المليشيات تسيّر وزارة الداخلية: من ينقذ ليبيا من منقذيها؟

طرابلس ـ من ريبيكا موراي
خمسة أنواع من الجماعات المسلحة

تماهت الغيوم القاتمة والمروحية العسكرية التي كانت تحلق في السماء، معالحالة المزاجية لمجموعة صغيرة تجمعت نهاية الأسبوع الماضي، في "ساحة الشهيد" بطرابلس للاحتفال بالأبطال، من شهداء ليبيا.

وجاء هذا التجمع الهادئ متناقضا بشكلتام، مع مسيرة 17 فبراير/شباط في نفس المكان، والتي امتلأت حماسا بمناسبة ذكرى مرور عام على الثورة ضد نظام القذافي، عندما احتشد الآلاف من الليبيين على الأرصفة وسط المدينة وأعربوا عن تفاؤلهم بمستقبل يحمل الازدهار والديمقراطية والسلام.

لكن هذا التفاؤل استبدل هذه الأيام بالقلق الشديد. فقد جاء مقتل سفير الولايات المتحدة في بنغازي "كريستوفر ستيفنز"، ليسلط الضوء على المخاطر الناجمة عن انتشار الجماعات المسلحة التي تشكلت مع اندلاع الثورة للإسهام في جهود إسقاط النظام الليبي السابق.

وتتشكل غالبية هذه المليشيات من عناصر غير مدربة جيدا تشكل جزءا من القوات الإضافية التابعة لوزارة الداخلية والمجلس الأعلى للأمن، وتتصرف دون رادع في جميع أنحاء ليبيا، وتغذي التصور العام بأن الحكومة في طرابلس أضعف من أن تكبحها.

وأخرت الحكومة الموعد النهائي لقيام المواطنين بتسليم أسلحتهم طوعا إلى نهاية شهر سبتمبر/ايلول بسبب المخاوف الأمنية.

ويقول مسؤول عسكري "هناك الكثير من الليبيين الذين جاؤوا لتسليم أسلحتهم.. وقد طلبنا منهم إعادتها يوم 29 سبتمبر/ايلول، إذ سيتم بعد هذا التاريخ منع المواطنين من حمل الأسلحة".

ويعمل المجلس الأعلى للأمن، مثل درع كتائب ليبيا التابع لوزارة الدفاع، تحت السيطرة الفضفاضة لوزارة الداخلية.

واقترح رئيس الوزراء مصطفى أبو شاقور إعطاء النقود مقابل الأسلحة.

وعبر محامي حقوق الإنسان صلاح ميرغني، الذي أثنت عليه "هيومن رايتس ووتش" لعمله في مساندة المعتقلين في ظل نظام القذافي، عن غضبه الشديد من فكرة إعادة شراء الأسلحة.

ويقول "لن تنجح هذه السياسة في إزالة الكثير من الأسلحة من الشوارع، بل إنها ستؤدي لقيام تجارة مربحة للأسلحة". ويضيف، "نحن بحاجة للتخلص من الأسلحة الثقيلة.. لا الأسلحة الخفيفة فقط".

ويقسم الميرغني الجماعات الليبية المسلحة التي تعمل في ظل الغياب الأمني للحكومة إلى خمس فئات.

ويقول إن ثلاثة منها "يسهل التعامل معها".

ويشير النشط الحقوقي إلى ان هذه الجماعات تتشكل من "الثوريين السابقين الذين يؤمنوا بأن واجبهم الوحيد هو حماية المواطنين وأولئك سوف يسلمون السلاح طواعية"، ومن المقاتلين "الذين يحرسون المصالح الوطنية بدافع خدمة الواجب العام وتحقيق بعض الربح"، وايضا من المقاتلين "الذين يستفيدون حصريا من منافع اقتصادية صغيرة".

ويؤكد الميرغني أن الفئتين الباقيتين هما من أخطر الجماعات المسلحة. وتتشكل إحداهما من مجرمين سابقين والذين لا يتورعون عن ارتكاب "جرائم عنيفة بما في ذلك السطو المسلح وتجارة المخدرات.. أما الفئة الثانية فهي تتكون من المقاتلين "الوهميين" مثل الموالين للقذافي أو المتطرفين.

وفي ضوء هجوم بنغازي، يقول الميرغني إن الليبيين لديهم شعور جماعي "بالخجل.. وهم خائفون الآن، فهم لا يريدون لبلدهم أن يتحول إلى صومال أخر يديره أمراء الحرب".

ويلقي تقرير أعدته "مجموعة الأزمات الدولية" لواقع الجماعات المسلحة في ليبيا، الضوء على التحدي الجديد المعقد الذي تواجهه الحكومة إزاء هذه الجماعات.

ويقول إن سياسة نظام القذافي التي كانت تعمل تحت شعار "فرق.. تسد"، سيطرت على المجتمعات المحلية عبر الأجهزة الأمنية الصارمة والتوزيع الانتقائي لموارد ليبيا الغنية.

ويضيف التقرير "بمجرد إزالة الغطاء، كان هناك ما يدعو للخوف من الحرية للجميع، فالأعداد التي لا تحصى من الجماعات المسلحة التي انتشرت خلال الثورة سعت بشكل رئيسي إلى تحقيق المنفعة المادية، أو التأثير السياسي، أو الانتقام.. ثم تفاقم الوضع نتيجة للفراغ الأمني في فترة ما بعد سقوط النظام".

ويقول بيل لورنس، محلل منطقة شمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، إن قادة السلفيين الذين قابلهم يلقون باللوم بشأن هجوم بنغازي على عناصر مارقة.

ويشرح لورنس "السلفيون الذين يشككون بصفة عامة في عملية التغيير السياسي في ليبيا، لكنهم ينأون بأنفسهم عن عمل العنف هذا، ويدينون الاغتيال والفيلم (عن الإسلام) على حد السواء".

ويبدي بعض الليبيين مخاوفهم من أن الطائرات الأميركية بدون طيار، والاستخبارات العسكرية في الأراضي الليبية التي جاءت مع اغتيال السفير، قد تبقى موجودة في ليبيا.

ويقول سامي خاسكوشا هو أستاذ في العلاقات الدولية بجامعة طرابلس إن المزاج قد تغير وتم تقليص أنشطة الجامعة في علاقتها بالمجتمع المدني عندما ورثت الحكومة الانتقالية، التقليدية والمحافظة، السلطة من الوزارات.

ويوضح "في ذلك الوقت سيطر البلطجية على المكاتب وأعلنوا أنفسهم ككتائب في الجيش.. بل وقدموا قوائم بأسمائهم إلى وزارتي الدفاع والداخلية، وطلبوا المال والسيارات، وابتزوا الأعمال التجارية".

ويضيف "إن المليشيات هي التي تدير الآن وزارة الداخلية وليس العكس.. لقد أعطت الوزارة الشرعية للجماعات المسلحة للقيام بالاعتقال والاستجواب، وتأمين البنوك والمكاتب الحكومية والسفارات في غياب سلطة الدولة".

وهكذا ساهم ارتفاع معدلات الجريمة دون عقاب، والاشتباكات القبلية والهجمات المتعصبة ضد المواقع الدينية والاعتداءات على المنظمات غير الحكومية، في خلق جو من عدم الاستقرار والخوف.

ويقول الناشط في حقوق الإنسان صلاح الميرغني "في إحدى المرات، سألت كتيبة عسكرية إذا كان أفرادها يعذبون السجناء.. فقال أحدهم: لا، نحن لا نفعل ذلك، نحن نضربهم بالفلقة فقط (على أقدامهم). وما لفت نظري أنه لا يفهم أن ذلك خطأ ويقع في إطار التعذيب".

ويؤكد سامي خاسكوشا "أن الأمر سيستغرق من عشرة إلى 15 عاما كي يفهم الناس دور الديمقراطية والمجتمع المدني". ويضيف "نحن بحاجة إلى ممارسة النضال السلمي للأفكار، وثقافة التسامح وقبول الآخر، لأننا الآن عندما نختلف، نسارع إلى استخدام أسلحتنا".(آي بي إس)