المرزوقي لا يتورع عن فضح تجاوزات النهضة في ممارسة التعذيب

'حرب القيادات' تكشف الانتهاكات

تونس - أعلنت رئاسة الجمهورية التونسية "التزامها بمحاربة آفة التعذيب" التي تفاقمت خلال الأشهر الأخيرة ودعت كل الأطراف إلى التعاون معها و"القيام بواجبها" في هذا الشأن مشددة على أن "كل من تورطوا في جريمة تعذيب سيحالون على العدالة دون تأخير"، وذلك في خطوة غير مسبوقة حملت حكومة النهضة مسؤوليتها إزاء تواصل التعذيب.

وقال بلاغ شديد اللهجة صادر عن دائرة الإعلام والتواصل بالرئاسة مساء الأربعاء، إن الدولة "ملتزمة مبدئيا بمحاربة" آفة" التعذيب وذلك في اعتراف واضح وصريح بـ"عودة التعذيب بقوة" في ظل حكومة الائتلاف الثلاثي الذي تقوده حركة النهضة الإسلامية.

وجاء بلاغ الرئاسة التونسية بعد أن تعالت أصوات السياسيين ونشطاء حقوق الإنسان احتجاجا على تواصل التعذيب في السجون التونسية من بينها قضية اغتصاب فتاة من قبل 3 أعوان أمن وقضية وفاة ناشط وسياسي يدعى عبد الرؤوف الخماسي وقضايا أخرى.

وقالت رئاسة الجمهورية إنها أعلمت المنظمات والمواطنين والإعلاميين بأنها "تتقبل كل شكوى ضد التعذيب وتتولى متابعتها مع السلطات المعنية حتى تزول ثقافة الإفلات من العقاب".

وشدد البلاغ على أنه في حالة حصول أية تجاوزات "فإن مرتكبي جريمة التعذيب يجب أن يحالوا على العدالة دون تأخير".

وأضافت أن رئيس الجمهورية منصف المرزوقي كلف مستشاره خالد مبارك بمتابعة ملف التعذيب مع كل المعنيين به من داخل تونس وخارجها.

ودعت الرئاسة كل المتدخلين في هذا الشأن إلى "القيام بواجبهم" في التعاون معها لصيانة تونس من "آفة التعذيب" ولحمايتها، كذلك، من "الدعاية السياسية التي تلطخ صورة الثورة، بركوبها عذابات الضحايا مطية لغايات سياسية".

ويقول نشطاء حقوق الإنسان إن لديهم معلومات موثوقة ومدعومة بشهادات طبية تؤكد تعرض عدد من المواطنين للتعذيب.

وفي 26 سبتمبر/أيلول الحالي نددت ست جمعيات حقوقية ونسائية تونسية بتوجيه القضاء التونسي تهمة "التجاهر عمدا بفعل فاحش" إلى فتاة تونسية اغتصبها شرطيان في 3 أيلول/سبتمبر الجاري وسط العاصمة تونس.

وقالت الجمعيات، وبينها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والجمعية التونسية لمناهضة التعذيب في بيان مشترك، إن قاضي التحقيق استدعى الفتاة "لإجراء مكافحة بينها وبين العونين 'الشرطيين' من ناحية، ولسماعها كمتهمة بجريمة التجاهر عمدا بفحش، من ناحية أخري".

وفي 4 أيلول/سبتمبر اعتقلت السلطات 3 شرطيين، اثنين اتهما باغتصاب الفتاة داخل سيارتها في ساعة متأخرة من ليل 3 أيلول/سبتمبر، والثالث بـ"الابتزاز" المالي لشاب كان برفقتها.

وقالت وزارة الداخلية إن الشاب "صديق" الفتاة، فيما ذكرت جمعيات حقوقية ونسائية انه "خطيبها".

واعتبرت أن توجيه تهمة التجاهر بعمل فاضح إلى الفتاة "يجعل من الضحية متهمة" بهدف "تحميلها مسؤولية الجريمة التي مورست ضدها وترويعها واجبراها هي وخطيبها عن التنازل عن حقيهما في التقاضي وثني غيرهما من ضحايا هذه الممارسات عن التشكي".

ويقول حقوقيون إن توجيه التهمة إلى الفتاة من قبل القاضي هو من قبيل الضغط على الفتاة لسحب شكايتها وذلك لان اعتماد القاضي على محضر الشرطة، والذي يعتمد على شهادة الشرطيين المشتكى بهما في واقعة الاغتصاب تعتبر باطلا لان شهادتهما مقدوح فيها.

وطالبت الجمعيات بـ"إيقاف كل الضغوط المسلطة على الضحيتين والابتعاد عن كل أساليب التشفي والترهيب".

ودعت "جميع ناشطات وناشطي المجتمع المدني الذين يؤمنون بالحقوق الإنسانية للنساء وبمناهضة العنف ضدهن للتجند للوقوف والتضامن مع هذه المواطنة حتى ينصفها قضاء تونسي نريده مستقلا".

وكان الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية خالد طروش أعلن في مؤتمر صحفي أن الشرطة ضبطت الفتاة مع صديقها في سيارة وهما في "وضع غير أخلاقي".

وقالت الجمعيات "نعتبر تصريحات الناطق الرسمي باسم الداخلية تبريرا للعنف لا يمكن قبوله، وأن ما تتعرض له الضحية حاليا هو عنف مضاعف يضرب ابسط الحقوق الإنسانية".

ولاحظت "في هذه الظروف التي تمر بها البلاد، نتساءل عن جدية الحكومة في تنفيذ الخطة الوطنية للوقاية من العنف المسلط على النساء ومدى استيعاب هذه الخطة من طرف جميع المتدخلين من مؤسسات حكومية ومجتمع مدني".

ويقول مراقبون إن إقدام وزارة الداخلية التونسية على إيقاف الأعوان الثلاثة لن يعفيها من المسؤولية الأخلاقية للجريمة على اعتبار أنها فشلت فشلا ذريعا في تحقيق الإصلاحات في هذا الجهاز الأمني.

وتأتي هذه الخطوة لتدعم الاتهامات الموجهة لحكومة النهضة بالفشل في إصلاح المنظومة الأمنية التي لم تستفد من الثورة التونسية ولم يغير من حاله وممارساته التي عرفت عنه في عهد الرئيس السابق بن علي.

وفي 10 سبتمبر/أيلول الحالي نددت رئيسة الجمعية التونسية لمناهضة التعذيب المحامية راضية النصراوي بوفاة مواطن تونسي فارق الحياة بمستشفى في تونس العاصمة إثر تعرضه إلى التعذيب في أحد مخافر الشرطة.

وقالت النصراوي "إن عبد الرؤوف الخماسي (40 عاما) فارق الحياة في مستشفى شارل نيكول في تونس العاصمة إثر تعرضه إلى التعذيب في مقر فرقة الشرطة العدلية بمنطقة "سيدي حسين" (وسط العاصمة) التي اعتقلته للتحقيق معه في قضية سرقة".

وأعلنت وزارة الداخلية أن الخماسي "تم إيقافه يوم 28 آب/أغسطس 2012 بمقر فرقة الشرطة العدلية بمنطقة سيدي حسين على خلفية تتبع عدلي في قضية جنائية" لم توضح طبيعتها.

وأضافت الوزارة "إن الخماسي أصيب بـحالة إغماء شديدة فتم نقله إلى قسم الاستعجالي بمستشفى شارل نيكول، حيث تبين أنه تعرض لارتجاج في المخ مما استلزم إبقاءه تحت المراقبة الطبية بقسم الإنعاش بالمستشفى ذاته إلى أن فارق الحياة ".

وقالت راضية النصراوي "هذه المأساة تقيم الدليل على أن ممارسة التعذيب في تونس مستمرة حتى بعد سقوط نظام الرئيس السابق بن علي".

واتهمت النصراوي وهي ناشطة حقوقية معروفة، الحكومة التي تقودها حركة النهضة الإسلامية بمواصلة اعتماد أساليب التعذيب التي كانت "ممارسة منهجية" في عهد بن علي.

وكان الرئيس التونسي منصف المرزوقي وهو الرئيس الشرفي للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان شدد على أن "وجود نظام ديمقراطي في تونس لا يعني اختفاء التجاوزات والتعذيب والفساد"، مشيرا إلى أن النظم الديمقراطية تضع "آليات لمنع ومكافحة" هذه الظواهر.

وبعد الإطاحة ببن علي في 14 كانون الثاني/يناير 2011 تم تسجيل عدة عمليات تعذيب في سجون ومراكز شرطة بحسب منظمات للدفاع عن حقوق الإنسان.

ويردد على نطاق واسع في الشارع التونسي، أن الحكومة التي تقودها حركة النهضة، فشلت إلى حد الساعة في إصلاح الجهاز الأمني مثلما وعدت بذلك.

ويعيب المواطنون في تونس على الجهاز الأمني تراخيه بشكل غريب عن أداء مهامه الرئيسية ويقولون إن "انسحابه" الظاهر من الشوارع، سمح للسلفيين بانتهاك الحريات الفردية والعامة وللمنحرفين باستباحة مصالح المواطنين.

ويقول مراقبون إن الحكومة أقدمت على بعض القرارات التجميلية بعزل بعض "كبار" الضباط داخل وزارة الداخلية وأبقت على الأوضاع كما هي تقريبا منذ ما قبل 14 يناير/كانون الثاني وذلك بحجة أن الإصلاحات العميقة لجهاز الأمن تشكل خطرا على السلم الاجتماعي.

وتتهم المعارضة التونسية وزير الداخلية علي العريض القيادي في حركة النهضة بـ "الضعف الشديد في أداء مهامه وبخضوعه لإرادات قيادات أمنية كانت تحسب على نظام بن علي" وهو ما يفسر السلبية الواضحة في التعاطي مع مظاهر عديدة تخل بالأمن العام مثل تنامي عنف الجماعات السلفية الجهادية.