لا تستغربوا... فهؤلاء هم حكامنا

بقلم: د. سالم حميد

لفت برنامج زيارة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، للكويت، مختلف وسائل الإعلام الكويتية وغير الكويتية، التي استغربت لبساطة وعفوية البرنامج وتناولته بالتفصيل.

بلا بروتوكولات معقدة أو حراسة مشددة كما جرت العادة عند من يشغلون منصباً مشابهاً، استهل الشيخ محمد جولته كمواطن عادي في أسواق الكويت وسط دهشة وسائل الإعلام والمواطنين الذين هرعوا إليه وتزاحموا حوله لإلتقاط صور تذكارية معه، وأيضاً لنيل شرف تحيته.

لم يطلب من مرافقيه فضّ من حوله كما يفعل شاغلو المناصب الرفيعة، ولكنه كان يحييهم بحرارة المواطن الإماراتي الأصيل، ويخالطهم، ويتحدث إليهم، ويضحك معهم. وزادت دهشة وسائل الإعلام حينما جلس على مقهى للاستمتاع بشرب القهوة شأنه شأن المرتاد العادي الذي لا يضع الحواجز بينه وبين الآخرين. ورغم تزاحم مساحات أجهزة الإعلام بهذا البرنامج، إلا أن مواطني دولة الإمارات تفاعلوا معه كتصرّف عادي، لأنهم اعتادوا على هذا المشهد الذي استغربه الآخرون. وكان سموه يتصرّف بطبيعته العامة التي يتصرّفها مع شعبه، وقد قال لوسائل الإعلام أنه سعد بزيارة الشعب الكويتي الشقيق واستمتع بلقاء الكثير من الأصدقاء، وزيارة المعالم الكويتية الرائعة.

ورغم أن زيارة الشيخ محمد كانت مخصصة لحضور مؤتمر القمّة الأول لحوار التعاون الآسيوي الذي نجحت دولة الكويت بامتياز في تنظيمه، إلا أن جولة نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، تمكنت من خطف الأضواء واستحوذت على الاهتمام، وهي جولة نقلت الكثير من الرسائل المختلفة لعديد من الجهات الصديقة والشقيقة وأيضا المستهدفة للدولة، فثقة الراعي بتحقيقه العدالة تمنحه دائما الثقة في نفسه والآخرين، وهو سر عدم خوف سموه من أي استهداف وهو يخالط الجمهور المتزاحم حوله.

محبة الحاكم للشعب وإحساسه الحقيقي بالإنتماء له هو ما يجعله يمشي واثق الخطى بلا حراسة، لأنه لم يظلم أحدا يخاف من انتقامه، ولم يتجنَّ على أحد يخشى اعتداءه عليه، فهو إذا بالضرورة لا يحتاج حراسة ولا حماية. وجلوس الشيخ محمد على المقهى العام، وشرب القهوة، رسالة هامة تدلل على مدى تواضع الأمير الإماراتي، ومدى احتكاكه بالحياة العامة، وهو ما يمكّنه من تلمّس هموم ومشاكل شعبه بنفسه لا عن طريق السمع والتقارير التي قد تخضع للأغراض والأهواء البشرية.

هذه هي ملامح صادقة من الخصوصية التي يتميّز بها مجتمع الإمارات، والتي ميّزته شعباً وحكاماً عن بقية أقطار العالم المختلفة، فلقد تعوّد الشيخ محمد على الزيارات الدائمة والفجائية للمدارس والمرافق الخدمية العامة والمواقع التي ترتبط بمصالح المجتمع، وهو سرّ من الأسرار التي أبقت دولة الإمارات في موقع الريادة الخدماتية المتميزة في العالم. وما فعله الشيخ محمد ليس بدعة أو تقليعة أراد بها وجه الإعلام، فالأمثلة والنماذج كثيرة لو تتبعناها على مستوى الأسر الحاكمة في الإمارات، فقد غزت مواقع الإنترنت قبل فترة قصيرة صور ومقاطع فيديوللشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، توضّح أنه وأثناء جولته التفقدية للشعب والبلد، وجد طفلة صغيرة تائهة، فجثا بكل تواضع على رصيف الشارع، واحتضن الطفلة بحنان وهو يطمئنها ويزيل خوفها.

وقد كان مؤسس دولة الامارات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيّب الله ثراه، يجلس مع المواطنين على الرمل، وكان يزورهم في مواقعهم باستمرار ويستمع لكامل قضاياهم، ويقوم بحلّها فورا دون إبطاء وتأخير. واستمرت هذه العادة يتوارثها حكام ومسؤولو الإمارات بعد رحيل مؤسس الدولة، حتى أصبحت عادة إماراتية أصيلة، دخلت ضمن تكوينة الملامح الأساسية للدولة. وبزيارة لمجلس من مجالس الحكام أو المسؤولين، تتجلى هذه الخصوصية، فالمجلس دائما يكون مفتوحا على مصراعيه، وفيه يجد المواطن وغير المواطن أريحية الترحيب، والاهتمام بما يقول، وفيه يلمس الأدب الجمّ والتواضع المذهل لأرفع مسؤولي الدولة.

وفي البرامج الرياضية الشعبية والعامة كسباقات الخيول والهجن تتجلى تلك الخصوصية، فالحاكم والمحكوم يتنافسان بشرف ومتعة، والفائز يتلقّى صادق التهاني من المهزوم، والجميع يتساوى بالوجود في مكان واحد، والخضوع لذات قوانين المنافسة، ويتساوون في بذل الجهد، ومقاومة التعب، والتغلب على المعوقات، ولعل أبلغ الصور التي نقلتها لنا وسائل الإعلام في هذا المفصل هو توقّف أحد الشيوخ أثناء السباق لمساعدة أحد المتسابقين، أو الوقوف على مكروه أصاب البعير أو الخيل الذي يسابق به.

زيارات الحكام المتواصلة للمواقع التي تهتم بالمعاقين، ولدور رعاية كبار السن واليتامى، ومنحهم مشاعر صادقة تترجمها الأفعال، وما يقدمونه لها من دعم واهتمام، دليل آخر على الروح الإنسانية العالية التي يتمتع بها حكّام دولة الإمارات العربية المتحدة. أما ما قام به الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في دولة الكويت الشقيقة، والذي تناوله المغردون الكويتيين على صفحات برنامج التواصل الاجتماعي التويتر، وتناقلته وسائل الإعلام، فهو في حقيقته تمثيل مشرّف للمواطن الإماراتي، فكل مواطن إماراتي هو سفير لبلاده أينما حلّ ورحل، وعليه أن يبرز مميزات الشخصية الإماراتية قولاً وفعلاً.

وهي دعوة للمهتمين والباحثين الاجتماعيين لدراسة ملامح ومكونات الشخصية الإماراتية، وتحليل مواقف ومآثر وتصرّفات شيوخنا الحكّام الكرام، كمنفذ للمعرفة الدقيقة بالشخصية الإماراتية ومكونات خصوصيتها.

د. سالم حميد

كاتب من الإمارات