'بدونة' المجتمع الكويتي (1-3)

بقلم: محمد صالح السبتي

أولاً وقبل الدخول في صلب المقال فان لفظ "البدونة" لا دخل له لا من قريب ولا من بعيد بمكانة القبائل وابنائها ولا طعناً فيها أبداً. نحن نتكلم عن سلوك اجتماعي لعل الكثير من أبناء القبائل يعيشونه واقعاً. لكن هذا لا يمنع أن يعيشه ايضاً بعض أبناء الحضر بل وحتى بعض الفئات كمتطرفي السنة أو الشيعة، إما لتأثرهم بسلوك "البدونة" أو بحكم الرجوع الى أصولهم القبلية بعد أن رأوا تفشي هذا السلوك. نقول هذا الكلام حتى لا تختلط الأمور على القارئ المنصف. اما سواه فلسنا نتحدث اليه.

"البدونة" هو هذا السلوك الاجتماعي القائم على ثقافة أبناء البادية الرحًل قديماً، والذي لم يستطع الكثير من أبناء القبائل اليوم الانفكاك عنه، بل تمكنوا من ترسيخه في مجتمعنا. من خصائص هذا السلوك هي القبليّة. نقول القبليّة لا القبيلة، ومنها هاجس الاصل والفصل، و"الأنا" المتضخمة والتفاخر بالانساب والانحياز للقبيلة أياً كان موقفها.

ومن خصائصه ايضاً ثقافة استنزاف الموارد. فالبدو الرحل تقوم ثقافتهم على أن كل ما طالته يدك "حلال عليك". ينتقل "البدوي" من مرعى الى مرعى بحثاً عن الكلأ – يغزو من أجل أن يعتاش هو و"عيال عمه".

لو أردنا أن نأخذ المعارضة الكويتية اليوم كمثال لباقي المجتمع، سيكون من الواضح أن حامل لواء المعارضة اليوم في الكويت هم أبناء القبائل سواء أكانوا أعضاء مجلس أمة أو سياسيين أو كتّاب ومهتمين، وقطعاً لا عيب ولا مشكلة في أن يكون أمثال هؤلاء من المعارضة لأنهم وبلا أي خلاف من صلب المجتمع دون أي مزايدة... لكن من الواضح أيضاً أنهم لم ينفكوا عن سلوك "البدوي" القديم! كيف؟

بنظرة متجردة في الخلاف الذي وقع ما بين النائب القلاف وقبيلة العوازم يتضح بجلاء ما نقصده من سلوك "البدونة" ومع إختلافنا كلياً مع القلاف فكراً ومنهجاً وحتى أخلاقاً وطريقة كلام، فانه لم يبدر منه في هذه الحلقة التي أثارت المشكلة ما يستأهل ردود الفعل التي بدرت من العوازم. قد يكون السيد القلاف لمز بشيخ العوازم الفاضل فلاح بن جامع. لكن ردود الفعل كانت فوضوية الى حد الجنون... علماً بأن ما قاله القلاف يقوله كثير من أسياد المعارضة يومياً على الشيوخ والوزراء ومخالفيهم.

هل الاستهزاء بالناس حلال على البعض حرام على آخرين؟

بتاريخ 19/3/2012 عقد العوازم لقاءً رداً على تصريحات القلاف. اسمعوا ما يقولون...

- النائب السابق والمحامي أحمد الشحومي يقول: اسمع يا حسينو... اقسم بالله إذا أمرنا ابن جامع راح نخليك تنخش ولا راح تعرف وين بيتك.

هل يعقل أن يصدر هذا الكلام من محامي ونائب!

جريدة الوطن (2/3/2012)

- زيد عايش رئيس المجلس البلدي "إذا عاودت القناة (يعني قناة سكوب) مثل هذه الامور فان العوازم لن يحترموا القانون... وسنستخدم أيدينا".

جريدة الوطن (21/3/2012)

- مسلك البراك في ذات اللقاء يقول "أقسم بالله سنزلزل الأرض من تحت أقدام هذه الحكومة إذا ظلت ساكته."

باختصار... فحوى الكلام: تسب الشيوخ... عادي! تستهزأ بالناس وزراء وغيرهم... عادي!

تستخدم عبارات هدفها "الطنازة" على من تشاء دون مراعاة لسن أو شيخة أو اعتبارات أخرى... عادي! لكن تقترب من القبائل أو رموزها حتى لو بأقل مما يستخدمونه هم... لا... نزلزل الأرض من تحتكم! أنها الأنا المتضخمة ومحاولة لترويض المجتمع على هواهم.

- أطلقتهم على النائب علي الراشد مسمى "الخبل" والشيخ أحمد الفهد عندكم "راعي النحشه" واستهزأتم بناصر المحمد بما تخجل منه الألسن، وجابر المبارك عندكم ما يصلح يكون "رئيس قسم" وعبارات أخرى لها أول وليس لها آخر في قاموسكم السياسي. كل هذا حلال... وما قاله القلاف على ابن جامع كبيرة! نحن نعي أن كل من تسبونهم وتستهزئون بهم أخفقوا ايما اخفاق في إدارة شئون البلاد. لكن الاخفاق ما كان يوماً مبرراً للسب والشتيمة... لكنها "البدونة" هي التي أباحت لكم هذا الاستهزاء وفي الوقت نفسه أباحت لكم ردة الفعل الفوضوية تلك.

- النائب عبيد الوسمي يعلن في وقت سابق عن تقديم استجواب لسمو رئيس الوزراء. وبعيداً عن دستورية هذا الاستجواب وملائمته وأهدافه، اسمعوا ماذا يقول النائب في تجمع بمنطقة صباح الناصر بتاريخ 19/2/2012 معلناً تقديمه للاستجواب:

- " هناك رسائل توجه لي من الحكومة لكنها ليست لي لكن لاني أمثل الموجودين في هذا المكان (صباح الناصر)"

- "اقول لبعض أبناء السلطة التي إجتمعت مع بعض الاقطاب وقالوا: احنا قادرين أننا نحيده... أقول لا أنت ولا أقطابك تقدرون تحيدون طفل واحد من هالمنطقة (صباح الناصر)"

- "أقول لرئيس الوزراء انت وحكومتك بنفخه واحده أطيركم انت وحكومتك والكل يعلم بذلك"

- " أوجه كلامي لرئيس الوزراء مع احترامي لشخصك الكريم لكنك غير صالح لادارة الحكومة ومع قناعتي بأن تشكلية الوزارة مالتك ما تصلح حتى تشكيل فريق كرة يد".

• وأثناء الحملات الانتخابية وبعد ندوة النائب الجويهل اقام النائب الوسمي ندوة مقابلة ذكر فيها فيما ذكر..

- "أقول لوزير الداخلية أمامك أربع خمس ساعات ان لم تطبق القانون ساطبقه بايدي"

- "قولو لنا اذا هي حرب خلينا نفرع".

• المرشح السابق نواف ساري في ندوه له اثناء الانتخابات يقول:

- " يا الأسرة الحاكمة بكبيركم وصغيركم... احترمونا نحترمكم وإلا سندوسكم بالاقدام" ثم عاد وحذف مقاطع الندوة من مواقع النت.

• باختصار... الأنا المتضخمة من أهم خصائص وأسلوب "البدونة" التي يحاول أمثال هؤلاء فرضها على المجتمع.

- النائب فيصل الدويسان اصابته حمى هذا الاسلوب فراح في ساحة الارادة يهدد وزير الداخلية ان لم يفعل ما يطلبه خلال 24 ساعة وإلا فانه سيقيم القيامة... وللاسف فان الحكومة تخضع لمثل هذه الاساليب.

ما ذكرناه آنفاً مثال بسيط على سلوك "البدونة" الذي يريد هؤلاء فرضه على المجتمع... ولنا عودة لبيان نماذج لهذا السلوك.

محمد صالح السبتي