أسرار الديوان المجهول لتوفيق الحكيم

القاهرة ـ من حازم خالد
فقط للأصدقاء

ما علاقة توفيق الحكيم بالشعر والشعراء، ليتحدث فيه حديث العارف الناقد الذي يؤصل له وينشئ له مذهباً في نظريته "التعادلية"، ويكتب مقدمات لدواوين شعرية، ويخوض آخر معاركه من أجل إيجاد شخصية عربية للشعر العربي الحديث، لها جذور وأصول عربية لا أجنبية؟!

يجيب عن هذا التساؤل الكاتب إبراهيم عبدالعزيز من خلال كتابه "ديوان توفيق الحكيم" الذي كان صداه في طبعته الأولى، حيث اعتبره النقاد بمثابة "المفاجأة" و"القنبلة الأدبية"، وإن اعتبره آخرون أكبر فلاش أطلقه توفيق الحكيم – بعد موته – أنه كان شاعراً .

يذكر المؤلف أن "الحكيم" يرى أن ناقد الأدب يجب أن يمارسهـ وناقد الشعر يجب أن يقرضه، وهو في ذلك مثل "سومرست موم" الروائي الإنجليزي الذي كتب من خطأ الاعتماد على نقاد من غير الأدباء المبدعين، لأن الناقد الذي لا يعمل بنفسه في حقل الأدب الخلاق يحتمل أن تكون خبرته في صنعه الرواية البسيطة، لذلك فهو يعتمد في نقده على انطباعاته الشخصية التي قد لا تكون ذات قيمة تذكر، أو يصدر أحكاماً مبنية على أساس جامدة، وعلى الروائي أن يتقيد بها إذا ما أراد أن يجوز قبول الناقد.

إذن؛ هل مارس توفيق الحكيم كتابة الشعر، كي ينقده؟

يري المؤلف أن الإجابة عن هذا السؤال، لا بد أن يسبقها التعرف علي بداية علاقة الحكيم بالشعر، فيقول: كان اتجاه الحكيم منذ بواكير حياته الثقافية الأولى يتجه نحو قراءة القصص والروايات خاصة المترجم منها، ولكن هذا الاتجاه لم يلق قبولاً من والده الذي كان يريده أن يتجه إلى الشعر ويجعله جزءاً من ثقافته على غير رغبة ابنه واهتماماته، مما جعله يكره الشعر ويبتعد عنه بعد أن صار بينه وبين الشعر دم مسفوك!

وقد ساهمت مراحل التعليم التي مر بها توفيق الحكيم في المدارس الابتدائية والثانوية في ابتعاده عن الشعر بل عن اللغة العربية نفسها، ويتساءل الحكيم ويجيب في "زهرة العمر" لماذا؟ السبب بسيط: وهو أن النماذج التي وضعت في أيدينا – ونحن صغار – للبلاغة في اللغة العربية كانت كتباً غثة المعنى متكلفة المبنى "أسلوبها" أسلوب غايته قبل كل شيء أن يبهر السمع النائم ويطرب الأذن المسترخية "ويتساءل" أيجوز أن تجعل لغة من اللغات وسيلة له وأداة براعة كفنون المغنيين، وألعاب الهواة، أم أن اللغة أداة يسيرة لنقل الأفكار النبيلة؟

ويذكر المؤلف أنه في الوقت الذي حدد فيه توفيق الحكيم طريقه الفني نحو "التمثيلية الأدبية" كان الشعر أو ما يشبه الشعر ينازعه ويحاول السيطرة عليه متأثراً في ذلك بالنبع الأول وهو النبع القرآني الفريد، ثم الفن الحديث، فأما النبع الأول فإن الحكيم يتذكر "من حيث الشكل، كيف كان القرآن يثير فنياً التأمل بأسلوبه الفريد، لا هو بالشعر المنظوم، ولا هو بالنثر المرسل، لكنه طاقة شعرية وموسيقية معجزة".

أما المؤثر الثاني الذي جعل توفيق الحكيم تنازعه نفسه نحو الشعر أو ما يشبه الشعر، فهو الفن الحديث بداية بالفن التشكيلي – يقول الحكيم "كنت يومئذ تحت تأثير مدارس التصوير الثائرة".

ويضيف المؤلف: وكان توفيق الحكيم قبل وصوله إلي باريس من الملازمين لمسجد السيدة زينب، يسمع "القرآن" ويفكر فيه ويتأمل ما أبدعه الله فيه من "الشكل".

أما عن الشعر الحديث، فيقول المؤلف: في رأي الأستاذ الحكيم، إنه إذا فطن هذا الشعر الجديد وشعراؤه إلى مصدر استلهام الشعر الجديد عندنا وتأثره بإليوت الإنجليزي لتكونت بذلك شخصية الشعر العربي الجديد الذي بدا للجميع أنه كالزهور الصناعية لا تنبت جذوره من أرضه، بل من أرض أجنبية، وهو ما يهدده بالذبول والزوال، وينذر بالعودة إلي التراث الراسخ في القلوب والأسماع وهو الشعر العربي التقليدي؛ ولذلك يدعو توفيق الحكيم، المجددين من المبدعين في الشعر الحديث أن ينظروا إلى تجديدهم في القرآن الكريم بدلاً من احتذاء شعر "إليوت" وغيره.

• شعراء يهاجمون الحكيم

يري المؤلف أن الآراء أثارت ردود أفعال الشعراء الجدد التقليديين، منهم الشاعر محمد إبراهيم أبوسنة، الذي يقول في رده: في الواقع أن الذي يطرحه الأستاذ توفيق الحكيم عن عدم أصالة الشعر العربي الجديد، رأي خطير للغاية، لأنه أولاً يصدر عن الأستاذ توفيق الحكيم. وثانياً: لأنه يجرد الشعراء العرب المحدثين الذين قدموا عطاء في إطار الشعر العربي الحديث في هذا القرن، مما يعد أعظم إنجاز لحركة الأدب العربي على الإطلاق، وذلك بالخروج بالأدب العربي من إطار الممثلين إلى إطار العالمية.

ويستكمل الشاعر أبوسنة رده على الحكيم: أما فيما يتعلق بأن الشعر الحديث هو الدراما والمسرح والقصة، فإن الحصاد الشعري القائم الآن أظهر بوضوح أن الشكل الجديد يخدم القصيدة الغنائية كما خدم الدراما والمسرح والملحمة وكل المجالات الأدبية، وذلك لأن الشعراء لم يتخلصوا من التفاعيل، وإنما مجرد إعادة تشكيل للإطار الموسيقي وهو تشكيل أتاح للشاعر أن يستخدم أسلوب الحوار والبناء الدرامي، وتكثيف الصورة واستهام الأساطير والتركيز بدلاً من الإطناب.

ويتفق الشاعر أحمد سويلم مع الشاعر أبوسنة، في رده علي توفيق الحكيم فيقول: ليس صحيحاً أن الشعر العربي الحديث رافد من روافد الثقافة الغربية، وأنه معدوم الجذور في تاريخ الشعر العربي، فمن يقرأ تاريخ الشعر العربي قراءة متأنية يجد أن ملامح التطور والتجديد كانت تصاحب دائماً أي تطور في المجتمع.

أما ما كتبه "الحكيم" لشعر استلهمه من القرآن الكريم، فهو تقليد ماسخ للقرآن، لأن القرآن ليس شعراً، ثم إن هذا النموذج الذي أتى به فيه خلل كثير في الوزن، فالشعر ليس إيقاعات فارغة ولكنه إلى جانب ذلك امتزاج بمضمون حياتي له قيمة.

ويتحدث الشاعر فاروق شوشة فيقول: لا أعتقد أن توفيق الحكيم كان جاداً حين أطلق هذا الكلام، وإنما هي محاولة جديدة من محاولاته – التي لا تنتهي – لإثارة الجدل وجذب الانتباه، وأعتقد أن هذه النماذج القرآنية – من بعض السور الكريمة – تشكل نقطة انطلاق لموسيقى الشعر الجديد، أو تحمل معالم الأبوة الشرعية لهذا الشعر.

وينتقل المؤلف إلي شعراء القصيدة التقليدية أو الأصلية كما يقولون ليشاركوا برأيهم حول القضيتين الأساسيتين في ملف الشعر والشعراء الذي فتحناه مع شيخ المفكرين توفيق الحكيم، فيقول: يتفق الشاعر محمد التهامي مع المعنى الذي ورد برأي "الحكيم" وهو تأثر الحركة الشعرية الجديدة، تأثراً كبيراً بالشعر الأوروبي، وخاصة شعر "إليوت" بالذات وخاصة قصيدته "الأرض الخراب" التي هي بمزيد من الأسف تشيع تعابيرها الشعرية في قاموس عدد كبير جداً من الشعراء المجددين، وأنا هنا لا أرفض اختلاط الثقافات وتأثر بعضها بالبعض الآخر، ولكن حين يصل الأمر إلى درجة التقليد يصبح ذلك عيباً.

• مرحلة معدومة

ويأتي المؤلف إلى فصل الختام في ملف الشعر والشعراء الذي فتحه شيخ توفيق الحكيم، وذلك بالحديث مع الناقد د. عبدالقادر القط الذي يقول: نحن رحبنا بحركة الشعر الجديد؛ لأننا كنا ندرك أنها جاءت وليدة تطور اجتماعي وحضاري كبير. حدث هذا في المجتمع العربي بعد الحرب الثانية، أنها لم تكن مفاجأة أو طفرة، بل سبقتها تجارب كثيرة في الشكل الشعري منذ بداية الحركة الرومانسية، إلى أن بدأت هذه الظاهرة تأخذ شكلها الفني الجديد. أما هذه المرحلة فتعد مرحلة جديدة تكاد تكون معدومة الصلة بالتراث العربي، وضعيفة الصلة بمرحلة رواد الشعر، وأصحابها يعدون أنفسهم حركة شعرية جديدة تماماً يطلقون عليها مصطلحهم المعروف "الحساسية الجديدة" ولا أدري لماذا يكون الشعر وحده يتميز بهذا الاتجاه دون سائر الفنون الأخري؟ ولذلك فإن الشعر في مرحلته الأخيرة قد ضاقت دائرة متلقية إلى حد كبير حتى أصبح الشعراء في واد ومحبو الشعر في واد آخر.

• شاعر بالعربية والفرنسية

ويشير المؤلف إلى المفاجأة وهي هذا الديوان الذي كتبه توفيق الحكيم مؤكداً في تقديمه أن "هذه الطبعة خاصة ومحدودة تماماً للأصدقاء" هم بالطبع الأصدقاء الذين يثق توفيق الحكيم تماماً أنهم لم يبوحوا بسر هذا الديوان المجهول، ولكن لماذا فعل الحكيم ذلك؟ ومنذ متى كان الحكيم يخشي المعارك والهجوم عليه إذا كان يعتقد أنه شاعر بالفعل، أم أنه سيئ الظن بنفسه في هذا المجال فعبر عن نفسه بالفرنسية وفي طبعة خاصة ومحددة تماماً لخاصة الأصدقاء؟

والملاحظ في هذا "الديوان" أن أغلب مقطوعاته قد نقلها "الحكيم" بنصوصها العربية التي سبق ونشرها في كتابه "رحلة الربيع والخريف" إلى الفرنسية.

وفي خاتمة الكتاب يأتي لنا المؤلف بمفاجأة أخرى "وهي ذلك الخطاب الذي عثرنا عليه بين أوراق شيخ الكتاب موجهاً إلى: الأستاذ الكبير توفيق الحكيم .. مع تحيات صالح جودت"، إنها رسالة من الشاعر الكبير إلي الأديب الكبير، ويبدو أنه سلمها له يداً بيد ، أو أرسلها له بطريقة خاصة بعيداً عن ساعي البريد، لأن الخطاب لا يحمل طابع بريد أو ختمة، وبداخله صفحتان، الورقة الأولى تحمل صياغة شعرية ذات وزن وقافية لقصيدة توفيق الحكيم "الإنسان الأول يقتل"، كتبها صالح جودت واختصر عنوانها إلى: "القتيل الأول".

أما الورقة الأخرى من خطاب صالح جودت لتوفيق الحكيم، فنعرف منها أن ورقتين قد فقدتا، لأن صالح جودت قد كتب علي يمين الورقة، بقية قصيدة "حب" الثلاثية"، والتي عنوانها الحكيم "إخلاص" وهي مكونة من ثلاث مقطوعات صاغها جودت شعراً وليس بين أيدينا سوى المقطع الثالث منها. (خدمة وكالة الصحافة العربية).