المتأسلمون... أصحاب فكر لا يؤمن بالوطنية

بقلم: د. سالم حميد

"فكر الإخوان المسلمين لا يؤمن بالدولة الوطنية، ولا يؤمن بسيادة الدول، ولهذا السبب ليس غريباً أن يقوم التنظيم العالمي للإخوان المسلمين بالتواصل، والعمل على اختراق هيبة الدول وسيادتها وقوانينها". كعادته في الوضوح والشفافية فقد أصاب الشيخ عبدالله بن زايد وزير الخارجية، كبدَ الحقيقية ولخّص الفكر الإخواني بسطور قليلة، حيث إن هذه الجماعة أو التيار السياسي يهدف إلى تحقيق مكاسب أينما يوجد، ومطمع الوصول إلى السلطة هو الأساس في تحركه، وكونه تنظيماً عالمياً فإن الوطنية أمر بعيد جداً عن فكره، وقد قالها صريحة أحد أبرز رموزه بأن البلد والوطن لا يهمه بقدر ما يهمه تحقيق طموحاته السياسية أينما تواجد، وهناك رابط قوي بين الجماعة الإخوانية حيث يقدمون الدعم لبعضهم في كل المعمورة بهدف توسيع انتشارهم، وهذا يتنافى مع منطق الدول المستقلة والعلاقات الودية التي تجمع الأوطان، وبين البلدان هناك بروتوكولات واحترام متبادل لذلك فإن منطق التنظيمات التوسعية والجماعة مرفوض تماماً وبديل مرفوض عند الدول ذات السيادة.

عبدالله بن زايد خلال رده على أحد أسئلة الصحفيين عقب لقائه نظيره الأوكراني، لم يوارب بل أوضح كل الأمور التي خلقت تساؤلات في الفترة الأخيرة حول بروز تنظيم نظم جناحاً مسلحاً لاستهداف الإمارات، وعن علاقته بجماعة "الإخوان المسلمين" في الخارج، فـ"لابد أن نتواصل مع دول مختلفة للتعاون وتوضيح وجهات النظر. هناك أخطاء ترتكب من قبل بعض الأفراد أو تنظيمات لاستغلال الدول"، وهذا ليس بجديد فالمطامع موجودة والتحديات قائمة وكل دول العالم تتعرض لمنغصات عدة معظمها مستورد لكن التدخلات الخارجية وكمية الدعم والمساندة الذي تلقّاه هذا التنظيم من الخارج هو المستغرب، وهو الذي يطرح تساؤلات عدة لابد من الإجابة عليها، فجزء من الإعلام العربي ساند بطريقة غير مفهومة هذا التنظيم النشاز، كما أن الإعلام الغربي استقبل أفراداً من المساندين لهذا التنظيم وهم شخصيات مجهولة عربياً وحتى إماراتياً وتمت صناعة نجوم منهم وأفردت لهم مساحات في وسائل إعلام كبرى، ليخرجوا ويشوهوا صورة بلدهم مع أنهم نفر قليل ولا يمثلون إلا أنفسهم وتلك التنظيمات التخريبية، لكن تَراهم يصولون ويجولون وتتبناهم جمعيات ومنظمات وتقدم لهم الدعم، ومنهم سعيد ناصر الطنيجي الذي أتحفتنا قناة "بي بي سي عربية" البريطانية بظهوره النشاز. وأشير هنا إلى أن الطنيجي الذي فتحت له بريطانيا ذراعيها هو من أبرز من جنّد إماراتيين ليذهبوا إلى أفغانستان ويلقوا حتفهم هناك. ويبرز التناقض الصارخ هنا فبريطانيا تحارب في أفغانستان ضد "طالبان" وشاركت في الحرب وخسرت الكثير من جنودها في ذلك البلد، تدعم الطنيجي، وهنا لا نتكلم عن وسيلة إعلام واحدة قدمت دعمها وفتحت له أبوابها، بل نتكلم عن عدد من أهم وسائل الإعلام الإنجليزية التي وعلى عكس ما هو معروف ضمن مهنية الصحافة والإعلام بأن يتاح المجال للرأي والرأي الآخر، فكما يستقبل الإعلام البريطاني تلك الثلة من الإخوانيين والمناصرين لهم، فلماذا لا يفتح المجال لأبناء الإمارات الأوفياء لبلدهم وهم كثر، كي يعبروا للرأي العام عن حقيقة ما يجري وعن رؤية الإماراتيين لما يحدث، وكيف أن معظم أبناء الإمارات ضد هذا التنظيم الغريب عن عادات ومجتمع الإمارات المسلم. وشخصياً أرسلت مقالة إلى الجارديان رداً على مقال الطنيجي المسيء للإمارات ولكن الجريدة امتنعت عن نشره!

في إعلام بريطانيا نجد أن أبوابه مشرعة لهؤلاء ليكتبوا في صدر كبرى صحفه التي اعتاد أن يكتب فيها المخضرمون من الكتاب والصحفيين، وهي طبعاً سياسة غريبة نتوقف عندها ونتساءل: هل هناك من يدفع ويمول هؤلاء من دول عربية غنية؟ أم أنها سياسة استراتيجية غربية حالية؟ أو ربما أضاعت لندن بوصلتها وتوجهت نحو الإسلام السياسي الذي وجدت في انتهازيته وبرغماتيته توافقاً مع سياستها، لكن هل تقبل هذه الدول أن تتواجد على أرضها تنظيمات مثل هذه التي ظهرت في بلادنا؟ وكيف تتعامل معها؟ نعرف أنه في دول أوروبية توجد تنظيمات انفصالية تضم أعداداً كبيرةً من السكان وهي محظورة تماماً، وموقفنا في الإمارات يتناسب مع احترام الدول والعلاقات الودية القائمة على أننا دولة تتعامل مع دول ولا تخصنا أمورهم الداخلية، وهذا ما أشار إليه الشيخ عبد الله بن زايد: "إن الإمارات، أو أي بلد في العالم لا يقبل أن تكون هناك أنظمة تحاول أن ترى في نفسها أنها أنظمة مهيمنة، وأنها فوق أنظمة الدول، فقط لأن لديها ميثاقاً أو رؤية تعتقد أنهما الوحيدان الصالحان لكل دول العالم".

وفي عودة إلى تحليل تصريح وزير خارجية الإمارات الذي قال: "لا أحد ضد أي عمل يقوم به أفراد يحترمون سيادة وقوانين الدول، ولكن هناك إشكالية عند الدول في حالة وجود تنظيم يعتقد أن هناك هيبة ومكانة وقدرة لدى جهات معينة يمكنها أن تخترق السيادة، وهذه الجهات تعترف أنها كيانات شمولية تريد أن تعتدي وتخترق أنظمة وقوانين وسيادة تلك الدول". نعم نحن باختصار دولة قانون مدنية تحفظ حقوق الجميع ويتماهى مواطنوها في خدمة بلدهم الذي يقدم له بدوره الكثير، وهذا ما نبنيه في الإمارات، ووجود تنظيمات تعتقد أنها فوق القانون ووجدت في ربيع العرب فرصة لحشد طاقاتها في الإمارات علّها تحصل على حصة من الكعكة الكبيرة التي تقاسمها "الإخوان" في أكثر من بلد عربي، ونرد عليهم لنقول إن بلداً مثل الإمارات له سيادته وقوانينه، بلد سبق جميع الدول العربية في ربيع دائم وليس ربيعاً مؤقتاً يليه صيف حار ومتعب، ثم خريف تتساقط فيه الأوراق لتظهر عورات الديمقراطية الكاذبة. فنحن أسسنا لدولة قوية متماسكة تخدم مواطنيها في المقام الأول، دولة متطورة حديثة تحافظ على تراثها وحضارتها ومن الصعب أن تخترق، "نحن كدول نحترم بعضنا بعضاً، ونحاول أن نقدم أفضل السبل والخدمات لمواطنينا، ونستطيع أن نتحاور مع مواطنينا بشكل منفتح وشفاف، ولكن لا نقبل أن تكون هناك أطراف أخرى تستغل انفتاح دولنا".

د. سالم حميد

كاتب من الإمارات