إيران ... طموح الإيديولوجيا لا يخشى إلهاً

استغلال الصلة المذهبية في أي مكان

ظل الإيرانيون، لمدة طويلة، يفاخرون بأن ثورتهم "الإسلامية" كانت آخر الثورات الإسلامية في القرن العشرين؛ ومن هذا المنطلق تبنوا شعار تصدير هذه الثورة إلى العالم الإسلامي، لا بل إلى العالم بأجمعه، حتى أن الأمر وصل إلى حد أن يتعرض كل زائر إلى إيران في بدايات الثورة التي استقطبت العديد والكثير من المعجبين والمهتمين، إلى سؤال يطرحه أي فرد في الشارع اكتشف أن مخاطبه غير إيراني "لما لا تقومون بثورة في بلدكم"؟!

ومع مرور الوقت، تحول هذا التساؤل إلى طموح سياسي ممزوج بالإيديولوجيا وشعار حقوق الشعوب ومحاربة الاستكبار والقوى العالمية المهيمنة، وتطور إلى مساعي لمد النفوذ عبر خلق اذرع او مناطق نفوذ في دول العالم الإسلامي خاصة الدول العربية، مستغلين محاولة مصادرتهم للقضية العربية والإسلامية المحورية، أي القضية الفلسطينية وتفصيلها على مقاييس طموحاتهم الإقليمية وتحويلها إلى ورقة ومنصة يخاطبون فيها المجتمع الدولي، وهو طموح جاء في لحظة تراجع عربي سمح لإيران بالتسرب إلى قضايا المنطقة العربية من الباب الواسع.

هذه الحماسة الثورية تراجعت لتفسح المجال أمام عودة الطموحات الإيرانية التاريخية إلى الواجهة؛ وهي الطموحات التي عمل النظام الملكي السابق على إرسائها وترسيخها، من خلال تحالفه مع الولايات المتحدة الأميركية خصوصا والغرب عموما في المنطقة على حساب دور وموقع الدول الإقليمية.

لقد تعاطت الثورة الإسلامية الإيرانية، منذ البدايات، بمستوى عال من البراغماتية أو الذرائعية التي تستمد غطائها من دينامية فقهية قادرة على تسويغ أي تحول أو علاقة ووضعها في إطار مصلحة الإسلام العامة؛ وخدمة لمستقبل الأمة الإسلامية، من هنا نجد إنها حاولت التملص من العلاقة التي ربطتها بالتيارات والقوى الإسلامية الناشئة في تونس بداية الثمانينيات عندما كانت قادرة على الادعاء بشكل قوي بنفوذها وتأثيرها على هذه القوى. وشهدت العلاقات الإيرانية التونسية على المستوى الرسمي توترا مع بداية الثمانينيات من القرن الماضي على خلفية هذه العلاقة مع حركة النهضة الإسلامية.

غير أن هذا الوضع انعكس مع بداية التسعينيات، لصالح التقارب بين النظامين على حساب علاقة طهران بالحركة، وعمدت بعدها إلى الطلب من صديقها واحد ابرز المعجبين والمناصرين لزعيم الثورة الإيراني الإمام الخميني، أي الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة بعدم السفر إلى طهران ضمن وفد من الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، معللة ذلك بأن من شأنه أن يسيء إلى علاقة طهران مع تونس.

لخص رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي مسار العلاقات التونسية الإيرانية في حوار مع موقع الجزيرة نت قائلاً: "على مر السنوات الأخيرة حصل تقارب حقيقي غريب بين النظامين على اختلاف الأيديولوجية، وذلك بعد أن كانت العلاقات مقطوعة بين البلدين عقب الثورة الإيرانية لمدة سنوات بمبادرة من تونس، التي اتهمت إيران بدعم الاتجاه الإسلامي".

أما تفسير الإساءة إلى العلاقة بين البلدين، فإن طهران في تلك الفترة كانت توظف علاقاتها مع زين العابدين بن علي لإيصال رسائلها إلى المجتمع الدولي خاصة الولايات المتحدة الامريكية، أي حاولت استخدام تونس كصندوق بريد بينها وبين الغرب. من هنا يمكن تفسير الزيارة المبهمة التي قام بها العام 2004 سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني وكبير المفاوضين في الملف النووي حسن روحاني إلى تونس ولقائه مع بن علي، وقد حاول روحاني تسويغ هذه الزيارة بالقول: إنها جاءت لتقديم التهنئة إلى بن علي بمولوده الجديد.

من جانبها حاولت طهران توظيف عضوية النظام التونسي في مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية في دعم موقفها داخل الوكالة، وقد ترجمت هذه العلاقة بان وقفت تونس إلى جانب طهران في أكثر من مناسبة وأعلنت دعمها لحق إيران في استخدام الطاقة النووية لأغراض سلمية.

أما العلاقة مع النظام الليبي، فإن طهران ومنذ اندلاع الحرب مع العراق، وجدت في نظام القذافي حبل النجاة من أزمة افتقارها إلى الأسلحة، خاصة الصواريخ متوسطة وبعيدة المدى لاستخدامها في الرد على الهجمات الجوية العراقية.

وعليه فإنها وبكل واقعية، ابتلعت قضية إخفاء أحد مواطنيها اللبناني الأصل السيد موسى الصدر على الأراضي الليبية، وبنت عبر وزير الحرس الثوري حينها محسن رفيق دوست وقائد الحرس محسن رضائي علاقات مع القذافي، وحصلت منه على كميات من صواريخ فروغ وسكود الروسية إضافة إلى أنواع اخرى من الأسلحة التي كانت محظورة عليها في الأسواق العالمية.

ولاحقا وبعد انتفاء الحاجة إلى المعبر الليبي للحصول على الأسلحة، احتفظت إيران بالعلاقة مع هذا النظام، وتحول إلى المورد الأول للمشتقات النفطية خاصة البنزين لسد النقص الذي يعاني منه ولا زال السوق الداخلي الإيراني بسبب عدم قدرة إيران على تكرير ما يكفي من حاجتها للاستهلاك المحلي، وذلك على الرغم من كل المؤشرات التي كانت واضحة عن مدى الظلم والقهر الذي يمارسه القذافي بحق أبناء شعبه، ووصلت الأمور أن حرص الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد على لقاء القذافي ومعانقته بحرارة في نيويورك على غرار ما فعل سابقا المرشد الإيراني عندما كان رئيسا للجمهورية وايضا الشيخ علي اكبر هاشمي رفسنجاني خلال رئاسته ايضا.

مع مصر حاول النظام الإسلامي ومن خلال مكتب "حركات التحرر" الذي أُسس ضمن آلية أجهزة حرس الثورة الإسلامية أن يدخل إلى قلب الساحة المصرية من خلال تبنيه لبعض الحركات الإسلامية، خصوصاً حركة الجهاد الإسلامي، وحاول تبني العملية التي قام بها خالد الإسلامبولي وأدت إلى اغتيال الرئيس السادات. لكن انتقال هذا المكتب إلى إشراف وزارة الخارجية الإيرانية في عهد "علي ولايتي" الذي يشغل الآن منصب المستشار السياسي والعلاقات الخارجية في مكتب المرشد، ادخل العلاقة الإيرانية مع حركات التحرر في العالم الإسلامي في اطار المصالح الاستراتيجية للنظام الإيراني وباتت هذه العلاقة محكومة بسقف المصالح الإيرانية وورقة في يد طهران للمساومة أو للتحريك في اللحظة التي تعتقد إيران أنها مناسبة لمصالحها.

لكن غياب حافظ الأسد عن الساحة العربية والدولية، سمح للجانبين الإيراني والمصري في الدخول مباشرة في علاقة تنافسية، فحاولت إيران تعزيز دورها ونفوذها في سوريا وجعلها محطة لمخاطبة العالم العربي، في حين شدت مصر أواصر علاقاتها مع المملكة العربية السعودية وحاولت الإمساك ببعض مفاتيح المسألة الفلسطينية، وقد تعزز هذا الاتجاه بعد وفاة الرئيس ياسر عرفات.

أما في اليمن، فان الموقف الإيراني محكوم بالعقدة التاريخية التي رافقت التدخل المصري في هذا البلد عام 1962، أو بالتحديد العداء بين النظام الملكي وعبدالناصر على خلفية مشروع عبدالناصر في محاربة الأنظمة الملكية في المنطقة. وقد كان الشاه حينها وعلى الرغم من سعيه إلى السيطرة على المنطقة وتحويل إيران إلى شرطي الخليج الا انه لم يعمل على تغيير أي نظام من الأنظمة، بل كان يريد استمرار هذه الأنظمة لكن في ظل هيمنته.

إيران الثورة الإسلامية اعتمدت نهجا مختلفاً عن النهج الذي اعتمده النظام الملكي، فالشاه اسقط من اعتباراته أي بعد عقائدي في أي علاقة مع أي من الأطراف الإقليميين والدوليين، في حين ان النظام الثوري الجديد لم يستثن أي من الأبعاد في علاقاته للوصول إلى الهدف الذي يريده، فحاول تبني كل الحركات الثورية في العالم بدأ من أميركا اللاتينية وصولا إلى فلسطين مرورا بكل الدول الإسلامية ومجاهل أفريقيا وصحرائها، ورفع شعار تصدير الثورة وافتتح مكتبا لحركات التحرر في العالم .

بعدها استطاعت إيران تحويل الحوثيين إلى مصدر قلق ليس للداخل اليمني، فهي لم تكن على خلاف جوهري مع الحكومة المركزية بقيادة علي عبدالله صالح الذي كان على علاقة وثيقة اقتصادية وعسكرية مع طهران ، بل حولتهم إلى مصدر قلق للمملكة العربية السعودية ( الحرب مع الحوثيين 2010)، وقد تعززت هذه السياسة الإيرانية خاصة بعد عام 2003 في محاولة للضغط على السعودية وإرباك ما تعتبره طهران "حديقة خلفية" للرياض.

أي أن إيران كانت تعتقد ومن خلال المعطيات النظرية عدم إمكانية نجاح الثورة اليمنية في إسقاط النظام القائم من دون تدخل او ضغوط خارجية، انطلاقا من ان المؤسسة العسكرية مازالت خاضعة في غالبيتها لقيادة صالح إضافة إلى امتلاكه لشريحة ليست بالقليلة من المؤيدين بين أبناء الشعب اليمني، إلى جانب تعقيدات الوضع القبلي وإمكانية وقوع حرب أهلية قبلية تعيد تقسيم اليمن وتضرب الاستقرار في المنطقة.