عُمان على موعد قريب مع مشاريع اجتماعية ضخمة

بقلم: د. حسين شحادة
السلطنة تعيد صياغة برامجها لتتلاءم مع المرحلة القادمة

لقد ارتكزت سياسة السلطنة على الدوام ومنذ فجر نهضتها الحديثة على أسس ثابتة وقوية تقوم على بناء أركان السلام والتنمية ودعائم الأمن والاستقرار، ليس على الصعيد الداخلي المحلي فحسب، وإنما على الصعيد الخارجي العالمي أيضًا، ما يعكس الالتزام الوثيق بتبني القضايا الحيوية لإرساء دعائم السلم والاستقرار في العالم العربي والعالم أجمع.

وينطلق ذلك من رؤية واضحة وسليمة ومنطقية أنه ليس ثمة دولة تستطيع أن تكتب لنفسها دورة حياة طبيعية وتنمية مستمرة بمعزل عن التأثر والتأثير بالمحيط الذي يحيط بها، وكما من المسلمات حاجة الدول إلى تعاون بعضها بعضًا في جميع المجالات فهذه هي سنة الحياة.

ومن هنا جاءت النظرة الشمولية المتكاملة في منهاج السياسة العمانية ـ كما أراد لها مؤسس نهضة عمان الحديثة السلطان قابوس بن سعيد، ذلك أن تحقيق السلم والأمن الدوليين وتحقيق التنمية المستدامة وإشاعة أجواء الرخاء والاستقرار لشعوب العالم قاطبة يحتاج إلى تكاتف هذه الدول أنظمةً وشعوبًا في إطار منظومة عمل جامعة وميثاق موحَّد، لا يميز بين أحد وآخر.

وقد جاء بيان السلطنة أمام اللجنة الأولى للمناقشة العامة بشأن نزع السلاح والأمن الدولي خلال الدورة السابعة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرا ليؤكد موقف السلطنة من ضرورة إخلاء العالم بصورة عامة ومنطقة الشرق الأوسط بصورة خاصة، ومتواكبًا مع التوجهات العربية والدولية نحو ذلك، مع التأكيد على حق الشعوب في الاستفادة من الاستخدام السلمي للطاقة النووية وفقًا لما جاء في أحكام معاهدة حظر الانتشار النووي وبموجب الضمانات التي توفرها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وعبرت السلطنة في الوقت ذاته عن أملها في أن يتوصل المؤتمر المزمع عقده في نهاية هذا العام (2012) في هيلسنكي عاصمة فنلندا إلى إعلان منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية، وأسلحة الدمار الشامل الأخرى، على أن يؤخذ في الاعتبار حق الدول المشروع في استخدام التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية وفقًا للمعاهدات ذات العلاقة في هذا الشأن.

كما ذكَّرت السلطنة العالم بوجود خلل في نظام منع الانتشار النووي رغم مضي أكثر من 40 عامًا على التوقيع على معاهدة حظر الانتشار النووي، حيث لا تزال دول وكيانات وفي مقدمتها اسرائيل تصر على عدم الانصياع للإرادة الدولية والتوقيع على المعاهدة، ما يستوجب تضافر الجهود لحث الرافضين على التوقيع دون إبطاء تحقيقًا للمصلحة العامة.

إن صوت السلطنة من المؤكد أنه ضمن الأصوات الساعية إلى تجنيب العالم مخاطر أسلحة الدمار الشامل وانبعاثاتها، فهي أصوات العقل والمنطق التي يجب أن يسمع لها.

وفي المسار نفسه أكد يوسف بن علوي بن عبدالله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية أن السياسة العمانية ليست سياسة انعزالية، ولكنها سياسة تتفاعل بعقلانية مع الحقائق وتتعامل مع البلدان والشعوب وليس مع الاشخاص، موضحا ان للبعد التاريخي تأثيرا واضحا على السياسة العمانية.

كما أضاف بن علوي في حوار مع برنامج "استراتيجيات" بتليفزيون السلطنة "إن استجابة الحكومة العمانية السريعة لمطالب الشباب العماني جاءت نتيجة الاستعداد المسبق لإجراء عملية التطوير والتحديث والتي كان من المفترض ان يبدأ تطبيقها مع نهاية هذا العام، إلا ان الأحداث سرّعت من تنفيذ تلك الإجراءات بما يلبي طموحات الشباب المشروعة والقابلة للتنفيذ".

وقد أكد الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية أن السلطنة مقبلة على حزمة من الإجراءات والمشاريع الضخمة على كافة المستويات الصناعية والعلمية والاجتماعية، وهذا الأمر يحتاج إلى إعادة صياغة الأمور بما يتلاءم و متطلبات المرحلة القادمة، كما أن الدبلوماسية العمانية تسير نحو الترويج للسلطنة لجذب الاستثمارات الخارجية وإقامة المشاريع المشتركة وهو الأمر الذي ينسجم مع وضع المركز العماني لترويج الاستثمار تحت مظلة وزارة الخارجية.

وفي إجابته عن سؤال حول وجود مساع للسلطنة للحصول على الطاقة النووية قال إن السلطنة قررت عدم المضي قدما في هذا الأمر لمخاطره المختلفة، وانها لن تتجه نحو بناء أي مفاعل نووي للحصول على الطاقة نظرًا للمخاطر المترتبة على ذلك بخاصة بعد الذي حدث في اليابان مؤخرًا، مشيرا إلى أن الدراسات التي شاركت فيها السلطنة حول الطاقة النووية تؤكد ان هذا أمرٌ خطيرٌ للغاية، وبخاصة للبلدان التي لا تمتلك القدرات العلمية والتقنية المتطورة.

وحول سؤال عن مدى خشية السلطنة ودول مجلس التعاون الخليجي من إيران نووية قال إن الخشية من السلاح النووي هو أمر طبيعي بسبب احتمال الأخطاء والكوارث الإنسانية والطبيعية التي يمكن أن تتسبب بها، ويجب أن نخشى من خطورة السلاح النووي حتى لدى الولايات المتحدة التي تربطها علاقات صداقة مع السلطنة ودول المجلس، وقال إن استخدام المفاعلات النووية الكبيرة هو خطر على الشعوب قاطبة.

وبشأن أسباب خروج الشباب العربي إلى الشوارع في إطار ما يعرف بالربيع العربي قال الوزير إن ملايين الشباب خرجوا إلى الشارع لسبب حقيقي وليس لأمر مفتعل، حيث انهم وجدوا أن النظم والقوانين في تلك الدول لم تعد تستجيب لمصالحهم.

وأوضح أن هؤلاء الشباب لم يخرجوا إلى الشارع بسبب الشعارات في الأساس بل بسبب الحقائق على الارض، حيث ان الكثير منهم كان يجد صعوبة للحصول على أرزاقهم، وعندما تهيأت الظروف خرجوا إلى الشوارع مطالبين بتحقيق رغباتهم في العيش الكريم والعمل وتغيير النظم بأخرى تستجيب لمصالحهم وتطلعاتهم، مؤكدًا أن هذا أمر طبيعي في حياة الشعوب.

في الشأن السوري قال الوزير العماني إن ما يحدث في سوريا هو أقرب إلى الثأر بين الجماعات التي تقاتل النظام السوري وبين الحكومة القائمة، وهو ثأر قديم وجدت تلك الجماعات الفرصة الآن لتسويته، إلا ان الثمن جاء باهضا لانه يدُفع من دماء السوريين.

وأضاف إن العالم متفق في الحالة السورية على أمرين أولهما وقف العنف نهائيا بكل الطرق ولهذا الأمر إجراءات يتم التباحث بشأنها بصورة جدية ومتسارعة، والأمر الثاني المتفق عليه عالميا هو أن التغيير في سوريا يجب ان يكون تغييرا كليا بما فيه تغيير النظام.

وأعرب يوسف بن علوي عن اعتقاده بأن القوى المعارضة السورية بقيادة الجيش السوري الحر وصلت إلى مستوىً من الثقة والقوة تساوي الجيش النظامي، وهذا مؤشر لدفع الطرفين للدخول إلى اتفاق، وأن الصراع لا بد له ان ينتهي في نهاية المطاف.

في سؤال عن العلاقات العمانية المصرية ومدى تأثرها بالربيع العربي قال إن السلطنة ستبقى على الدوام وفية لأشقائها وهي حريصة دائمًا وفي كل الظروف والأحوال على قوة علاقاتها مع أشقائها العرب، كما أن الرئيس محمد مرسي يدفع بالحفاظ على متانة العلاقات العمانية المصرية بما يحقق المنفعة المشتركة للبلدين والشعبين العماني والمصري، وأضاف بأن مصر دولة عربية كبيرة تتحمل مسؤوليات ضخمة في إطار النظام العربي الشامل، وينبغي دعم مصر حتى تكون خالية من المشكلات الداخلية بكافة مستوياتها كي تلعب دورها الطبيعي في الإطار العربي.

وأضاف الوزير إنه لا ينبغي التخوف من الإسلام السياسي الذي هو في الاصل تنظيمات سياسية أعطت لنفسها هذا العنوان كي تقترب من الناس، إلا انها تنظيمات لم تستطع النظر إلى المستقبل ومعرفة احتياجات الشباب العربي المتسلح بالعلم الحديث وتقنية المعلومات.

وأشار إلى أن هذه التنظيمات السياسية الإسلامية ومن بينها الإخوان المسلمون ستتعامل بشكل مختلف مع الأمور وهي داخل السلطة، وهي مطالبة الآن بالتعاطي الايجابي محليا وإقليميا ودوليا.

د. حسين شحادة

مسقط