، وبالنتيجة فقد وضع حكام الاقليم حدا للاختراقات الامنية، وما ساعدهم على تحقيق ذلك هو الاستقرار النسبي الذي توفر في الاقليم اقتصاديا وخدميا، اضافة الى نجاحهم في تغليب النعرة القومية على حساب النعرة الطائفية، وعليه فان الامراء الاكراد ليسوا معنيين تماما بصدور قانون العفو العام، محل الجدل الحالي في مجلس النواب العراقي، لكنهم يريدون الاستثمار في عملية تمريره، من خلال ربطه بتمرير قانون البنى التحتية الذي يريدون فيه حصة مباشرة تعود عليهم بالمزيد من المليارات الدولارية!

اكثر من 80 بالمائة من المعتقلين في سجون العراق هم من الابرياء، هذا كلام حرفي منقول عن السيد محمود عثمان النائب المستقل في التحالف الكردستاني!

يقول الصدريون: ان المالكي قد اطلق سراح المئات من سجناء عصائب الحق الذين انشقوا عن التيار الصدري بعد ان ضمن مساندتهم له ومقاطعتهم للتيار، واغلبهم كان متهما بالارهاب واثارة الشغب، في حين استبقى على المعتقلين من جماعة التيار والبالغ عددهم حوالي 450 معتقلا، وعلى هذا الاساس فان جماعة الصدر يصرون على ضرورة صدور قانون العفو العام وبالشكل الذي يعلنون عنه هم، بحيث يؤدي الى اطلاق سراح كل الابرياء من السجون العراقية، التابعة للاقليم او الحكومة الاتحادية، سرية كانت اوعلنية، بما فيهم من استخدم السلاح اثناء مقاومة المحتلين الاميركان، والصدريون يشددون على استثناء من كان يمارس الارهاب ضد العراقيين ومن كان منخرطا في الجماعات المسلحة التابعة للقاعدة والبعث، من الشمول بالعفو!

نواب القائمة العراقية من جهتهم يشككون في نوايا المالكي وحزبه، ولا يجدون معنى لصدور قانون عفو مجحف بحق من يستحقه فعلا، ويقولون ان صدور هكذا قانون وبالشروط التي وضعها رئيس الحكومة، سيكون عامل مباغضة وليس عامل مسامحة كما يراد منه، فهذا حيدر الملا الناطق الرسمي باسم القائمة يؤكد على ان مطاطية المادة 4 ارهاب واستخداماتها المسيسة والكيدية اضافة الى غياب تعريف قانوني لجناية الارهاب، كلها لا تجعل من قانون العفو غير محاولة يتيمة لتجميل لوحة قاتمة، وحتى هذه المحاولة تتعرض للوئد، القائمة وبرغم ذلك عازمة على اعاقة تمرير قانون البنى التحتية الذي تقدم به المالكي في حالة اعاقة نواب حزبه تمرير قانون العفو الذي تكاثرت عليه الاستثناءات!

البعض من اهالي المعتقلين والمحكومين في السجون العراقية يقولون: لا نريد عفوا بل نريد تحقيقا نزيها وقضاء عادلا، لا نريد سجونا سرية، ولا نريد اعترافات منتزعة تحت التعذيب، لا نريد اعتقالات كيدية وتهم ملفقة، نريد احكاما قانونية، لا نريد ان يعتقل المواطن ويغيب في السجون من دون ان يعرف تهمته ومن دون ان ينظر القضاء في وضعه، لا نريد احكاما بالاعدام سرية وجزافية، لانريد تمييز طائفي ومناطقي واثني في تطبيق القانون!

لو كان هناك قضاء غير مسيس واجهزة أمن مهنية ونزيهة، لن نكون بحاجة لقانون عفو، السلطة هي التي تحتاجه لانها هي من يرتكب المعاصي بحق المجتمع كله.

قالت منظمة السجون العالمية: ان الحكومة العراقية تخالف العهود والمواثيق الدولية الخاصة باوضاع السجون وحقوق منتسبيها، ويذكر ان هناك اكثر من 33 الف سجين ومعتقل موزعين على 32 سجن بينها 3 سجون للنساء، الالاف منهم لم يحاكموا برغم مرور سنوات على دخولهم السجن!

المفوضية العليا لحقوق الانسان ادانت موجة الاعدامات التي تشهدها السجون العراقية بين الفينة والاخرى، وهكذا فعلت منظمة هيومن رايتس ووتش، وممثلية الامم المتحدة في بغداد، فخلال العام الحالي تم اعدام 96 محكوما بينهم 3 نساء، وقد بلغت الارقام الرسمية لحالات الاعدام المنفذة في العراق منذ 2004 وحتى بداية العام الحالي 1200 حالة معلنة، اما الحالات غير المعلنة فتقدر باضاعف هذا الرقم، حيث الموت تحت التعذيب او التصفية اثناء المداهمة والاعتقال او الاعدامات الميدانية اثناء النقل من سجن لاخر!

لقد هرب مؤخرا 250 محكوم من سجن صلاح الدين، وتم استرجاع 175 منهم ومازال هناك 75 هاربا بينهم 25 محكوم بالاعدام ، ولم يمر شهر من دون حدوث محاولة للهروب من السجون العراقية ، فقد هرب العشرات من سجون البصرة والديوانية والموصل، ويبدو ان اليأس وسوأ المعاملة وفقدان الثقة بالعدالة، هي دوافع فاعلة لما يجري من محاولات هروب جماعية من السجون العراقية.

حكومة التوافق الاميركي الايراني في العراق تتعجل الاعدامات كي لا يشمل قرار عفوها المرتقب من لا تريده حيا من السجناء الباقين، لانها مؤمنة بوجوب تصفية الخصوم على طريقة قطع رؤوسهم واماتت اي خبر عنهم او منهم، كأيمانها الحميم بالديمقراطية التي لا تتيمم الا بالدم!

جمال محمد تقي