الرمال السعودية تستعصي على تجار الأسلحة الفرنسيين

باريس - من حبيب طرابلسي
هل يُصلح هولاند ما أفسده 'الحصان الأهوج'؟

تُعاني فرنسا ـ التي تُعدّ ثالث أكبر مُورّد أسلحة إلى الشرق الأوسط بعد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ـ منذ ما يقرب من عقدين من عطب مُزمن فيما يتعلّق بعقود التّسليح الكبرى مع السعودية، بلاد أحلام تجّار السلاح والتي كانت فيما مضى البقرة الحلوب لرجال الصناعة الحربية الفرنسيين.

فرنسا تلتقطُ الفُتات

فمنذ صفقة فرقاطات "سواري2" (Sawari 2) سنة 1994 ـ والتي تشُوبها شكوك متعلقة بعمولات مُرتجعة ـ لم تظفر فرنسا إلا بـ"الفُتات" تمثّلت في بضعة عقود مُتواضعة واكتفت في السنوات الأخيرة ببضع عشرات من المصفحات الخفيفة ومدافع طائرات تزويد، رغم جودة منتجاتها.

وأصيب الرئيس السابق نيكولا ساركوزي ـ الذي كان يحلم ببيع مقاتلات الـ"رافال"، جوهرة صناعة الطيران العسكري الفرنسي التي تصنعها مجموعة "مارسيل داسو" ـ بخيبة أمل عندما أرسل وزير دفاعه جيرار لونجيه قُبيل الإنتخابات الرئاسية إلى الرياض ولم يظفر إلا بعقد لتزويد السعودية بـ73 مدرعة أستطلاع من طراز "ارافيس" (‏Aravis)، التي تصنعها مجموعة "نكستر" (Nexter)، ولم يعلن عن قيمة الصفقة.

في المقابل ـ وبعد أن أجج "الربيع العربي" مخاوف السعودية الأمنية ـ أكملت الرياض في ديسمبر 2011 صفقةبقيمة 29.4‎ مليار دولار مع الولايات المتحدة تتضمن تجهيزها بـ84 طائرة مقاتلة من طراز F-15 و70 مروحية هجومية من طراز أباتشي و72 مروحية بلاكهوك و36 مروحية من طراز ‏AH-6i ‏ و12 مروحية من طراز ‏MD-530F، بالإضافة إلى تحديث 70 طائرة ‏F-15‏ تتوفر عليها السعودية. وكان ذلك جزءا من حزمة دفاعية أكبر بقيمة 60 مليار دولار تم التوقيع عليها في أكتوبر 2010.

سلسلة من الإنتكاسات

ويُرجع الكاتب المُتخصّص في شؤون الدفاع فانسون لاميجون Vincent Lamigeon في تقرير بمجلة ‏Challenge‏ الاقتصادية هذه الإنتكاسات إلى عدة أسباب.

من أهم هذه الأسباب إهتزاز صورة فرنسا بسبب الصراعات الحزبية الداخلية، والصراعات بين الصناعيين أنفسهم وكذلك عدم نجاعة الوكلاء التجاريين القادرين على نسج علاقات مع صُنّاع القرار في السعودية.

وينقل الكاتب عن جون- بيير مولني Jean-Pierre Maulny ، مدير مساعد معهد العلاقات الخارجية والإستراتيجية، قوله بأن "صورة فرنسا اهتزت بشكل كبير بسبب الحروب الداخلية بين الساركوزيين والشيراكيين ما بين سنتي 2004 و2007". ويُعطي مولني عدة أمثلة عن صفقات أفلتت من فرنسا لصالح المُنافسين.

ثم يتحدث مولني عن "الصناعيين الذين يلعبون هم أيضا دورا في الحروب الداخلية الفرنسية-الفرنسية: ‏EADS‏ ضد ‏Thales‏ و Safranضد ‏Thales‏ وMBDA‏ ضد ‏Thales‏ (...) ولوضع حد للصراعات، استدعت الإدارة العامة للتسليح الفاعلين الرئيسيين إلى مقرها يوم 20 يوليو الماضي من أجل توضيح للأمور".

وكشفت صحيفة ‏La Tribune‏ الاقتصادية الخميس عن "قرار اجتماع وزاري في أواخر يوليو دعم ملف Thales في المعركة ضد MBDA التي أثارت امتعاض السعوديين والتي قد تؤدي في نهاية المطاف إلى اختيار بلد ثالث (الولايات المتحدة أوألمانيا). ووفقا لبعض المراقبين، قد يتمكن الألمان من سحب البساط من تحت أقدام الفرنسيين كما فعلوا سابقا في المملكة العربية السعودية".

وخاضت مجموعة تاليس الفرنسية للالكترونيات وشركة ‏MBDA‏ المزودة بنظم الصواريخ معركة قرنسية-فرنسية في السعودية للظفر بعقد قيمته 2.5 مليار يورو".

شبكات غير متأقلمة

ويقول لاميجون بمجلة ‏Challenge‏ "هناك مشكلة جوهرية أخرى: تبدو فرنسا غير قادرة على إيجاد الشبكات المناسبة". فبالنسبة لعقد القطار فائق السرعة، لجأ الجانب الفرنسي إلى خدمات خالد بوجشان، أحد رؤساء عائلة تجارية من أصول يمنية جمعت ثورتها من استيراد عطور ديور والسيارات اليابانية. ويقول بعض المختصين بأنه ليس الشخص الذي يجب الرهان عليه".

وقد هُزم الثنائي ‏Alstom-SNCF‏ سنة 2011 من قبل التكتل الإسباني بخصوص مشروع القطار فائق السرعة الضخم الرابط بين جدة والمدينة ومكة، وهو عقد تقدر قيمته بـ7 مليارات يورو.

وينقل الكاتب عن محمد عياشي عجرودي ـ الذي يتفاوض مع السعودية من أجل بيع أربعة مصانع لتوليد الطاقة من المخلفات تابعة لمجوعة ‏Cnim‏ الفرنسية، وهو عقد محتمل بقيمة أكثر من مليار يورو ـ قوله "يجب التواجد في الميدان، فالأعمال لا تتم انطلاقا من حانات فنادق باريس أو جنيف. والعربية السعودية تطلب علاقة قوية مع فرنسا".

ويختتم الكاتب بالقول "كان نشاط ساركوزي قد ضايق الملك عبد الله، الذي وصف الرئيس السابق بـ‏'‏الحصان الأهوج الذي يجب ترويضه‏'‏، فعلى هولاند أن يبين قدرته على أن يكون وكيلا تجاريا أفضل".