ما بعد بعد الإبراهيمي

بقلم: بافي رودي

لم يكن المبعوث العربي والدولي المشترك والسابق بخصوص سوريا كوفي أنان قد أعلن عن فشله الرسمي بعد في إحراز أي تقدم يذكر في ظل مهمة مستحيلة الحل في سوريا، حتى سارعت القوى الدولية الكبرى إلى طرح اسم الدبلوماسي الجزائري الأخضر الإبراهيمي، وذلك في محاولة يائسة منها للمماطلة وذر الرماد في العيون وذرف دموع التماسيح المتبقية على قلة متبقية من الشعب السوري، لازالت تراهن على استيقاظ الضمير العالمي من سباته الذي استمر قرابة العشرين شهراً من عمر الانتفاضة السورية اليتيمة والاستثنائية بكل المعايير والمقاييس.

مهلة جديدة إذاً لشراء المزيد من الوقت كي يمعن النظام السوري المجرم في شعبه قتلاً وخراباً وتدميراً واعتقالاً وتهجيراً، مطبقين بذلك استثناء القاعدة المشهورة التي تقول "العلة في النظرية وليس في التطبيق"، حيث أصبحت العلة في الحالة الثورية السورية في التطبيق الفعلي وليس في توصيات ومقترحات المبعوث الدولي - أياً كان - في حل الأزمة السورية. فمنذ أن أعلن أنان خطته الشهيرة ذات النقاط الست (والتي كان من الممكن أن تحل الأزمة ولو جزئياً) حتى بدأت سياسة التشكيك والتخوين والمماطلة التي كان ولا يزال ينتهجها النظام السوري إزاء كل مبادرة تهدف لوضع حد لإراقة الدم السوري، معتمداً في استمراره على هذا النهج على نقاط ارتكازية عدة، من أهمها:

1)ً. الضوء الأخضر غير المعلن رسمياً الذي تلقاه النظام السوري منذ بدء الانتفاضة من قبل إسرائيل، الولايات المتحدة الأميركية ودول القارة العجوز فيما يتعلق باستمرار النظام بالحلين.. العسكري والأمني في سوريا.

2)ً. الدعم اللوجستي، المادي والعسكري المفتوح من قبل موسكو، بكين، طهران وحزب الله.. حلفاء النظام التقليديين والمعلنين.

3)ً. تصوير الأزمة من قبل الإعلام السوري الرسمي والإعلام العربي المسمى بالمستقل على أنها صراع مسلح بين طرفين متكافئين يغلب على جانبه المعارض الفكر الجهادي والتطرف الإقصائي الواضح وما سينتج عن هذه العقلية وهذا الصراع من حرب أهلية مرتقبة تسود الأرض السورية وتقود في النهاية إلى تقسيمها.

4)ً. تحجج المجتمع الدولي دوماً بعدم التفاف المعارضة السورية بمختلف أطيافها تحت راية واحدة، وجعل هذه الحجة شماعة للتقصير العالمي نحو الثورة السورية.

5)ً. تصدير الأزمة إلى الخارج وخاصة دول الجوار، من خلال تفجير الوضع في لبنان واستهداف الطائرات وقصف القرى الحدودية التركية، وتحريك شيعة الخليج في البحرين والسعودية وقطر والكويت بحجة الإصلاح والثورة على الأنظمة الملكية الحاكمة هناك... وذلك بهدف إشغال تلك الدول المؤيدة للثورة السورية بمشاكل داخلية مفتعلة ولإبعاد الرأي العام العالمي تدريجياً عن مدى الحجم الكبير للانتهاكات البشعة التي يقوم بها النظام السوري بحق شعبه.

كل هذه التفاصيل وغيرها الكثير قضت على مهمة أنان وستقضي بنفس الطريقة على مهمة خلفه الإبراهيمي وكل من سيتبعهم إلى يوم الدين؟

انطلاقاً من جملة ما سبق من معطيات عامة وما تفرزه التسريبات من مراكز الثقل السياسي في العالم نجد بأن الشعور بالإحباط واليأس في حصول أي تقدم أو انفراج محتمل في الأفق القريب قد انتقلت عدواه من الشعب السوري إلى داخل أروقة المجتمع الدولي الذي يتفنن قادته وصناع قراره في وضع العصي في العجلات ظناً منهم أن هذه السياسة ستوقف حركة التاريخ وصيرورته وستقي النظام السوري شر السقوط المحتم على يد أبطال الثورة السورية في الميدان.. على يد ثوارها الذين ملوا سياسة الضحك على اللحى ولغة التسويف والخطابات والحجج الواهية والمبادرات المستحيلة، وأصبحوا يقتربون من تحقيق نصرهم الذاتي القريب بامتياز في الوقت الذي تتسارع فيه الخطا في أروقة مجلس الأمن استعداداً لمرحلة ما بعد بعد الإبراهيمي!

بافي رودي