مشروع النهضة... عقدة الوريث

بقلم: د. بليغ حمدي إسماعيل

لا يوجد مشروع النهضة.. هكذا كان محور حديث المصريين طوال الأسابيع المنصرمة، وسط دهشة من بعضهم، ونظرة يقين وثقة من البعض الآخر، فالدهشة كانت من نصيب الذين هرولوا نحو صناديق الانتخاب معلنين أن المشروع هو طوق النجاة لهم من غرق ظل ثلاثين عاماً يلاحقهم، ونظرة الثقة واليقين كانت لدى أولئك الذين قرأوا المشهد السياسي الحالي بدقة مستعينين بإرهاصات الماضي المتعلقة بمصر عموماً وبجماعة الإخوان المسلمين بصفة خاصة.

ولنا أن نؤكد على أن الجماعة ومجموعة الهتيفة لها روجوا للمشروع في صورة ملامح عامة مستغلين في ذلك بهوس المصريين بالشعارات الكبيرة التي تطلق في الهواء كشماريخ جماهير الألتراس، مثلها مثل زيادة المرتبات أو تعبيد الطرق أو رعاية أسر الشهداء أو توفير نصف مليون فرصة عمل، فما كان على ملايين المصريين إلا أن يعلنوا تأييدهم المطلق للمشروع سواء لصاحبه الأصلي المهندس خيرت الشاطر الذي أعيق من المشاركة السياسية على أيدي من أسهموه في ظهوره أيضاً، أو التأييد الغضبي والشعبي للمشروع بعدما استلم الدكتور مرسي الدعاية الرسمية للمشروع.

وهكذا وجد الدكتور محمد مرسي الرئيس الحالي للبلاد والعباد نفسه في وجه المدفع بغير قصد لجعل المشروع الذي لم يكن مشروعاً بل مجرد مجموعة من المعلومات والبيانات والرسومات التوضيحية والخطوط العريضة موضع التنفيذ، بل ربما سيجد نفساً مضطراً في الأيام المقبلة محامياً عن ضرورة وجود المشروع الذي ربما يمتلك مفاتيحه المهندس خيرت الشاطر بوصه الداعي والداعم للمشروع.

وكل مصر الآن ما عدا المنتمين والمنتسبين لجماعة الإخوان المسلمين يدركون أن المشروع الوقي الذي تم الترويج له في عربات المترو وأتوبيسات النقل العام قبل إعلان إضراب سائقيها، أو بالجامعات والنوادي والمكتبات العامة والمواقع والمنتديات الإلكترونية، لم تخرج عن العبارات الاستهلاكية والعناوين العامة، رغم أن كلمة النهضة باتت كلمة السر في كل بيت مصري وصارت شعاراً متداولاً بقوة جنونية متسارعة. ومن العبث من يظن أن حديثنا عن انتفاء وجود ما يسمى بمشروع النهضة هو هجوم على شخص وصفة الرئيس الدكتور محمد مرسي الذي لم يأل جهداً لبناء هذا الوطن الذي يحتاج بالفعل لعقود بعيدة وطويلة لبنائه وإعماره، لأنه بالفعل أصبح رئيساً لكل المصريين وليس لذلك الفصيل المغالب الذي يسعى حثيثاً لاقتناص الوطن وفق أيديولوجيات تخصه فقط.

ولكن أصبح لزاماً على الرئيس أن يتنصل ولو بصورة تدريجية من الانتساب لمشروع امتلك شفرته الكودية المهندس خيرت الشاطر والمناخ السياسي الذي عمل به المهندس. فالشعب الذي اختار رئيسه بكل إرادة شعبية حرة ومستقلة بدون ضغوط من جماعته أصبح الآن يتساءل عن جدوى تحقيق المشروع لاسيما وأن الأيام المائة الأولى تتسلل كالماء من بين الأنامل.

والرئيس مرسي الذي يثبت جدارته يوماً على صدر يوم بأنه يثابر في تطهير مؤسسات البلاد من الفاسدين والمفسدين لابد من مناصرته من باب رعاية الرعية لولي الأمر لكن حينما يتعلق الأمر بمصائر الوطن وأبنائه فالوضع لا يتعلق بمراهنات استشرافية لمستقبل يزداد غموضاً فلا مشروع ولا نهضة وحتى ملامح وهذه كلها أمور حقيقية بل نحن نتعامل الآن مع الوطن بمنطق القطعة أو كما يحلو للمصريين أن يقولوا (الحتة).

وهذا الشعب لن يقبل خداعاً باسم مشروع قادم بل هو شعب بات مؤهلاً للرفض والعصيان ويحلم ليل نهار بعصا موسى أو خاتم سليمان أو حتى مصباح علاء الدين أو عصام الدين. وحتى الذين أرهقوا أنفسهم بمناقشة مشروع النهضة وقت إعلانه ـ ولست الحمد لله واحداً منهم ـ استغربوا أوجه الشبه بين المشروع وسياسات مبارك واندهشوا أن المشروع لا ولن يحل مشكلات مصر الاقتصادية التي باتت مزمنة كالأورام السرطانية الخبيثة.

ولعلني ممن لم يكلفوا أنفسهم جهد المشقة في مناقشة وتحليل مشروع النهضة لأسباب تتعلق بطبيعة الشعب المصري لا بطبيعة المشروع، فالمشروع الذي لم يعد في الأصل مشروعاً صيغ وفق أطر نظرية ونماذج توضيحية مقتبسة ومنقولة أو اجتهادات نظرية بعيدة تماماً عن ميدان التحرير والأربعين ومسجد القائد إبراهيم والعباسية ومترو الأنفاق والصبية المدمنين للكلة، وللناشئة الذين يلعبون الكرة تحت الكباري ووسط الطريق أيضاً. لذا فلم أكترث بمشروع إنما لا أزال أعبأ بوطن يستحق الكثير من الرعاية والاهتمام.

ولست ممن يطالبون بسحب الثقة من الرئيس مرسي إذا لم يتم تنفيذ المشروع الذي لم يبدأ حتى الآن أصلاً؛ أولاً لأن الدكتور مرسي ليس صاحب المشروع بل وريثاً له، ثانياً أن المشروع المزعوم لم يخضع لاستفتاء الشعب أو يقره برلمان الشعب المنحل أو حتى المنتظر إذا جاء، بل إن المشروع بملامحه العريضة لم يتم عرضه على مجلس الشورى من الأساس لذا فأنا وغيري لن نطالب الرئيس بتنفيذه بل نطالبه بضرورة إنقاذ الوطن الذي بدأت تجف أوصاله بالفعل.

ثانياً، أن الثورة هي التي جاءت بالدكتور مرسي رئيساً لمصر وليست الجماعة كما يعتقد الواهمون والزاعمون والمفتتون لهذا الوطن، ونحن ارتضينا باختيار الثورة حينما أعلن أن الدكتور مرسي هو رئيس مصر، لذا فثمة معارضة وتباعد بين مطالب الثورة وبين ملامح المشروع النهضوي الورقي الذي لم ينفذ على يد وريث المشروع الذي هو بالقطع نتاج وحصاد الثورة وليس المشروع.

حتى وإن كان في ظن الرئيس محمد مرسي بحكم انتمائه الأيديولوجي والفكري لجماعة ظلت محظورة لعقود طويلة بأن سياسة طول النفس هي التي ستحقق أهدافه وملامحه فالأمر الآن صار مختلفاً ومغايراً لظروف صياغة المشروع أو حتى لظروف وجود الجماعة بغير حظر أو منع أو استبعاد اجتماعي.لأن الشعب الآن قرر المشاركة وهو ما يحدث بالفعل، وقرر أن يتخلص نهائياً من عقدة الوريث بأية مظاهرها وخصائصها ونجح الدكتور مرسي بالفعل حتى الآن ألا يجعل المغالبة هي السمة الرئيسة للوطن بعكس جماعته.

ورغم أن الشعب غير مؤهل للانتظار وغير متوافق مع الصبر أحياناً، لكننا ندعوه لبرهة قصيرة حتى يتمكن الرئيس المنتخب بإرادة شعبية وبحرية ثوار قرروا مصيرهم بأن يتركوا فرصة له ولفريقه الرئاسي لوضع خطة أو مشروع أو برنامج أو خارطة طريق لوطن ينتظر بدلاً من أن نعامله كوريث لمشروع كان صرحاً من خيال...

د. بليغ حمدي إسماعيل