قوص في شوق الخليلي

بقلم: مصطفى عبدالله
صفحة النيل الخالدة

السكون الموحش ذاك الذي كان يلف القرية في القيلولة وفي الصباح وفي المساء وكان كأنما يمتلك حاسة تدرك الصمت سمعا ولمسا يسيل الصمت من مسام الحوائط الطينية وينز من تراب الجسر الكثيف من فرط حرارة الشمس.

صمت يجعل السماء ترقد على صفحة النيل الخالدة في خشوع وطمأنينة بلونها البديع يختلط أريج الأشجار والأزهار برائحة الروث من مرابط الأبقار والجاموس والغنم فيهفو في أرجائها جو من العبير له نكهة القرية العتيقة وريحها.

كان من بين أطفال تلك القرية البارزة كالنتوء من كتف مدينة فريدة من أفراد حراستها التاريخ بصولجانه وأبهته وعراقته.. تلك هي مدينة قوص والقرية هي الجمالية.

قوص التي مشي على ثراها حفيد يوسف عليه السلام واختارها كمحطة ربط مهمة تطل كمظلة على ممالك طيبة حتى كانت في عصر من العصور أهم مركز تجاري في العالم يسترخي في ربوعها التاريخ حتى يحل عصر الأئمة البناة ويشيد فيها ابن العاص بأمر من عمر بن الخطاب مسجده العمري. ويمر عصر الأئمة حتى ينجب للبشرية من تخومها العالِم العامل الإمام القَشيري وابن دقيق العيد وغيرهما من الأفذاذ ثم يقطن فيها مأخوذا بجمالها شاعر عصره آنذاك البهاء زهير قادما من بلاده البعيدة.

وأديبنا أحمد الخليلي في قريته كان في مظهره طفلاً أقل من عادي يلعب مع الأطفال إلا أنه كان هو معين أفكارهم يبتكر لهم الألعاب، ويذلل لهم الصعاب، يرصد الصمت في القيلولة، ويدركه لمساً وسمعاً وبصراً. كان يري الوجد على حوائط الدور الطينية، ويلمس الشجن في ظلال النخيل المترامية علي الطرقات، ويسمع الشوق لإخوته الغائبين في العسكرية، ومع عمال التراحيل في صوت شادية، ونجاة، ووردة، وفايزة، وحليم، وثومه، من خلال مذياع كان يرسم، من تلك الأصوات القدرية، صورة من الجمال الشعوري لا يمكن أن يحيط بوصفها كلام.

في الأصيل يخرج مع الغلمان إلى المراعي بنعاج لهم وماعز يتراشقون فيما بينهم بفطائر الطمي.

في يوم مشهود تدخل الكهرباء قريته.. لم يكن يتصور أن هناك شيئاً يؤثر في تعلقه بالمذياع الذي عشق فيه أناسا وحياة تطمح روحه توقاً إليهم: أبلة فضيلة وتتر برنامجها الخالد (يا ولاد يا ولاد تعالوا تعالوا)، وبابا شارو، وتمثليات عبده دياب، ومرسي أبو حطب، والسحار، وغيرهم كثيرون من العمالقة.

ففي مطلع الستينيات يظهر التليفزيون ليصبح تأثيره أقوى من المخدرات، ويقول الخليلي: نذهب من نجع إلى نجع حتى نتمكن من مشاهدته، أحيانا نرضي بالإهانة من صاحب التلفاز، وقد كان في نظر الأطفال والكبار فرجة وتسلية أخآذة، وإلى جانب المذياع سكن قلب الطفل الشاعر وعينه معلم ثانٍ.

وقود يتراكم داخله فيصطلي بجذوة الإبداع. تشحذ همته للخلق أعمال مثل: "الأيام"، "عودة الروح"،"على هامش السيرة"، "الزير سالم"، "فرسان الله"، "علي باب زويلة"، "المشربية"، "أحلام الفتي الطاير"، "أوراق الورد"، "أبناء في العاصفة"، "صرخة بريء"، "اليتيم والحب" وغيرها من عيون الدراما العربية والتي يعتبرها أديبنا الخليلي من الروافد الأولى التي شكلت وجدانه، وصاغت حسه الأدبي مع ما كان يختمر في ذاكرته من إبداعات الإذاعة في عصرها الذهبي.

وفي قريته الجمالية اعتاد أن يقضي ليلة كل خميس في مجالس الذكر والإنشاد.. يتمايل مع الذاكرين يمنة ويسرة، حتى تخور قواه فيحمله والده إلى فراشه.

لمحات كان يسجلها بدمه على جدران قلبه وصفحات ذاكرته من جداته وأهله في القرية من حكم ومعارف.

ولما انداحت أمواج ما حصّله طيلة هذه الحقب من خبرات ورصد للمواقف والأحداث بدأ ممارسة الكتابة بعد أن كان يغني ويرسم، حتي صدر له بالفصحى ديوان: "شفاف حتى الهواجس"، و"ريق من الطمي"، وبالعامية أصدرت له الهيئة المصرية العامة للكتاب "شقاوة الغلاوة"، وأخيراً أصدر هذه المجموعة القصصية "شوق ومرهم وجرح أخضر"، التي يمكن أن نعتبرها، فضلاً عن كونها نصوصاً أدبية، وثائق اجتماعية تسجل خصوصية الحياة في هذه المنطقة العريقة في صعيد مصر.

mostafa4100500@hotmail.com