سايكس

بقلم: جواد العطار

تسليم النجيفي مهمة مفوضية الانتخابات للاعضاء الثمانية الجدد وانهاء عمل المفوضية السابقة كان اعلانا شكليا بتبعية هذه المؤسسة الى مجلس النواب واستقلاليتها عن تأثيرات الاحزاب. والحقيقة خلاف ذلك تماما؛ لان هذا اللقاء لم ينه قضية استقلالية المفوضية او يبعث الاطمئنان الى سلامة العملية الانتخابية القادمة.

والسبب يعود الى ان بعض الاحزاب الممثلة في البرلمان احكمت قبضتها على المفوضية؛ من خلال توحيد قرار نوابها اولا؛ وتوجيههم برفض التعديل على قانون المفوضية ثانيا؛ وفي تصويتهم على المفوضين الجدد ثالثا؛ دون ان يعلموا سيرهم الذاتية اصلا.

وان كانت هذه الاحزاب لم تخالف قانون مفوضية الانتخابات لسنة 2007 الذي يشترط وجود اثنين من القانونيين في الهيئة بالحد الادنى، على ان يكون الآخرين خبراء في الامور الانتخابية، فانها خالفت:

1. الاستقلال السياسي للمفوضين بحيث حولت المفوضية الى مؤسسة حزبية، وعرضت سلامة ونزاهة العملية الانتخابية المقبلة للخطر؛ وفقا للمعايير الدولية.

2. خطابها الاعلامي المعلن في رفض المحاصصة وعدم تقاسم المناصب باعتبارها غنيمة، والظاهر ان هذا الكلام في موضوع المفوضية اصبح هواء في شبك.. وليس اكثر من استهلاك اعلامي.

3. تمثيل المرأة الذي ما زال موضع خلاف بين مكون المسيحيين وممثلة التركمان.

ان انتاج مفوضية جديدة ليست ذات صبغة محاصصاتية فحسب مثلما كانت المؤسسة السابقة؛ بل ومناطقية ايضا.. حقق لبعض الاحزاب مطلبها في تقاسم مناطق النفوذ باختيار كل واحد منها منطقة خاصة بها وكأنها تعقد اتفاقا مصغرا شبيه باتفاق اربيل، وبصورة تحسم نتائج تلك المناطق لصالحها دون اعتراض من احد، فلا رقابة في المفوضية بين الاطراف المختلفة المكونة لها مثلما يعتقد البعض، بل هناك صفقات ومكاسب متبادلة تشابه طريقة تمرير المفوضين اليوم والنتائج مستقبلا..

السؤال؛ لماذا الخلاف اذن بين القوى السياسية وداخل مكوناتها اذا كان رفض زيادة عدد المفوضين وتمرير المفوضين الجدد قد تم بصفقة بين نفس القوى وفي داخل قبة البرلمان؟

ان الاختلاف على مناصب المفوضية طال كل القوى والتشكيلات بشكل معلن او غير معلن؛ فالائتلاف الوطني تجاوز ذلك بتقاسم المجلس الاعلى وكتلة الاحرار المقعدين المخصصين له. وعقدت هيئة الائتلاف يوم الاحد الماضي اجتماعا بعد التصويت؟ لتبلغ القوى الاخرى المشكلة له بالاختيار بعد اتمامه واقراره برلمانيا! وهناك حديث عن خلاف ايضا داخل ائتلاف دولة القانون، واستئثار مكون صغير داخل العراقية - تيار المستقبل بمقعديها وسط اعتراض المكونات الاخرى؛ ولم ينجو من هذه الخلافات حتى التحالف الكردستاني الذي اعترضت كتلة التغيير على تقاسم المقعدين بين حزبيه الرئيسيين..

ان اسباب الخلاف معروفة للمختلفين؛ فمن يحصل على مقعد بالمفوضية يمسك برقبة الانتخابات القادمة.. لان وجود مفوض مأمون ومضمون الولاء في داخل غرفة عمليات المركز الوطني للمفوضية يعني بما لا يقبل الشك.. ان لك عينا على كل المراحل والعمليات الانتخابية بدءا من تسجيل الناخبين مرورا بتوزيع المراكز وعملية الاقتراع وصولا للعد والفرز واعلان النتائج، وبالتالي يمكن لحزبه معرفة المستجدات قبل غيره والتأثير فيها لصالحه او تحقيق الاختراق والتحكم بالعد والفرز من خلال تعيين موظفين او ادخال مؤيدين الى نفس المراكز.. فهل الامر لا يستحق الخلاف والتنازع حتى بين الحلفاء! وهو قد يحسم النتائج.

ان خطوة من هذا القبيل جعلت البناء المؤسسي والدستوري للدولة على المحك؛ ما يستدعي تحركا عاجلا من قبل الاحزاب غير الممثلة في البرلمان ومنظمات المجتمع المدني لتوحيد جهودها والضغط من اجل ايجاد آلية جديدة للرقابة على مفوضية الانتخابات نفسها؛ قبل الانتخابات.. فتلك الاحزاب استحلت؛ واستحلَتْ؛ السلطة باسم الديمقراطية وقررت البقاء فيها للمرحلة القادمة.. وان من يريد ان ينظر للتحالفات الانتخابية المقبلة فلينظر بتأني الى تقاسم مقاعد المفوضية لانها تحدد شكل النتائج مستقبلا.. وبشكل لن يغير من الخارطة السياسية الحالية الا بالقدر الذي تسمح به تلك الاحزاب.

جواد العطار