الهزيمة في أفغانستان أو العجز عن فهم الحقيقة

بقلم: عمر نجيب

خلال شهر سبتمبر 2012 أعلن في العاصمة الأميركية واشنطن أن تعزيزات قوامها 33 ألف جندي أميركي، أمر الرئيس باراك اوباما بنشرهم قبل ثلاث سنوات، اتمت انسحابها من أفغانستان، على ان تليها باقي قوة الحلف الأطلسي البالغ عديدها 112 الف جندي بنهاية 2014.

عندما أعلن الرئيس أوباما سنة 2009 إرسال هذه التعزيزات، بشر أنصاره بأن هذه الخطوة ستضمن النصر وستمكن الولايات المتحدة من الخروج من الصراع مرفوعة الرأس، ولكن مع إتمام إنسحاب التعزيزات لم يجرؤ أحد في البيت الأبيض في الحديث عن النصر، وتغير مفهوم الاحاديث التي تحدد الأهداف العسكرية، حيث لم يعد الامر يتعلق بـ"كسب" الحرب وانما مساعدة الافغان، أي 352 الف جندي وشرطي دربتهم قوات التحالف، على محاربة التمرد الذي تخوضه طالبان بانفسهم بعد انتهاء مهمة الأطلسي.

في نفس التوقيت زادت التوقعات الصادرة عن مراكز دراسات ومؤسسات رسمية بأن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وحلفائها في أفغانستان منذ نهاية سنة 2001 ستنتهي بهزيمتهم.

عدد من المحللين قدروا أن نهاية الحرب في أفغانستان ستكون مشابهة لما حدث في جنوب فيتنام، عندما أجبر ثوار "الفيت كونغ" حسب التسمية الغربية الولايات المتحدة في سنة 1975 على إجلاء آخر جنودها وموظفيها وعملائها على عجل بالطائرات العمودية من سطح سفارتها في سايغون في مشهد كسر أسطورة القوة العظمى التي لا تقهر.

بانتظار طالبان

يوم الخميس 27 سبتمبر 2012 أكد تقرير صادر عن مؤسسة كارنيغي للسلام ان مقاتلي طالبان سيعودون على الأرجح الى الحكم في أفغانستان بعد انسحاب قوات الأطلسي من البلاد عام 2014 لأن الحكومة الأفغانية الموالية للغرب ستعجز عن مقاومتهم اقتصاديا وعسكريا.

وأكد التقرير الصادر بعنوان "بانتظار طالبان في افغانستان" والذي اعده الباحث الفرنسي المتخصص في الشؤون الافغانية جيل دورونسورو ان "النظام الافغاني سينهار حتما خلال بضعة اعوام" إن لم يكن أشهر. واضاف "بعد 2014 سيكون مستوى الدعم الاميركي للنظام الافغاني محدودا. وبعد مرحلة جديدة من الحرب الاهلية، يتوقع ان يعقب ذلك نصر لطالبان".

واعتبر دورونسورو "أن النظام الراهن في كابل هو أقل استعدادا للصمود في وجه التحديات التي تفرضها "طالبان" من الحكومة الشيوعية التي صمدت طوال ثلاث سنوات في وجه المجاهدين بعد الانسحاب السوفياتي في عام 1989.

وكتب قائلا: "هناك اختلافان كبيران: أولا، لا يتمتع النظام الراهن بالتماسك الإيديولوجي والاجتماعي الذي كان يتمتع به النظام الشيوعي، كما أنه لم يثبت قدرته على الصمود عسكريا في أية مناسبة. ثانيا، تشكل طالبان حركة موحدة تقل الانقسامات فيها، بينما كان التقاتل الداخلي سيد الموقف بين المجاهدين خلال التسعينات".

ووفق التقرير، فإن الانقسام السياسي، سواء نجم عن ظهور ميليشيات أو نشوء مخابئ آمنة في الشمال، يهدد باندلاع حرب أهلية طويلة قد تحتدم بفعل المنافسة بين القوى الإقليمية.

وقدر التقرير المؤلف من 23 صفحة ان انسحاب قوات الائتلاف التي طردت طالبان من الحكم في نوفمبر 2001 " سيترجم تلقائيا بتقدم لطالبان، خصوصا في شرق البلاد وجنوبها".

وتابع "في أحسن الاحوال، ستتمكن الحكومة الافغانية من ضمان أمن المدن والمناطق القليلة المؤيدة لها. إلا أنها ستفقد السيطرة على المناطق الريفية التي يقطنها الباشتون والولايات المحاذية لباكستان، من دون أي أفق لاستعادة السيطرة الميدانية" بسبب ضعف التدريب والموارد غير الكافية في صفوف القوى الأمنية.

وبحلول العام 2014 ستعاني السلطات الافغانية ازمة ثلاثية: اقتصادية - مع تراجع المساعدة الغربية، ومؤسساتية - وسط مخاوف ازاء امكان عدم اجراء الانتخابات الرئاسية، واخيرا عسكرية، وفق التقرير الذي يتوقع "انهيارا للنظام".

وعرض الباحث الفرنسي في تقريره سيناريو سيتمكن خلاله مقاتلو طالبان مدعومين بعدد أكبر من المقاتلين من مضاعفة نجاحاتهم العسكرية على المستوى المحلي ثم على صعيد الولايات وصولا حتى استعادة الحكم في كابل.

ورأى أن هذه التطورات نتيجة لما اعتبره "الاستراتيجية الفاشلة" للحلف الاطلسي بقيادة الولايات المتحدة والذي "سيخلف وراءه وضعا اسوأ مما كان عليه عام 2001 في بعض النواحي". إلا أن هذا الرأي لا يشاطره اياه المحللون السياسيون والعسكريون في الحلف الذين يؤكدون ان القوات الأفغانية ستكون قوية بما يكفي لمواجهة المتمردين.

وعلى الرغم من انتشار اكثر من 160 الف جندي في أوج فترة وجوده في البلاد، لم يتمكن الحلف الاطلسي يوما من انهاء ثورة طالبان.

تحذير مجموعة الازمات الدولية

بعد أيام قليلة من نشر تقرير معهد كارنيغي، حذرت مجموعة الازمات الدولية في تقرير لها يوم الاثنين 8 أكتوبر 2012 من ان الحكومة الافغانية قد تنهار بعد انسحاب قوات الحلف الاطلسي خاصة اذا شهدت الانتخابات الرئاسية التي ستجري في ذلك العام عمليات تزوير.

وقال كانديس روندو المختص في الشؤون الافغانية في المجموعة التي مقرها بروكسل "يوجد خطر حقيقي من ان ينهار النظام في كابول عند انسحاب قوات الحلف الاطلسي".

وأفاد التقرير وهو بعنوان "افغانستان الطريق الطويل والصعب الى الانتقال في العام 2014" ان افغانستان تتجه نحو انتخابات مزورة اخرى بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي سادتها الفوضى في 2009 و2010.

وأكد التقرير أن تكرار ما حدث في تلك الانتخابات يقوض الأمل الضئيل المتبقي لتحقيق الاستقرار في البلاد بعد ان تنتقل المسؤولية الكاملة عن الأمن من قوات الحلف الاطلسي إلى الحكومة الافغانية.

وذكر روندو ان "الجيش والشرطة الافغانيين غير مستعدين لعملية الانتقال وأية انتخابات فاشلة واضطرابات قد تنجم عنها قد تدفع بالبلاد إلى نقطة الانهيار". وأضاف أن حكومة الرئيس حميد كرزاي المدعومة من الغرب والبرلمان اخفقا في اتخاذ أية خطوات جديدة باتجاه الاعداد لانتخابات نزيهة.

وأفاد التقرير ان "كرزاي يبدو مهتما باطالة فترة بقائه في السلطة بأية طريقة، أكثر من اهتمامه بضمان مصداقية النظام السياسية والاستقرار الطويل الأمد في البلاد".

وينص الدستور على تنحي الرئيس بنهاية فترة ولايته الثانية في 2014. وصرح كرزاي مرارا انه سيتنحى في ذلك التاريخ، ولكن هناك مخاوف من ان يحاول التلاعب بالانتخابات لضمان انتخاب أحد حلفائه.

واشار روندو الى ان "الخطر يكمن في اهم اولويات كرزاي وهي الاحتفاظ بالسيطرة، سواء بشكل مباشر او من خلال حليف يثق به".

واضاف: "قد يتمكن هو وعدد من الاعضاء البارزين من النخبة من تشكيل تحالف واسع موقت، ولكن من المرجح ان تتحول المنافسة السياسية إلى العنف بعد انسحاب الحلف الاطلسي".

وأفاد التقرير انه لا يمكن استبعاد احتمال ان يعلن كرزاي حالة الطوارئ لتمديد فترة حكمه، وهو ما يمكن ان يسرع في انهيار الدولة وقد يؤدي إلى حرب اهلية.

وقال كانداس روندو "اعتقد ان انهيار الحكومة ليس سوى مسألة وقت. هذا مؤكد"، مضيفا "من سيحكم كابل في 2014 و2015 هما الفوضى والعنف".

ويشدد المحلل على ان "الانهيار الذي شهدناه في التسعينيات سيكون اسوأ هذه المرة نظرا لوجود المزيد من الاسلحة في البلد وقدر أكبر من الدوافع للقيام بفظائع أكثر مما شاهدنا من قبل".

وذكر روندو: "اذا حدث ذلك، فان فرص وقف هذا المسار على المدى القصير ستكون قليلة. وسيكون ضمان السلام في افغانستان املا بعيدا جدا في أحسن الأحوال".

وينتقد روندو توقعات قوات الحلف الاطلسي والحكومات الغربية بشأن قدرة القوات الافغانية على الدفاع عن النظام القائم في كابل بعد 2014.

ويؤكد ان هذه المزاعم "غير واقعية على الاطلاق"، ملمحا إلى أن الجنود الذين غالبا ما هم أميون ودون مستوى جيد من التدريب "يفتقرون إلى الدعم الجوي والقدرات اللوجستية والتماسك الحقيقي".

وقد اثبت حركة طالبان مهارتها في التكتيك، فهي وان خسرت مناطق في الجنوب خلال ذروة الهجمات الأميركية فقد عمدت الى التخلص مسؤولين كبار من أنصار "الناتو" وشنت هجمات على اهداف مهمة اذلت اعداءها ومكنتها من اختراق قوات الأمن الافغانية.

فخلال شهر سبتمبر 2012، على سبيل المثال، هاجم مسلحون من طالبان احدى أكبر قواعد حلف الاطلسي في افغانستان ودمروا ست طائرات مقاتلة في أكبر خسارة مادية يتكبدها سلاح الجو الاميركي في هجوم واحد منذ حرب فيتنام.

ويذكر أن أحد اهداف ارسال تعزيزات اميركية سنة 2009 كان ممارسة ضغط كبير على طالبان يدفعها الى الجلوس الى طاولة المفاوضات. لكن الثوار اوقفوا اتصالات مبكرة في مارس 2012 واتهموا الولايات المتحدة بتغيير موقفها باستمرار.

وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" في شهر اكتوبر ان مسؤولين اميركيين عسكريين ومدنيين لم يستبعدوا نهائيا احتمال التوصل الى اتفاق سلام مع طالبان ولم يذكروا شيئا عن مشاركة حكومة كرزاي.

وإذا كان وزير الخارجية الافغاني زلماي رسول قد أكد في واشنطن يوم الاربعاء 3 أكتوبر مضي الحكومة "بقوة" في عملية السلام مع طالبان، فإن هؤلاء يرفضون دائما مفاوضات مباشرة مع ما يصفونه بالنظام "الدمية".

وتعهدت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون بعد لقاء رسول بأن تقف الولايات المتحدة إلى جانب افغانستان "رغم التحديات". وذكرت بما سمته "بالتضحية" التي قدمها أكثر من 2000 جندي اميركي قتلوا في افغانستان، داعية في الوقت عينه إلى بقاء البلدين "شريكين يتطلعان نحو المستقبل".

يشار إلى أن التعزيزات للقوات الاميركية لم تنجح اطلاقا في وقف الدعم في باكستان للمجموعات المتمردة مما يعني بحسب روندو ان "لا شيء تغير استراتيجيا". وباكستان التي خسرت جنودا على أيدي حركات متطرفة لديها يفوق عددهم ما خسرته القوات الاميركية في افغانستان، متهمة على نطاق واسع بمواصلة دعم طالبان الافغانية التي تحظى بملاذات آمنة على الاراضي الباكستانية.

لكن البعض في اسلام اباد وهم في غالبهم من معارضي دعم طالبان الافغانية يتحدثون عن مخاوف من ان الانسحاب الاميركي سيتسبب في امتداد العنف الى باكستان، بحسب المحلل السياسي حسن عسكري. حيث قال "طالبان قد لا تنجح كليا في الاطاحة بالحكومة في كابل لكن يمكنها ان تجعل الحياة بائسة وفي بعض الحالات... يكون للحكومة الافغانية نفوذ محدود".

ورغم ان باكستان كانت من الداعمين المتحمسين لنظام طالبان في الفترة 1996-2001، الا ان علاقاتها بالحركة المتشددة منذ ذلك الحين لم تكن في أفضل حالاتها حسب بعض الأوساط، في حين تقول مصادر استخبارية أميركية أن الأمر لم يكن أكثر من تمويه وتضليل لواشنطن.

وذكر عسكري "الارهاب سيستمر، لذا اعتقد ان المسألة محيرة لباكستان وشخصيا لا ارى باكستان في وضع يسمح لها بادارة هذا النوع من المجموعات المتمركزة في باكستان، او وقف الحركة عبر الحدود".

وتقول مصادر رصد في باكستان أن جزء كبيرا من الحركات المتطرفة في شمال باكستان والتي تهاجم جيشها تحركها المخابرات المركزية الأميركية في محاولة لنسف علاقة باكستان مع طالبان أفغانستان.

في افغانستان، زاد تشوه صورة الولايات المتحدة في اذهان المواطنين خاصة سنة 2012،

وسجل عدد غير مسبوق من حواث اطلاق النار من قبل قوات أفغانية على من يعتبرون نظريا حلفائهم الغربيين، مما ادى الى مقتل 51 جنديا من قوة الاطلسي عام 2012.

وترفض الادارة الاميركية هذه التحليلات لكن مظاهر الاحتفالات مع انهاء سحب التعزيزات غابت وقد فقدت هذه الحرب شعبيتها لدرجة ان كلا من اوباما ومنافسه في الانتخابات الرئاسية ميت رومني بالكاد يأتيان على ذكرها.

المشهد حسب اجهزة الاستخبارات الاميركية

قبل صدور هذين التقريرين بعدة أشهر، ذكرت صحيفة لوس انجليس تايمز الأميركية يوم الخميس 12 يناير 2012 ان اجهزة الاستخبارات الاميركية ترسم مشهدا قاتما للوضع في افغانستان في تقرير سري يناقض مضمونه الخطاب الرسمي الأكثر تفاؤلا لوزارة الدفاع "البنتاغون".

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين اميركيين اطلعوا على التقرير رافضين كشف هوياتهم، ان التقرير الذي سلم للبيت الابيض في ديسمبر 2011 يفيد ان التقدم الذي احرزته قوات الاطلسي في افغانستان على الارض "يضعفه فساد كبير وحكومة افغانية غير كفؤة والهجمات التي تشنها حركة طالبان من باكستان المجاورة".

واضاف المصدر نفسه ان هذا التقرير الذي يقع في اكثر من مئة صفحة والذي اعدته وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي ايه" و15 وكالة استخباراتية اخرى، يشكك في بقاء الحكومة المركزية الافغانية اذا طبقت الولايات المتحدة استراتيجية الانسحاب ونقل المسؤوليات الأمنية الى القوات المحلية بحلول العام 2014.

وتابعت الصحيفة ان هذه الخلاصات التي تتناقض والخطاب الرسمي للبنتاغون والبيت الابيض، رفضها المسؤولون العسكريون الاميركيون المكلفون بالعمليات في افغانستان.

وفي اتصال أجرته وكالة فرانس برس، رفضت وزارة الدفاع والرئاسة التعليق على مضمون التقرير.

يذكر أنه في منتصف ديسمبر 2011، أكد وزير الدفاع ليون بانيتا خلال زيارة لافغانستان أن الولايات المتحدة "تسلك الاتجاه السليم وستنتصر في النزاع" في هذا البلد.

وكان تقرير للبنتاغون قد افاد بدوره ان اعمال العنف في افغانستان تراجعت في 2011 للمرة الاولى في خمسة اعوام مقارنة بالعام 2010، الأمر الذي شككت فيه الأمم المتحدة وخبراء.

حرب لم يعد من الممكن كسبها

خلال الربع الأول من سنة 2012 كان من اللافت للنظر أنه كان هناك شبه اجماع يتبلور في أميركا حول ضرورة إنهاء حرب لم يعد من الممكن كسبها ولا تبرير استمرارها.

وفي موقع "فورين بوليسي" خلال شهر مارس 2012، كتب ستيفان والت، استاذ الشؤون الدولية في جامعة هارفارد، مقالاً بعنوان "لماذا أفغانستان أكبر خطأ لأوباما"، قال فيه:

منذ دخوله البيت الأبيض والرئيس باراك أوباما يتبع بصورة عامة سياسة الصقور في أفغانستان. ولهذا السبب لا يجد خصومه الجمهوريون ثغرة يمكنهم استغلالها لمهاجمته في هذه المسألة.ولكن لو كانوا أقل اصرارا على أظهار تشددهم هم أيضا، لكان بإمكانهم أن يهاجموا أوباما من ثغرة قراره بتصعيد حرب أفغانستان عام 2009 وهو القرار الذي يبقى حتى الآن أكبر خطأ فاضح ارتكبه في مجال السياسة الخارجية.

هناك حقيقة فجة، هي أن الحملات العسكرية لمكافحة التمردات تسفر دائماً تقريبا عن فظاعات.فلنتذكر مجزرة ماي لاي في فيتنام، ومجزرة الحديثة وسجن أبو غريب في العراق، والآن مجزرة قندهار، التي قتل فيها 16 مدنياً منهم 9 أطفال، والتي كانت أحدث حلقة في سلسلة أعمال شنيعة ارتكبها جنود أميركيون وأطلسيون بحق المدنيين في أفغانستان.

وما من أحد يمكنه ببساطة أن يضع جنوداً في بيئة تمرد أهلي مبهمة، حيث يصعب جداً رؤية الحد بين الصديق والعدو، من دون أن يتوقع أن يضعف أحد هؤلاء الجنود ويرتكب شرا. وحتى إذا استمر انضباط الجنود وبقيت صحتهم العقلية سليمة، فإن بضعة من القادة العسكريين سيتحمسون بافراط ويأمرون جنوداً بتجاوز الخط الفاصل بين القتال المشروع والهمجية، وليست هناك طريقة "جيدة" لشن حرب مكافحة تمرد، مهما أكثرنا من الحديث عن "كسب العقول والقلوب". ولهذا السبب لا بد أن يفكر القادة السياسيون طويلاً وملياً قبل أن يأمروا الجيش باحتلال بلد آخر وإعادة بناء مجتمعه، أو قبل أن يقرروا تصعيد حرب جارية أصلاً.

والحقيقة المحزنة هي أن هذه الواقعة المخزية ما كانت لتحدث لو أن أوباما رفض مشورة مستشاريه العسكريين وتوقف منذ بداية ولايته الأولى عن محاولة "إعادة بناء أفغانستان". نعم، أنا أعرف أنه وعد بالخروج من العراق والتركيز على آسيا الوسطى، ولكن ما من رئيس يفي بكل وعوده الانتخابية، ألا تذكرون وعده بإغلاق معسكر غوانتانامو؟، وأوباما كان بإمكانه أن يغير مساره منذ البداية. وربما هو لم يفعل لأسباب سياسية، أو لأن قادة عسكريين مثل ديفيد بترايوس وستانلي ماكريستال اقنعوه بأنهم قادرون على عكس مسار الحرب، أو ربما هو أعتقد بصدق أن الأمن القومي الأميركي يقتضي مجهوداً حربيا غير محدد الزمن من أجل إعادة بناء أفغانستان. ومهما كان السبب، فقد كان مخطئا، والحقيقة المحزنة هي أن هذا المجهود الحربي الإضافي لن يثمر نتيجة أفضل، وأن الأرواح والأموال التي دفعناها هناك منذ 2009 قد ضاعت هباء، وهذا كان جلياً قبل الأحداث المأساوية الأخيرة، التي لا يمكن إلا أن تزيد من استحالة تحقيق مهمتنا العبثية.

ويستشهد الاستاذ ستيفان والت بما كتبه حول هذا الوضع في 9 نوفمبر 2009 بأسبوعية "ذا نايشن" حيث قال:

"فرص أميركا لكسب هذه الحرب ضئيلة. فحكومة كابل فاسدة، وغير كفؤة، ومقاومة للاصلاح، والطالبان لديهم ملاذات آمنة في باكستان، وهم يختبئون بين السكان المحليين، ما يجعل من الممكن بالنسبة لهم أن يفوقونا قدرة على الاستمرار، وباكستان دعمت الطالبان الأفغان في الماضي، وهي ليست شريكاً موثوقاً الآن. وحلفاؤنا الأوروبيون سئموا الحرب، وهم يبحثون عن مخرج، وبقدر ما نرسل قوات أكثر، بقدر ما نتدخل أكثر في الشؤون الأفغانية، ونبدو أكثر كمحتلين أجانب ونواجه مقاومة أكثر، وتبعاً لذلك، ليس هناك سبب يذكر لتوقع انتصار أميركي".

لم يكن الأمر آنذاك يتطلب عبقرية لرؤية ذلك، وقد عبر كثيرون غيري عن شكوك مماثلة. وأنا لا يسرني أن استعيد ذلك بالذاكرة. وبالتأكيد، أتمنى لو تبين أن المنتقدين كانوا على خطأ، وأن أوباما وبترايوس وماكريستال ومن صف صفهم كانوا على حق. وأنا أقر بأن الوضع في أفغانستان يمكن أن يزداد سوءاً بعد أن نرحل، وأن يموت مزيد من المدنيين نتيجة لتجدد حرب أهلية. ولكن الواقع الفج يبقى قائما: الولايات المتحدة لا تستطيع إصلاح أفغانستان، ومحاولة إصلاح هذا البلد ليست مصلحة حيوية للولايات المتحدة، وكان يجب أن نكون قد انسحبنا منذ وقت طويل.

أسباب تدعو للانسحاب

في موقع مجلة "ذا ناشيونال انترست" نصف الشهرية التي تعنى بالشؤون الدولية، عرضت الباحثة الأميركية "مالو اينوسينت" ما اعتبرته خمسة أسباب تدعو واشنطن للانسحاب من أفغانستان. واينوسينت محللة في السياسة الخارجية في “معهد كاتو للأبحاث” في واشنطن، وهي عضو في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية وهو معهد بريطاني، ومجالات أبحاثها الرئيسة تشمل مسائل الأمن في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي، والسياسة الأميركية تجاه باكستان وأفغانستان والصين. وقد كتبت تقول: الأحداث الأخيرة في أفغانستان أثارت شكوكاً حول الاستمرار في المسار الحالي، على الرغم من قول الجنرال جون الين، قائد القوات الأميركية في أفغانستان، في شهادة أمام الكونغرس أننا نحقق تقدماً "حقيقيا" و"مستداماً". وفي ما يلي خمسة أسباب تدعو الأميركيين لإعادة التفكير في الحرب وتأييد انسحاب مناسب من أفغانستان:

1- الملاذات الآمنة حديث باطل

في العام 2009 أعلن الرئيس أوباما أن استراتيجيتنا في أفغانستان لديها مهمة واضحة، هي "تعطيل، وتفكيك، وهزيمة القاعدة وحلفائها المتطرفين". ولكن ما لم يكن واضحا هو كيف يمكن لجيش حديث يرسل إلى أفغانستان أن يمنع القاعدة من مهاجمة أميركا، إذ إن الذين انخرطوا في الإرهاب قللوا اعتمادهم على "معسكرات" و"ملاذات" على الأرض، وهم يستطيعون عملياً إدارة عمليات التخطيط والتنظيم والتدريب في أي مكان، وعلى سبيل المثال، تم التخطيط لهجمات مومباي بالهند 2008 في مسجد هامبورغ بالمانيا ذاته الذي تم فيه تدبير هجمات سبتمبر 2001.

وفي الواقع، التصدي لتنظيم "القاعدة" يتطلب عمليات منفصلة غير مترابطة، وتقاسم المعلومات الاستخباراتية، وشن ضربات عسكرية جراحية عندما تقتضي الضرورة، ولكن لسوء الحظ، لايزال المسؤولون الأميركيون أسرى المفهوم الذي تجاوزه الزمن والمتمثل بضرورة التواجد على الأرض في منطقة محددة. وكثيرون يفترضون على نحو خاطئ أن الحاق الهزيمة بالقاعدة يعتمد على وجود طويل الأمد لقوات في أفغانستان وأماكن أخرى. ولكن مثل هذا الوجود ليس ضرورياً ولا قابلاً للاستمرار.

2- بناء دولة أفغانية تستطيع الاعتماد على نفسها ليس استراتيجية خروج، إن البقاء في أفغانستان إلى أن يصبح الأفغان قادرين على تولي أمورهم بأنفسهم لهو في الواقع باب خلفي لوجود عسكري غير محدد المدة. وقد وجد تقرير مفصل نشرته لجنة التعاقد في زمن الحرب "لجنة مستقلة مؤيدة من الحزبين شكلها الكونغرس عام 2008 لدراسة تعاقدات الجيش الأميركي مع مقاولين في العراق وأفغانستان". إن الحكومة الأميركية ابرمت عقودا لبناء عشرات من العيادات والمستشفيات، والثكنات، ومنشآت أخرى، وأن إدارة وتمويل كل هذه المنشآت كانا يفوقان قدرات الدولة الأفغانية، ويعني ذلك أن التحالف الدولي انفق عشرات مليارات الدولارات من أجل بناء بنية تحتية تتجاوز القدرات المالية والفنية للحكومة الأفغانية، والشعب الأميركي أصبح أكثر فأكثر تشككاً في إمكانية وجود دولة أفغانية مستقلة وقابلة للاستمرار يمكنها أن تبني البلد بكلفة معقولة، وشكوكهم هذه مبررة.

3- "القاعدة" ليست طالبان

كثيراً ما كان يقال لنا إنه إذا فشلنا في بناء حكومة تتميز بحد أدنى من الفعالية في أفغانستان، فإن ذلك سيحول البلد إلى قاعدة لطالبان، وبالتالي لتنظيم القاعدة، ولكن هذه الحجة مخادعة، ولو أنها تبدو معقولة، فهي تفترض أن طالبان ستمنح مرة أخرى ملاذاً للقاعدة، أي التنظيم ذاته الذي تسببت حمايتها له بإسقاط حكمها، وأن الإرهابيين لن يهاجموا أميركا إذا كان هناك نظام تابع مدعوم من الغرب في كابل، والقادة الأميركيون وضعوا في فئة واحدة القاعدة وهي شبكة جهاديين فضفاضة مسؤولة عن هجمات سبتمبر 2001 وطالبان وهي حركة محلية تسيطر عليها أغلبية الباشتون ولا تحدد لنفسها أية مهمة عالمية. ونتيجة لذلك، لاتزال الولايات المتحدة تخوض الحرب ضد طالبان، وشبكة حقاني، ومجموعة الحزب الإسلامي بزعامة قلب الدين حكمتيار، ومقاتلين محليين آخرين لا يشكلون أي تهديد لسيادة أو وجود أميركا، وبموازاة ذلك، فإن جهود أميركا لضرب القاعدة لا تعتبر انتصارا.

4- السياسات الحالية تزعزع استقرار باكستان

قبل أن تترك سفيرة الولايات المتحدة السابقة في إسلام أباد "آن بيترسون" منصبها في باكستان سنة 2009 وجهت إلى رؤسائها بتاريخ 23 سبتمبر 2009 تحذيراً من أنه إذا كان "استهداف أعضاء وأصول القاعدة" مهما من أجل التصدي للإرهاب، إلا أنه "ينطوي أيضا على خطر زعزعة الدولة الباكستانية، واستعداء كلا الحكومة المدنية والقيادة العسكرية، وإثارة أزمة حكومية أشمل من دون أن نحقق الهدف في النهاية".

وقد تبين أن ضربات الطائرات الآلية أي من دون طيار، والهجمات البرية، والأنشطة السرية الأخرى في باكستان، هي سيف ذو حدين: فهي تسهم في القضاء على كبار قادة القاعدة، ولكنها تحفز أيضا على الإرهاب داخل الأراضي الأميركية، وتزيد كره الشعب الباكستاني لأميركا، وبالتالي تقبله للمقاتلين المعادين لأميركا، كما أنها تزيد من خطورة زعزعة استقرار دولة متقلقلة ومسلحة نوويا. وكما حذر تقرير نشره في عام 2011 مجلس سياسة الشرق الأوسط "مركز دراسات في واشنطن يركز على المسائل التي تؤثر على مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط"، فإن تكثيف برنامج مكافحة الإرهاب يضاعف العنف وعدم الاستقرار بدلا من تهدئة المنطقة عن طريق التصفية المتقنة للقادة الإرهاربيين، وعلى الأميركيين الا ينسوا فيصل شهزاد، المهاجر الباكستاني الذي أقر بالذنب أمام محكمة في العام 2010 خلال محاكمته بتهمة محاولة تفجير سيارة مفخخة في ميدان "تايمز سكوير" بمانهاتن. فمن بين الدوافع التي عددها شهزاد خلال التحقيقات معه، كان "قتل مسلمين بواسطة الطائرات بدون طيار الأميركية".

5- البقاء في أفغانستان يضعف أميركا

يرى الكثير من قادة الرأي العام البارزين في الغرب أن الانسحاب من أفغانستان سيعزز الجهاديين على المستوى العالمي ويجعل أميركا تبدو ضعيفة. ربما، ولكن اثارة مثل هذه المخاوف أسهمت في جعل الرأي العام الأميركي يتقبل سياسة خارجية سيئة. والآن، سواء اختارت أميركا "الهروب الجبان" أم "البقاء والنزف"، فإن أعداء أميركا سيكونون رابحين في جميع الأحوال، وعلى كل حال، فإن أحد الأهداف الأساسية لأسامة بن لادن كان الحاق ضرر بالاقتصاد الأميركي، ومن منظور استراتيجي واقتصادي، ما من مكاسب ملموسة يمكن أن تفوق تكاليف احتفاظ أميركا بوجود غير محدد المدة في أفغانستان، خصوصاً وأن الموقع الجغرافي لأفغانستان كبلد غير ساحلي سيجعل أية مكاسب قد نحققها عرضة لخطر عمليات تخريب تنطلق من بلدان مجاورة.

إذا كانت الحروب التي تولدت أو بررت بهجمات 11 سبتمبر 2011 قد علمتنا شيئاً، فهو أن اعداء محليين يتمتعون بأفضلية كونهم يقاتلون داخل وطنهم وبين شعبهم سيكونون قادرين على إبطال تفوقنا العسكري الساحق. والدرس الذي يجب استخلاصه ليس أنه يجب على أميركا الا تتخلى أبداً عن مهمتها بعد أن تدخلت، وإنما أن تتجنب الاستمرار في المسار ذاته بأي ثمن".

استعمار متجدد

في الثلث الأخير من شهر سبتمبر 2012 وبعد قرار حلف "الناتو" تقليص عملياته المشتركة مع القوات الحكومية الافغانية وتعليق بعض البرامج الموضوعة لتدريبها بحجة تزايد "الهجمات من الداخل" ضد جنوده، قدر خبراء أن القرار يعيد الاستراتيجية الغربية إلى ما قبل عام 2009 حين افتقد العسكريون الأفغان والأجانب إلى التواصل الوثيق، ما جعل التقدم "بطيئاً ومحدوداً". كما يهدد بإفشال أهداف استراتيجية "الناتو" بالكامل على صعيد تحقيق ما يصفونه بالاستقرار في البلد المضطرب.

وقد صرح العميد الأميركي المتقاعد جيمس دوبيك الذي اشرف على تدريب قوات الأمن العراقية بعد غزو 2003: "كما رأينا سابقاً في العراق وفي أفغانستان خلال العامين الماضيين، تعتبر البرامج المشتركة للسرايا والفصائل العسكرية ضرورة لإنجاز عمليات التدريب الميدانية المطلوبة. لذا سيمثل القرار تراجعا في كفاءة التدريبات التي ستزيد مع تمديد تطبيقه لفترة طويلة".

ولفت انتقاد أعضاء نافذين في مجلس الشيوخ الأميركي بينهم السناتور جون ماكين والسناتور جو ليبرمان، لإستراتيجية الرئيس باراك أوباما بشأن تسريع تشكيل جيش وشرطة أفغانيين قبل مغادرة القوات الأميركية البلاد، في وقت "يبدو الوضع الميداني مقلقاً بدرجة كافية لتبرير الوقف الفوري للانسحاب" عجزا عن إدراك حقيقة الانكسار. وهذا ما يعني أن هناك سياسيون في واشنطن يرفضون الاستسلام للواقع حول خسارة الحرب ويكررون عويل أمثالهم الذين رفضوا خلال عقد السبعينات الانسحاب من الفيتنام، أو هؤلاء الذين حذروا من أن الانسحاب شبه الكامل من العراق سيعيد أميركا إلى مواجهة نفس الخصم الذي تصورت أنها تخلصت منه يوم سقوط البوابة الشرقية للأمة العربية في 9 أبريل 2003.

الأميركيون عجزوا عن فهم الشعب الأفغاني وتصورا أن المال يمكن يغير عمق ثقافة شعب وإرثه الحضاري. وكان قادة عسكريون أميركيون كبار قد تعرضوا لضغوط في الشهور الأخيرة من سنة 2012 من أجل بذل جهود أكبر للقضاء على "الهجمات من الداخل"، لكنهم اعترفوا بأنهم عجزوا عن فهم ارتباط الظاهرة مباشرة بخطط حركة طالبان لاختراق صفوف الحلف، أو بتمرد الأفغان على مدربيهم لأسباب عقائدية أو أخرى تتعلق بأسلوب معاملتهم.

ولا يخفي ستيفن بيدل، الأستاذ في جامعة "جورج تاون" بواشنطن، خشيته من أن يكون تقليل الحلف من أهمية عدد الهجمات التي شنها من وصفوا بأنهم "متسللون" من "طالبان" ضد جنوده محاولة لإخفاء عجز القوات الحكومية والغربية عن العمل معا، بسبب خلافات ثقافية وانعدام التجانس.

المشكلة أنه في خضم كل هذا النقاش والجدل، يقول محللون: الذين يضعون مسارات سياسة البيت الأبيض يجهلون أو يتعامون عن قصد عن حقيقة واضحة للعيان تفسر ضراوة المقاومة لوجودهم خاصة من جانب شعب أفغانستان كما كان الأمر بالنسبة لشعب العراق وغيره ممن عانوا من قوى الاستعمار المتجدد، وهي أن هذه الشعوب هي ضحية غزو وإستعمار أجنبي يبرر وجوده كما جرى قبل قرنين أو عقود في المنطقة ذاتها أي الشرق الأوسط الكبير، بنشر ما يسميه الغرب بالديمقراطية والسعي لإنقاذ شعوب وأمم من تخلفها.

عمر نجيب

omar_najib2003@yahoo.fr