اغتيال بعد اغتيال... هل أصبحت المواجهة هي الخيار الوحيد؟

بقلم: حسان القطب

عقب كل عملية اغتيال تطال رمزاً وطنياً او مسؤولاً رسمياً او موقعاً دينياً في لبنان، او مجزرة تصيب الشعب السوري، ترتفع الأصوات الدولية والعربية تطالب الشعبين اللبناني والسوري بضبط النفس والعض على الجرح، وعدم الانجرار لردود الفعل..منعاً للفتنة ودرءاً للمؤامرة. ولكن هل بقي لنا انفاس لنحبسها؟ وهل نحن من نروج للفتنة ونسعى لها وأبناؤنا يقتلون وأرواحنا تزهق بحقد وإجرام قل نظيره منذ مؤامرة القرامطة وهجمات هولاكو؟ وهل نحن مجرد أصنام وألعاب يتم تدميرها والعبث بها الواحد تلو الأخر بعد ان قد فقدنا الشعور والاحساس والرغبة في الانتقام والثأر والرد بالمثل؟

إنه مسلسل طويل من الظلم الذي يعيشه الشعب اللبناني وقبله السوري.. لقد تم بيع الشعب السوري لتلك الأقلية المجرمة الحاكمة مقابل ضمان امن إسرائيل وحدودها منذ عقد الستينيات من القرن الماضي، والثمن العبث بساحة لبنان وتدمير بنيته وقتل قادته بالتعاون مع أدوات محلية مارست حقدها وجنونها وعمالتها دون وازع او ضمير مشحونة بحقدها الدفين وسلوكها المشين منذ حرب المخيمات وإلى اليوم وضرب اقضية الفلسطيني وتجزئة منظمة التحرير وتقسيم فصائلها واستعمالها في تنفيذ عمليات اغتيال وممارسات لا علاقة لها بفلسطين وقضيتها.

لذا لم يعد خافياً ان المجتمع الدولي والعربي قد تخلى عن الشعبين اللبناني والسوري منذ زمن طويل وتركهما لمصيرهما في مواجهة آلة القتل التي يقودها الخامنئي ونجاد وبشار بأدوات محلية. فقتلهم لنا قد أصبح عادة كما يبدو؟ ومظاهر الفرح والبهجة مع كل شهيدٍ يسقط نراها بوضوح في نظراتهم وضحكاتهم وإطلاقهم النار في الهواء ابتهاجاً وتوزيع الحلوى تعبيراً عن الانتصار في إزهاق الأرواح البريئة وقتل النفس الطاهرة. إنه الحقد الذي يقود الإجرام الذي يتطاول علينا كل يوم ويتناولنا بكل هدوء، مع إطلاق بيانات الإدانة الكاذبة والتعابير المواسية الخادعة.

من يحمي الشعبين في لبنان وسوريا؟ في سوريا ممنوع تسليح الشعب لمواجهة آلة القتل التي رعاها المجتمع الدولي في بداية الأمر واعطاها صلاحية القتل برعايته وموافقته منذ احتلال لبنان عام 1976، ودخول جيش آل الأسد إلى لبنان برعاية عربية ودولية وكانت جريمة قتل كمال جنبلاط عربون الوفاء من هذا النظام للمجتمع الدولي. وتوالى مسلسل القتل والتفجير والإرهاب ليطال رموزاً وقيادات بمواكبة بيانات الادانة والاستنكار والدعوة لضبط النفس. واليوم ترعى إيران نظام سوريا بمشاركة الحكومة الروسية ودعم النظام العراقي الطائفي المذهبي كل عمليات القتل والابادة الجماعية في سوريا. والمبعوث الدولي والعربي الأخضرالإبراهيمي لا هم له سوى أن يبحث عن هدنة مدتها ثلاثة أيام ربما لادخال بعض الأسلحة اللازمة لنظام سوريا لقتل المزيد من أبناء الشعب السوري. ومع ذلك قالت الناطقة باسم الخارجية الأميركية فيكتوريا نولاند في بيان لها إن "الولايات المتحدة تؤيد دعوة الأمين العام للأمم المتحدة والأمين العام للجامعة العربية كل الأطراف في سوريا إلى وضع حد للعنف خلال عيد الأضحى بين 26 و28 الجاري كي يتسنى للشعب السوري قضاء العطلة الدينية في سلام وأمن". و"نحض الحكومة السورية على وقف كل العمليات العسكرية وندعو قوات المعارضة إلى القيام بالمثل". وتابعت "يجب على الحكومة السورية أيضاً السماح بوصول الإمدادات الإنسانية بشكل كامل وفوري للمناطق المحاصرة والسماح بوصول الإمدادات الحيوية للمحتاجين"؟

وفي لبنان دعوات للتهدئة عقب كل اغتيال لتفويت الفرصة على المجرمين. ولكن المجرمين كانوا قد حققوا هدفهم وانجزوا دورهم ومبتغاهم. فما فائدة الصبر وحبس الانفاس؟ ومع ذلك ضمير نجيب ميقاتي يتألم للمصاب الجلل باستشهاد وسام الحسن. لقد باعنا ميقاتي - ومعه الصفدي وجنبلاط - يوم رضي بان يكون اداة حزب الله ونبيه بري ونظام سوريا وإيران على رأس حكومة لا يملك من سلطتها شيء. والآن هو يتألم. على ماذا يتألم، أعلى شهيد سقط ام على واقع طائفة؟ ام على الخيانة التي كرست هذه النتيجة وهذا الواقع المؤلم؟ ام على مستقبل لبنان الذي رهنه لقوى الشر والعمالة؟ ونبيه بري هو الأخر يتحدث عن دور القضاء في التحقيق وضرورة الصبر. على ماذا نصبر وبمن نثق؟ هل نستطيع ان نثق بك يا نبيه بري؟ وحالنا معك ومع فريقك وحلفائك كما يقول الشاعر المتنبي..

رماني الدهر بالأرزاء حتـى *** فؤادي في غشاء من نـبـال

فصرت إذا أصابتني سـهـام *** تكسرت النصال على النصال

من يحمي الشعب اللبناني من مسلسل الإجرام وادوات الإجرام.. الجيش اللبناني؟ والتحقيق في مقتل الشيخ أحمد عبدالواحد الذي قتل على حاجز للجيش اللبناني قد طوته جرائم متلاحقة حتى بتنا لا نعرف عن أي شهيد نتحدث ومن له الأولوية في المتابعة؟ وعقب اغتيال اللواء الحسن اكتفت قيادة الجيش ببيان ورد فيه: "ندعوا جميع اللبنانيين إلى «الالتزام بمبادئ الشهيد، وإلى الصبر والتعالي على الجراح والتضامن فيما بينهم لتفويت الفرصة على القتلة المجرمين الذين سعوا من خلال جريمتهم النكراء هذه، إلى إشعال نار الفتنة وتفتيت وحدة الوطن»". إذاً نحن علينا ان نصبر ونحتسب ونلتزم بالمبادئ. وعلى الفريق الأخر التخطيط للجريمة المقبلة التزاماً بمبادئه وفكره وثقافته. وقد وردت رسائل بهذا المعنى لبعض النواب تؤكد لهم ان دورهم على لائحة القتل قادم وان تصفيتهم قريبة.

لقد ادرك الشعب السوري حقيقة انه متروك لمصيره فقال "ليس لنا غيرك يا الله" تعبيراً عن فهمه لحجم المؤامرة وإدراكه لعظيم التضحيات التي يجب تقديمها لتحقيق النصر والعزة والتحرر من ربقة نظام فاسد وأقلية حاكمة حاقدة مارقة... ونحن في لبنان اليوم يجب ان ندرك هذه الحقيقة فإما ان نواجه هؤلاء المجرمين وسلاحهم.. وإما إن نعيش في الذل إلى الأبد وهذا ما لن يتحقق لهم أبداً... لأننا نحن قوم لنا الصدر دون العالمين او القبر.

حسان القطب

مدير المركز اللبناني للأبحاث والاستشارات