فيليكس وعباس بن فرناس... بين وثبتين!

بقلم: عبدالامير المجر

قبل قرون، وثب العالم الشهير ابو القاسم عباس بن فرناس، وانطلق الى الاعلى يروم الطيران، في اول محاولة لانسان، ليكتشف الفضاء، الذي ظل طويلا ملعبا للطيور وحدها! لم يكن بن فرناس شاعرا ضاقت به الارض بما وسعت، فقرر الطيران ليكتشف حياة اخرى، وان كان فعله ينطوي على شعرية هائلة، بل كان عالما وفلكيا، شغله الوجود وقوانين الطبيعة التي حكمت على الانسان ان يكون حبيسا فوق سطح الارض، قبل ان تطويه في جوفها الى الابد!

قبل ايام انشغل العالم بوثبة اخرى، معاكسة، أي من السماء الى الارض، قام بها رجل شجاع وليس مغامرا، كما وصفه البعض، هو النمساوي فيليكس الذي قفز من "ارض" مختلفة صنعها الانسان خارج الارض، ممثلة بمنطاد كبير استقر عند الغلاف الجوي ليثب منه هذا البطل نحو الارض، بكل ما تحمله هذه الخطوة الجريئة من مخاطر، بسبب فارق الضغط الجوي الهائل وامور اخرى يعرفها اهل العلم، ويعرفون ايضا كيف اعدوا العدة ليجعلوها غير مؤثرة على حياة فيليكس الذي لم تكن قفزته الا نتيجة لجهد علمي بدأ منذ قرون، وتنامى في مجاله وفي بيئة قدست العلم وقدست الانسان ايضا، أي ان فيليكس كان رقما رمزيا في مجاله، وان كان صعبا في المعادلة التي سيضيف اليها بعدا علميا تراكميا يستحق الاحتفاء به.

لقد كان بن فرناس اعزلا، الا من ما صنعه بجهده الخاص وما سبقه القليل الذي لم يسعفه في الوصول الى حلمه، لكنه بمحاولته الباسلة تلك، ترك ارثه للذين سيأتون خلفه، عسى ان يكملوا المشوار! وهكذا مرت القرون وراء القرون وبن فرناس يبتعد مثل شبح اسطوري تلوكه حكايات الليالي الطويلة التي ضاعت قروننا المظلمة بينها من دون ان نستطيع صناعة بن فرناس اخر ولو يشبهه على سبيل العزاء ليس الا!

لم يصنع فيليكس المنطاد الذي حمله الى الغلاف الجوي، لكنه كان ابن حضارة هيأت له ذلك، ولم يكن يعرف تماما مجمل علوم الفضاء التي يتسلح بها الفريق العلمي الذي كان في الارض يتابعه ويوجهه وينصحه، وهو ايضا لم يصنع الملابس التي ارتداها والتي حمته من مخاطر الضغط وسرعة السقوط وغيرهما، وانما صنعها له علماء الحضارة التي ينتمي اليها، والتي بدأت بشجعان كثيرين امثاله، لم يكونوا هيابين وهم يتحدون المخاطر من اجل اكتشاف هذا الكون وحل الغازه وان لم ياتوا عليها كلها حتى اليوم.

ان الذي يقرا التاريخ الحديث، لابد من ان يتوقف عند عباقرة وابطال كبار في الغرب، من فلاسفة وعلماء، ومستشرقين وجواسيس، ومستكشفين، وساسة دهاة، مهما كان موقفنا منهم، فانه يبقى موقف العاجزين، والمنفعلين المتباكين، لا المتحدين الحقيقيين، لاننا لم نستطع ان نصنع الحياة ونحتفي بها كما فعلوا هم، لينتجوا لنا، انشتاين واديسون، مثلما انتجوا لنا ماركس وادم سميث، وعمانوئيل كانت وجان جاك روسو، وتشرشل وشارل ديغول، ولورنس العرب والمستر همفر وعبدالله فيلبي، وثيسيغر وماسينيون، ورجال مختبرات سهروا مع الجراثيم ليعرفوا فعلها وقوتها ليقضوا عليها، وابطال بحار، جابوا المحيطات واكتشفوا اسرارها في رحلات اسطورية او اعجازية بحق، وهكذا جاء هذا التراكم العلمي الهائل، ليضعنا، اقصد نحن العرب والشرقيين بشكل عام، امام لحظة تاريخية وجدنا انفسنا فيها على هامش الحضارة ومنفيين تاريخيا، في زحمة صراع الاقوياء الذين لم تأت قوتهم اعتباطا او هبة من احد، وانما انتزعت انتزاعا وبارادة لم تفتر يوما ومازالت تفاجئنا كل ساعة بالجديد، ونحن امامها مبهوتين!

لقد تابعت من خلال احدى الفضائيات قفزة فيليكس لحظة بلحظة، وكنت بكل جوارحي مع هذا البطل الذي حبس انفاس الملايين من البشر في العالم، متمنيا ان تتم القفزة بسلام، وحين هبط احتفلت به على طريقتي الخاصة، واستحضرت حكاية عباس بن فرناس، بطلنا وعالمنا الاعزل الذي تخيلته وهو يثب باتجاه السماء، فيما نحن ننظر اليه في حينه مشدوهين فاغري الافواه، ومن ثم نلوك حكاية طيرانه وسقوطه، من دون ان نسعفه، سابقا ولاحقا، او نتابع محاولته الباسلة، كما كان يحصل مع فيليكس من قبل العلماء من ابناء جلدته، لان كل شيء هناك تصنعه المؤسسات التي نضجت بهذا التراكم المدهش، فيما نحن مازلنا نتغنى بحكايات ابطال التاريخ الذين لم نقرأهم بدقة وصدق، ومنهم بن فرناس، لنديم مأساتنا ونعلن افلاسنا الحضاري الذي يصر الغرب على ان يفضحه كل يوم، من دون مراعاة لمشاعرنا طبعا!

عبدالامير المجر