ديمقراطية على حبل الغسيل

بقلم: فاروق يوسف

سمع العرب بالديمقراطية، غير أنهم لم يختبروها. كانت هناك دائما صناديق اقتراع وكانت هناك مراكز انتخابية في مختلف المدن العربية، يذهب المرء إليها ليدلي بصوته. ولأنه يدرك ان صوته لا قيمة لها وما من أحد ينصت إليه، بل أن صوته الحقيقي غالبا ما بقي سجينا خلف أوتار الحنجرة، فانه يمضي في اللعبة إلى أقصى حدود العبث: يقول ما يتوقعه الآخرون. كان ذلك التصويت نوعا من النفاق الذي صار أشبه بالعادة. يقول العربي "نعم" وهو يهمهم مع نفسه "لا". لقد تعلم أن يقول "نعم" واضحة الحروف وملتبسة المعاني، حتى شملت تلك النعم كل شيء. من تقنين المواد الغذائية الى الاعداء المفروضين عليه والذين يذهب إلى قتالهم من غير أن يعرف لذلك سببا وقد لا يعود سالما، مرورا بنوع دراسته وطريقة ملبسه والبرامج التلفزيونية التي يراها وقائمة الطعام الذي يتناوله والطرق المسموح له بقيادة سيارته أو المشي فيها والاغاني والموسيقى التي يسمعها وطبيعة علاقته بالله وتربيته لاولاده ومشاركته في التعبئة استعدادا لوقوع ما هو أسوأ وحملات العمل التطوعي ومنع السفر والصحف والكتب التي يطالعها والادوية التي يعالج بها أمراضه والاصدقاء الذين لا يجلبون الشبهات والجمل التي يجب انتقاؤها بعناية.

كانت هناك دائما "نعم" طويلة صنعها الحكام ورجال الدين والتجار ومثقفو السلطة ووضعوها مثل مخدة تحت رأس كل مواطن عربي لتحلم بدلا منه. "هناك من يحلم بدلا منك" جملة مريحة هي واحدة من اهم نتائج عصر الديمقراطيات المنعمة بخيال الاستبداد. كان هناك دائما من يفكر بدلا منا، باسمنا ومن أجلنا، واضعا ضمائرنا وعقولنا وقلوبنا في خزانته العاطفية. الاب الذي لا تراه الاعين إلا لتدمع ولا تشعر بقربه القلوب إلا لترتعش ولهاً. ما بين الهلع والشوق شعرة لا ترى. كانت "نعم الخائفين" تمر على الشاشة مثل فاصلة بين جملتين قصيرتين. هي الخطوة الثالثة التي لايراها المرء ولكنه يتعثر بها حين يجدها نابتة بين خطوتيه. هي الطعم واللون والرائحة التي صارت تتسلل إلى جسده حين يشرب الماء. هي ضمانة التاريخ والجغرافيا وعصا الماضي والحاضر والمستقبل. لا يفتح المواطن (وهي صفة مرجأة) العربي فمه إلا ليقول "نعم". يقولها للسيد الذي البسه ثياب التقوى. يقولها لليد التي تمتد إليه بالمكرمات لتطعمه. يقولها للعين التي تتفحصه وتشير إلى مواقع أخطائه وسبل نجاته. "نعم" رقيقة غير أنها لا تنكسر. هي الحد الفاصل بين الضلالة والهدى. المادة التي لا تنتهي صلاحيتها أبدا. وهي كلمة السر التي تبعد شبح الموت أو تقربه تبعا لمصلحة "الوطن".

في حقيقتها فان تلك الـ"نعم" قد اتسعت لتكون بطريقة أو بأخرى وطنا افتراضيا لمواطن وجد نفسه معفيا من المساهمة في بناء وطنه. ذلك الكيان الذي يقيم على الخرائط وفي الرايات وفي النشيد الوطني وفي النصوص المدرسية وفي خطابات السادة من حكام ورجال دين وتجار ومرتزقة ثقافة. كانت نعمُنا هي التجسيد الامثل لأصالتنا المثالية. التعبير الرصين عن اخلاصنا لانتمائنا العميق إلى تراثنا الذي ظُلم مثلنا. وهي الجواب المفعم بالرجاء على ديمقراطيات الغرب والاعيبه اللغوية وبالاخص في مسألة حقوق الإنسان. كانت ديمقراطيتنا التي لا تحث على العمل الخلاق والابتكار والتفكير الحر أشبه بسرير جاهز للنوم، عربة مكيفة ذاهبة الى الجنة. لذلك فقد كنا نذهب الى مراكز الاقتراع نائمين. هناك من يضع يده على يدنا لتكتب "نعم". الكلمة التي تجعل منا مواطنين صالحين للبقاء والعيش في غد لا أحد يستطيع التكهن بشكله. كانت تلك الكلمة في حقيقتها تكسبنا يوم حياة اضافيا. خطوة زائدة في طريق لا نرى المتر المقبل منه. هناك منْ يرى دائما بدلا منا. منْ يسمع همهمة المؤامرة قبل أن تقع. منْ يرى اعداءنا المحتملين قبل أن يتكونوا في بطون أمهاتهم.

كنا نرنو الى الافق في انتظار الفجر الذي يحضر المستبد العادل مع شمسه. ألم يؤلف مثقفون عرب معاصرون كتبا في هذا المجال؟ لقد كانت مساهمة أولئك "المفكرين" كبيرة في حفر النفق الذي دخلنا إليه طوعا بحثا عن شمس ضائعة. أقنعنا أنفسنا بأن العدالة قادمة لا محالة، لكن عن طريق الرجل الذي هو نصفه على الأرض ونصفه الثاني في السماء. حتى الاحزاب اليسارية كانت تعزف النغمة عينها. دائما كان هناك قائد يستشرف برؤاه الاستثنائية تخوم المستقبل. دائما كانت هناك جوقة من المطبلين وناشري البخور وماء الورد من الفقهاء والحزبيين وكهنة المعابد الثقافية تتقدم الصفوف لترى في ضحكة القائد الساخرة نوعا من الامل. بل الامل كله.

بعد كل هذا أيكون غريبا علينا أن نعيد انتاج الاستبداد عن طريق صناديق الاقتراع؟ لن يعتذر أحد منا عما فعله. لقد قلنا "نعم" هذه المرة لمن سيضمن لنا غدا طيبا في الحياة الآخرى. أخيرا صارت ديمقراطيتنا طريقا إلى الآخرة.

فاروق يوسف