ممكنات الثقاقة.. ونسقية الإبداع

بقلم: فارس البيل
صناعة النماء والرخاء للإنسان فكرياً وروحياً قبل المـادة

لا يمكن الوقوف هنا عند البعد المنهجي والتنوع الدلالي للعنوان، إذ يمكن الانطلاق والتأسيس عليه من منطلق الفهم العام والتداولي، والاتكاء عليه من واقع الفهم الإشكالي المصاحب لهذا التنسيق. وسنقف هنا عند حدود الإشارات المتاخمة للعنوان بموازاة الاستخدام العام والتعاطي التناولي القريب للثقافة والإبداع.

فالثقافة بمعناها العام كإنتاج بشري فكري ومادي؛ اختزلت كثيراً في عوائق ومشكلات وحصرت في كانتونات مؤدلجة لتصبح سلعاً حصرية تمتلكها الفئات والمؤسسات المختلفة وحتى الأفراد المعنيين بها. وضغطت الثقافة في الامتلاك لمنهجية محددة والامتلاء منها، بعيداً عن البعد الأوسع والمدى البالغ للإنتاج الثقافي. إذ إنها قائمة على النوع والتعدد وتتألف منهما، وهو ما رافقه من الاختزال والقسر، وصاحبه صناعة الخصم المخالف للرؤى، إذ بالضرورة هو مخالف للثقافة ولا يمتلكها!

ولا يمكن حينها فهم عملية التثاقف إلا بموازاة التنافس والتطاعن. ولما كانت الثقافة قد عَمقت مساربها وتشعبت مضامينها؛ فإنه ليس بمقدور أحد أن يحويها، وما ينتج في حياتنا من مشاريع أو أعمال أو مساهمات تنتمي للثقافة أو تحاول الوصول إليها، فما هي في أحسن حالها إلا محاولة لإعادة الفهم والتداول للثقافة بعموميتها أو على مستوى التبادل المعرفي الاختصاصي أو العام في الإطار الثقافي. وما هي إلا أنوية صغيرة في المحيط العام، لها أن تنشط طالما وهي لا تبغي معاورة المعنى العام، وتريد للمتلقي أن يصل ولو للحذق بالشيء وفق المعنى اللغوي العربي للثقافة.

ولأن الثقافة في إطارها العام تعني النماء المعرفي والتراكم الحضاري المتعدد، ولطالما احتفى بها الكثير، واشتغل بها الأكثر، وأُقحمت دون معنى في كثير من الأماكن والقضايا، وفق الفهم القاصر لمهمتها، والاختلال في معرفة أدوراها، وما نشأ عن ذلك الاستعمال من بترٍ وحجز؛ فبالإمكان الوقوف عند الممكنات الحقيقية للاشتراك الثقافي، وتنقية المعنى التداولي لها، والوصول إلى أنساق مشتركة تحمي كيانها وتخرجها من هذا الحبس، وتخلي للمتلقي أفقها الواسع.. فما الثقافة إلا تبادل وتنوع إنساني واسع وانفتاح معرفي لا يُحد، وللمنهجيات المتعددة أن تقننه وفق تراتبياتها وآلياتها، لكن ليس لها أن تُحجِّمه، ومن يمارس ذلك فهو يغلق الباب دون الثقافة، ويحتمي بالتجهيل، وهو أشبه بمن يصد الهواء الضروري للإنسان بيديه !

من هنا تأتي الحاجة للالتقاء عند الممكنات في عالم صنع أستاراً فاصلة، التقاءً يضع حدود الانفتاح العام للثقافة، ويصنع مسارب جديدة للتواصل والتبادل؛ تحمي العقل من الاغتيال، وتثري شغفه، وتغطي حاجته الضرورية، فليس من المنطقي أن يبقى العقل بلا تأمل وإنتاج.

ومثلها الإبداع لو جاز لنا فصله أو موازاته ..لا باعتباره هنا الطاقة المنتجة الهائلة، والخلق المتقن الجديد؛ بل باعتباره ـ اختزالاً ـ المشاريع الفنية والفكرية، والنشاطات المبدعة المحسوسة واللا محسوسة، المنتجة من الحس الإبداعي، والتفوق الموهوب، وما يرافقه من جدل يبدأ من فهمِ لمواقف الدين مروراً بالأيدلوجيات والاهتمامات، وليس انتهاءً بالأولويات واللا مبالاة في كثير من الأحيان، أو اختزاله في نشاط دون آخر .

من هنا صُنعت نسقية النظرة للإبداع، ونسقية الإنتاج أيضاً. وصدرت عنها آليات الحكم والتحكم ـ في آن ـ بالنشاط الإنساني، وأضرَّت كثيراً بالبعد الإنتاجي العقلي والفكري، وحتى الأخلاقي باعتبار الإبداع صاحب رسالة، وصادر عن القيم والبيئة والمجتمع ومتجه إليها.

ما يمكن قوله هنا إننا بحاجة لتحرير المفاهيم المتعلقة بالثقافة والإبداع، مثلهما مثل كثير من القضايا العالقة في حياتنا وتدور حول قيمها الكبيرة تساؤلات ومواقف شتى. ينطلق من الحاجات الإنسانية والمَهمة المنوطة بالبشرية، والتعارف الشعوبي والحضاري، والتبادل النفعي، وصناعة النماء والرخاء للإنسان فكرياً وروحياً قبل المـادة .