أوروبا تتوحّد ودولها تتفتّت: الانفصاليون ينجحون على إيقاع الأزمة

باريس ـ من بول تيلور وروبرت جان بارتونيك
'خارج أسبانيا محكوم عليها بالعدم'

من مراعي قطالونيا الممتدة في جبال البرانس إلى مرتفعات اسكتلندا التي تكسوها الأعشاب، يحقق أصحاب النزعة الانفصالية مكاسب مع ازدياد شدة الأزمة الاقتصادية الاوروبية.

لكن هذا لا يعني بالضرورة أن عدد الدول المستقلة على الخرائط سيرتفع.

فقد سجل الوطنيون المطالبون بوطن للفلمنك مكاسب كاسحة في الانتخابات المحلية البلجيكية الأحد. ووافقت اسكتلندا يوم الاثنين على الأحكام التي سيجري بمقتضاها استفتاء على الاستقلال عن بريطانيا عام 2014. كما يتوقع الانفصاليون في قطالونيا أن تعزز انتخابات اقليمية الشهر المقبل قضيتهم.

وفي الوقت الذي تتنازل فيه الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي عن المزيد من صلاحياتها فيما يتعلق بالميزانيات والسياسة الاقتصادية لصالح الاتحاد، تتعالى أصوات الشكوى وتشتد حدة الصراعات على مستوى أقاليم هذه الدول على حصة متناقصة من المال العام.

وفي الأقاليم الأكثر ثراء في بعض الدول الأوروبية، يشتكي المواطنون من دفع أموال لأقاليم أفقر.

ويعبرّ الناس في اقليم قطالونيا الأكثر ثراء والذي يتحدث أهله بلغتهم الخاصة عن استيائهم من دفع أموال لأقاليم اسبانية أفقر مثل اقليم الاندلس أين يتحدث الناس باللغة الاسبانية.

كما يشتكي سكان اقليم الفلاندرز البلجيكي أين يتحدث الناس باللغة الهولندية، ايضا من من دفع أموال لإقليم والونيا الذي يتكلم سكانه اللغة الفرنسية.

ورغم أنه لا توجد حركة انفصالية في ألمانيا، فإن إقليم بافاريا المزدهر نقل معركته ضد نظام يجبره على تحويل جانب من ايراداته إلى ولايات اتحادية أفقر، إلى ساحة القضاء.

وتعتقد اسكتلندا أن بوسعها إدارة شؤونها على نحو أفضل من خلال تحقيق استفادة أكبر من احتياطيات النفط والغاز البحرية وذلك رغم الدعم الذي تلقاه من حكومة لندن، وهي التي تعتبر أفقر من انجلترا.

ولا تقل أوجه الخلاف عن أوجه الشبه بين الحركات الانفصالية. كما أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن أيا من هذه الحركات لم يحقق حتى الان من الدعم الشعبي ما يتيح له تحقيق الانفصال.

ويتأرجح التأييد الشعبي لاستقلال اسكتلندا عن بريطانيا بين 30 و40 في المئة. ولم يطرأ تغير يذكر على هذه النسبة مع تزايد حدة المفاوضات.

ووجد أحدث استطلاع أجرته مؤسسة "متروسكوبيا" الاسبانية في سبتبمر/ايلول أن 43 في المئة من سكان قطالونيا يريدون الاستقلال الكامل بينما يعارضه 41 في المئة.

ومن المفارقات أن قطالونيا الإقليم الأكثر ثراء في اسبانيا من حيث دخل الفرد فيه، يعاني من ارتفاع ديونه ويحث مدريد على وضع خطة لإنقاذه منها، في الوقت الذي يطالب فيه بالاستقلال.

وفي مطلع الاسبوع، قال ارتورو ماس رئيس وزراء الإقليم الذي ينتمي لحزب التقارب والاتحاد، المطالب بالاستقلال ويمثل يمين الوسط، "من دون دولة لن تستطيع قطالونيا البقاء".

ويرى ارتورو ماس أن الاقليم الذي يعد مركزا لصناعات التكنولوجيا المتقدمة والزراعة عالية الانتاجية، يمول الحكومة المركزية في مدريد بأكثر مما يستفيد منها. ويؤكد أن الإقليم بإمكانه استخدام الفارق النقدي لتحسين الخدمات الاجتماعية والصحية لسكانه.

وبعد مظاهرة شارك فيها نصف مليون شخص في عيد قطالونيا الوطني في سبتمبر/ايلول، تعهد ماس بأنه إذا فاز في الانتخابات الاقليمية سيعمل على اجراء استفتاء بشأن الاستقلال.

وردت مدريد بالقول إن هذا الاستفتاء سيكون غير قانوني.

ويقول العديد من المسؤولين في قطالونيا وأسبانيا إنهم لا يتوقعون اجراء استفتاء بل عملية تفاوض تفضي إلى منح الاقليم سلطات أكبر في جمع الضرائب وانفاق الايرادات.

وتطبق ترتيبات مماثلة في اقليم الباسك الذي يبدو ان الجماعات ذات النزعة الوطنية ستفوز فيه بالاغلبية في انتخابات اقليمية تجري في اكتوبر/تشرين الأول.

وبعيدا عن قطالونيا، فإن الساسة الذين يتمتعون بصفات كاريزمية من أمثال اليكس سالموند الوزير الاول في اسكتلندا والزعيم الفلمنكي بارت دو فيفر، حولوا حركات انفصالية هامشية إلى قوى سياسية راسخة تتمتع بالاحترام.

وعزف هؤلاء الزعماء على نغمة تزايد الاستياء من الأحزاب التقليدية التي تمثل يمين الوسط ويسار الوسط، والتي تقاسمت مسؤولية تنفيذ اجراءات تقشف في الأزمة الاقتصادية منذ عام 2008.

وقد استغل سالموند نظام تفويض السلطة إلى المجالس المحلية المعمول به في بريطانيا، لتجنيب اسكتلندا بعضا من أكثر تدابير التقشف اثارة للاستياء التي فرضها رئيس الوزراء المحافظ ديفيد كاميرون، مثل زيادة رسوم التعليم الجامعي وبعض رسوم الرعاية الصحية.

أما دو فيفر فقد نادى بخفض الانفاق بدلا من الزيادات الضريبية التي فرضها الائتلاف الاتحادي في بلجيكا بزعامة رئيس الوزراء الاشتراكي ايليو دي روبو.

وكان الزعيم الفلمنكي حذرا في تصريحاته في اليوم التالي لفوزه في انتخابات مدينة انتويرب التي تعد حصنا للاشتراكيين منذ ثلاثينات القرن العشرين، عندما شدد على ضرورة التوافق والتدرج بدلا من الاندفاع إلى الاستقلال.

وسئل دو فيفر عما إذا كان يشعر أن لديه أغلبية تحقق له الاستقلال فقال "هذا الامر ليس مطروحا على جدول الاعمال الان".

وحث رئيس الوزراء دي روبو على بدء التفاوض قبل الانتخابات العامة في 2014 لتعديل الدستور الاتحادي بما يقلل من صلاحيات الدولة الاتحادية.

ويعيش في اقليم الفلاندرز 6.3 مليون نسمة من سكان بلجيكا البالغ عددهم 11 مليون نسمة.

وسئل دو فيفر عن أوجه الشبه مع قطالونيا واسكتلندا، فقال "الناس تعقد هذه المقارنة كثيرا لكننى أرى أوجه الخلاف على نحو خاص.. فنحن لسنا أقلية في بلادنا كما أننا لسنا قطعة واحدة في لعبة يلعبها عدد كبير من اللاعبين.. نحن بلد فريد".

ورغم هذه الفوارق، فإن التعاون بين المطالبين بالانفصال في أوروبا في ازدياد، إذ يشتركون في تكتيكاتهم ويستلهمون الأفكار من بعضهم بعضا.

كذلك، فإن عيونهم مركزة على كيبك الذي فاز فيه حزب انفصالي في الانتخابات الإقليمية في سبتمبر/ايلول لكن دون الأغلبية اللازمة لمواصلة المطالبة بالانفصال.

ويمثل صعود نجم الحركات الانفصالية في أوروبا جزءا من تبدل الأجيال حيث تتراجع الأحزاب السياسية التي تضرب بجذورها في الصراعات الطبقية خلال القرن التاسع عشر، أمام مد قوى أكثر حداثة برزت للوجود خلال حياة الناخبين الحاليين.

ومن هذه القوى حركة الخضر صاحبة الدعوة للحفاظ على البيئة، والمشككون في الوحدة الاوروبية من أقصى اليمين، والجماعات المناهضة للهجرة إلى أوروبا، بالاضافة إلى اصحاب النزعات الانفصالية الذين اكتسبوا خبرات في المجالس النيابية المحلية وأجهزة الحكم المحلي.

وكانت نتائج اللامركزية في العديد من الدول الاوروبية منذ سبعينات وثمانينات القرن العشرين، أبعد ما يكون عن تحصين الدول من احتمالات الانفصال، بل إنها عملت على ترسيخ الانفصاليين في المشهد السياسي.

وقد أدى تزايد دور الاتحاد الاوروبي ومنح سلطات أوسع للمجالس المحلية في العديد من الدول، إلى تقليص سلطات دول في أوروبا بما يخفف من مشكلة الانفصال.

غير أن بعض الحكومات الاوروبية تلعب بورقة الخوف من الانفصال عن أوروبا، في سعيها لإقناع الناخبين بعدم اختيار الاستقلال.

فقد حذر رئيس الوزراء الاسباني المحافظ ماريانو راخوي من أن أي اقليم يختار الاستقلال سيجد نفسه خارج الاتحاد الاوروبي لأن انضمام دول جديدة لعضوية الاتحاد يتطلب موافقة بالإجماع.

وقال راخوي في خطاب الاحد "إذا كنت خارج أسبانيا وخارج الاتحاد الاوروبي فأنت في الفراغ ومحكوم عليك بالعدم".

ويقول مسؤولون أوروبين إن اسكتلندا لن تنضم تلقائيا للاتحاد الاوروبي إذا اختارت الانفصال. فهذا سيتوقف على مفاوضات معقدة حول اقتسام الدين العام ومسائل إدارية أخرى. كما أن لندن سيكون لها أن تستخدم حق النقض (الفيتو).