الزواج في مصر 'كابوس' يؤرّق

كثرة المصاريف تجعل الشباب المصري يخير الزواج العرفي

القاهرة - تشير الإحصاءات الرسمية إلى وجود 13 مليون شاب وفتاة تجاوزت اعمارهم 35 عاماً ولم يتزوجوا، منهم 2.5 مليون شاب و10.5 مليون فتاة فوق سن الـ35، ويمثل معدل العنوسة 17 بالمئة بالنسبة للفتيات اللاتي في عمر الزواج.

وهذه النسبة في تزايد مستمر وتختلف من محافظة إلى أخرى، فالمحافظات الحدودية تبلغ النسبة فيها 30 بالمئة لأن هذه المحافظات تحكمها عادات وتقاليد، أما مجتمع الحضر فالنسبة فيه 38 بالمئة والوجه البحري 27.8 بالمئة، وتنخفض نسبة العنوسة في الوجه القبلي حيث تصل إلى 25 بالمئة، ولكن المعدل يتزايد ويرتفع أكثر في المناطق الحضرية.

ويعود انتشار العنوسة في مصر الى ارتفاع معدلات البطالة وغلاء المهور وارتفاع تكاليف الزواج المرتبطة بالعادات والتقاليد المتبعة وكذلك إلى ارتفاع معدل التعليم بالنسبة للإناث وأيضا تباين الكثافة السكانية من حيث الجنس حيث أن عدد الإناث أكثر من عدد الرجال وإلى مشكلة السكن على وجه الخصوص.

وتذكر د. ضحى عبد الغفار- أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس- في دراسة لها أن مصر تضم 434 منطقة عشوائية، وتختص القاهرة وحدها بـ88 منطقة يسكنها حوالي 50 بالمئة من سكان القاهرة البالغ تعدادهم بين 17 إلى 19 مليون نسمة بحسب إحصائيات عام 2004- 2005.

وتقول الحكومة المصرية إن هذه المناطق تحتاج إلى 3485 مليون جنيه مصري، أي حوالي ثلاثة مليارات ونصف المليار، لإدخال المرافق الأساسية فقط إليها، في حين أن تكاليف إعادة تهيئتها تقدر بمئات المليارات من الدولارات.

ومنذ أكثر من ثلاثة عقود متتالية تعاني مصر من أزمة حادة في الإسكان، أدت إلى ظهور أنماط متدنية من أنماط السكن كالعشوائيات والعشش والجراجات والمراكب وأسفل السلم فضلا عن إسكان المقابر.

ويسكن حوالي 11.5 مليون مصري في العشوائيات، فيما يسكن نحو 60 ألفا في العشش ونحو نصف مليون نسمة في المقابر، دون أن تستطيع الحكومة إيجاد حل جذري ينهي هذه الظاهرة التي تنفرد بها مصر من دون الدول العربية.

وأكدت دراسة أعدها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بعنوان: "تأخر سن الزواج: هل أصبح مشكلة تبحث عن حل؟"، أن مصاريف الزواج تعد عقبة أمام استكمال الزواج أو تأخيره في رأي الشباب، يليها تدبير الشقة، ثم عدم وجود فرصة عمل مناسبة.

وأضافت الدراسة أن هناك علاقة قوية بين المستوى التعليمي وتأخر سن الزواج، فمع زيادة المستوى التعليمي ترتفع نسب غير المتزوجين سواء بين الذكور أو الإناث.

وبات تجهيز مستلزمات زواج الفتاة وكذا الهدايا التي يقدمها أهل العروس للعريس بعد الزفاف في كثير من قرى مصر مصدر قلق وانزعاج كبيرين بعدما صارت هذه التجهيزات والهدايا تتكلف آلاف الجنيهات في وقت تئن فيه الأسر الريفية من وطأة الفقر والحاجة.

وفي منطقة العياط، جنوب القاهرة، ومع كثرة أنواع وأغراض السلع المعمرة والأدوات المنزلية صارت الأسرة ملزمة بتجهيز ابنتها العروس بكل ما تحتاج إليه وربما بما لا تحتاج إليه، فقط من باب التنافس.

ولكن هذا قد يكون أمرا يسيرا، باعتبار أن الأم الريفية تبدأ في تجهيز مستلزمات زواج ابنتها عادة عندما تبلع البنت العاشرة وربما قبلها.

ويشمل ذلك العشرات من الأطباق والملاعق والسكاكين وأدوات المائدة والمفروشات والسلع المعمرة من غسالة ملابس وأطباق وتليفزيون وخلاط وثلاجة وجهاز فيديو، وحديثا الحاسب الآلي والمكواة وملابس الأطفال المتوقعين وأثاث غرفة أو غرفتين إذا اقتضت الضرورة.

وأكدت دراسة أعدها الخبير الاجتماعي الدكتور محمود فرج بعنوان"التكلفة الاقتصادية للزواج في مصر" بمشاركة 33 باحثا وأربعة منسقين على أن ارتفاع تكاليف الزواج ساهم في إفراز ظواهر اجتماعية وسلوكية سلبية، بالإضافة إلى انتشار الزواج العرفي بين الشباب وزيادة العلاقات المحرمة، وهو ما أدى إلى زيادة الأطفال اللقطاء.

ورصدت الدراسة خلال الكشف عن تكلفة الزواج المتغيرات الاجتماعية والثقافية في مصر، من خلال إجراء الدراسة على عينة من المتزوجين حديثا في القاهرة والمجتمعات العمرانية الجديدة بباقي المحافظات، حيث أكدت أن الزواج في مصر أصبح مثل السوق، وإن كان له نظام اجتماعي أساسي، ويؤدي وظائف اجتماعية ونفسية، وهو ما دفع الأسرة المصرية إلى تبني أساليب متنوعة لمواجهة التكاليف المرتفعة لزواج أحد أبنائها، والذي أدى إلى اللجوء للعمل في الخارج ولجوء أحد الأفراد إلى ممارسة عمل إضافي إلى جانب عمله الأساسي.

وانتقدت الدراسة ارتفاع تكلفة مصاريف الزواج الأولية والتمسك بها مثل "الشبكة" والمهر، مؤكدة أنه نادرا ما تقتصر "الشبكة" على بدلة لكل من العروسين أو الاستغناء عنها، ولكن تتم كتابة قيمتها في قائمة "العفش"، في الوقت الذي يتحمل فيه العريس القسط الأوفر من تكلفة "الشبكة".

وأشارت دراسة أجرتها هيئة الاذاعة البريطانية على عينة تتكون من 500 شاب وفتاة تتراوح أعمارهم بين 20 و30 عاما من طلبة الجامعات أو الذين لايزالون في بداية حياتهم الوظيفية في القاهرة حول الزواج التقليدي إلى أن 44 بالمئة من المتزوجين أقدموا على هذه الخطوة "استكمالا للواجب الديني" ورأى أكثر من ثلث العينة أن الحب يأتي في مقدمة دوافع الزواج.

وأشارت الدراسة إلى أن التكاليف المالية تشكل أهم عوائق الزواج بالنسبة إلى الرجال حيث فضل 70 بالمئة تأجيل الزواج حتى "تزول هذه العقبة" وفضل البعض الآخر عدم الزواج أو اللجوء إلى الزواج العرفي.