اليمن الشمالي ... الثِّقة برموز الحركات الإسلامية

التجاذب والتنافر حسب المواسم

تعتبر "الدعوة السلفية" و"الإخوان المسلمون"، أهم التيارات الدينية النشطة التي استطاعت الانتشار في مختلف مناطق اليمن، خصوصاً في الشطر الشمالي، منذ حوالى ثلاثة عقود، وفي إطار ما بات يعرف بظاهرة "الصحوة الإسلامية". وتزامن ذلك مع الحملة الأميركية الداعية لتجييش متطوعين من الدول العربية، لمحاربة الجيش السوفياتي في أفغانستان، بتمويل أميركي وإشراف أنظمةٍ عربية، في مقدمتها المملكة العربية السعودية.

كانت السلطة بالشطر الشمالي من اليمن قبل الوحدة، شديدة الثقة بقدرة رموز الحركات الإسلامية، على تولي مهمة الإبقاء على السيطرة على أفكار وتحركات الجهاديين العائدين، واستيعابهم في الأُطر التنظيمية لهذه الحركات، وكثيراً ما وجدت سلطة الشمال، أن تحالفها مع الحركة الإسلامية، قد أفادها بشكلٍ مؤثر في مواجهة النشاطات الفكرية الاشتراكية، والتحركات المُسلحة الخطرة، التي كادت أن تسقط المحافظات الجنوبية والوسطى التابعة لنظام صنعاء بيد القوى الموالية للنظام الاشتراكي.

تم تجنيد آلاف اليمنيين من داخل اليمن، ومن المغتربين منهم في المملكة العربية السعودية، إلى جانب من جُندوا من مواطني الدول العربية الأخرى. وكانت الحركات الدينية هي أداة التنسيق بين جهات التحريض والتمويل، وبين الراغبين في "الجهاد" ضد الجيش الأحمر الروسي، وقد لعب اليمن الشمالي برئاسة علي عبد الله صالح دوراً شديد المرونة في التسهيل لعملية تصدير المتطوعين.

بالمقابل كان الجنوب اليمني، بقيادة الحزب الاشتراكي اليمني، متضامنا مع نظام الحكم المدعوم من المعسكر الاشتراكي بكابول، ووجه كل طاقته لمنع المتطوعين من التوجه إلى أفغانستان، وقدرت مجلة انتلجينس رفيو الدورية (Jane's Intelligence Review) الصادرة في بريطانيا، أن عدد المتطوعين اليمنيين المشاركين في الحرب الأفغانية وصل إلى نحو ثلاثة آلاف متطوع بعضهم شارك في ساحات القتال، فيما ساهم البعض الآخر منهم في تقديم الدعم من بلادهم.

لم يمثل العائدون من أفغانستان في الثمانينيات مشكلةً أمنية أو اجتماعية تُذكر، إلاَّ فيما يتعلق بالمنتمين إلى المحافظات التي كانت تحت سيطرة الحزب الاشتراكي، فهؤلاء لم يسافروا بعلم ورضا حكومتهم، وعودتهم محفوفة بالمخاطر، وأكثرهم إما من أبناء حضرموت المقيمين في السعودية، أو من أبناء منطقة "مودية" التابعة لمحافظة أبين، والمتمردة على الحزب الاشتراكي فكرياً، وقد شهدت هذه المنطقة، والقبائل والجماعات المنظمة التابعة للعميد حسين عُثمان عشَّال، مواجهات دامية منذُ ميلاد الحزب الاشتراكي، وكان عشال ينتمي إلى جماعة الإخوان المُسلمين، وقائداً للجيش الاتحادي في عدن قبل الاستقلال، وساهم أتباعه في تأسيس جماعات جهادية شارك عددٌ من أفرادها في أفغانستان.

كان للمتطوعين من أبناء اليمن الجنوبي السابق في أفغانستان وبيشاور معسكرات خاصة بهم، وظهرت فيما بينهم قيادات منها طارق الفضلي، وتردد الحديث فيما بينهم عن نقل الجهاد إلى اليمن المحكوم من قبل الشيوعيين بعد انتهاء الحرب الأفغانية، غير أن الشيخ عبد المجيد الزنداني -الذي أصبح في وقت لاحق من زعماء التجمع اليمني للإصلاح المعارض-كان يتردد كثيراً على بيشاور، وله تأثير كبير على المجاهدين العرب، وقد طلب من "الأفغان اليمنيين" إلغاء، أو على الأقل تأجيل، مشروع الجهاد في اليمن، بعد الانفتاح السياسي الذي شهدته البلاد، وقد اشترك بعض الأفغان اليمنيين في مقاتلة القوات الجنوبية، أثناء الحرب بين اليمن الشمالي والجنوبي في يونيو (حزيران) 1994.

وعلى الرغم من ذلك، فإن بعض الأفغان اليمنيين عادوا إلى العمل ضد الحكومة اليمنية في العام 1998، في إطار تنظيم "جيش عدن الإسلامي"، وقد أعلن تأييده لأسامة بن لادن عقب الغارات الأميركية على أفغانستان والسودان، وأشاد بتفجير السفارتين، وأبرز عملياته خطف رهائن، كما كانت آخر العمليات التي قام بها الأفغان اليمنيون بالتعاون مع الأفغان المصريين هي ضرب المدمرة الأميركية "كول" قرب سواحل عدن.

وتعتبر اليمن أيضا محطة أساسية للأفغان العرب، وبخاصة المصريين منهم، حيث استقر فيه لفترة بعض القيادات أثناء انتقالهم ما بين باكستان والسودان، وأفغانستان، ومصر. ويذكر أنه بداية من عام 1993، تمركزت في اليمن مجموعات من قيادات الأفغان المصريين، كانوا على علاقة بمحاولة اغتيال رئيس الوزراء المصري حينئذ.

إن شد الرحال إلى أفغانستان تم تحت تأثير شعارات وتوجهات سياسيَّة ودينية عالمية، وبالتالي فمن الطبيعي بقاء الذهنية عندهم مرتبطة بالأحداث والمتغيَّرات الخارجية، مثل مأساة البوسنة والهرسك، والتصعيد الصهيوني ضد الانتفاضة الأولى، واعتقال وتعذيب إسلاميين في دول عربية، والخطر الشيوعي وحرب الخليج، إلى جانب التأثيرات المحلية التي نجد منها على سبيل المثال: أزمة التصويت على الدستور، وإصرار الحزب الاشتراكي اليمني على محاربة الخط الديني، وتحريضه المستمر ضد أي مظاهر إسلامية، وتحديداً ضد من شاركوا في حرب أفغانستان.

فمنذ الأيام الأولى للجمهورية اليمنية بعد الوحدة، بدأت صحاف الحزب الاشتراكي تشن حرباً إعلامية ضد العائدين من أفغانستان، والإسلاميين عموماً، ونقرأ في بعضها: "على اليمنيين أن يستعيدوا أطفالهم الذين زُجَّ بهم إلى أفغانستان لمعركة خاسرة. المتطرفون يحولون المساجد إلى محاكم ويقيمون الحدود على المُصلين" و"المعاهد العلمية تعد الطلاب عسكرياً وتثقفهم بتكفير الآباء وتكفير الحزب الاشتراكي اليمني وكل ما هو ثوري تقدمي".

وطغت على هذه الأخبار والمقالات لغة التحامل والتشويه المبالغ فيه، بدافع الخوف من تأثير الورقة الدينية على مستقبل الحزب الاشتراكي، في بيئة تتنفس الخطاب الديني، إلى جانب مخاوف من استغلال شريكه في الحكم، المؤتمر الشعبي العام وحليفه التجمع اليمني للإصلاح للعائدين، في مواجهة نفوذه الإيديولوجي والحزبي في اليمن عموما، وفي الجنوب بشكل خاص، كذلك أراد الحزب الاشتراكي الظهور كرائد للعصرنة والتحضر، مقابل من يصفهم عادةً بـ"الظلامين والمتخلفين".

من هنا نستطيع القول بأنَّ حالة أكثر العائدين من أفغانستان إلى اليمن في الثمانينيات وما تلاها، إلى بداية التسعينيات، ظلت كما هي دون تغيير، ولم تكن أوضاعهم وعلاقتهم بالمجتمع والسلطة تستدعي التأهيل وإعادة محاولة دمجهم في الحياة العامة. ونلاحظ أن الأمور بعد ذلك اتجهت نحو الأسوأ تحت تأثير عدَّة عوامل داخلية وخارجية منها:

1. وجود رغبة خارجية لنقل المواجهات مع الإسلاميين والمتطرفين في السعودية إلى اليمن، كما حصل في بداية الوحدة، حين عملت بعض القوى الخارجية على تشجيع انتقال الأفغان العرب إلى اليمن، لاستخدامهم كأداة بيدها لمواجهة التيار الاشتراكي، وللتأثير في صنع القرار السياسي والتوجهات العامة في اليمن.

2. إحساس العائدين من أفغانستان أن السلطة تتجاهل دورهم في محاربة الانفصاليين والاشتراكيين، وفي محاربة أعداء الدولة في المناطق الوسطى وغيرها قبل الوحدة وبعدها، وأنَّهم لم يكونوا أكثر من ورقة تصفي بها الدولة حسابها مع خصومها السياسيين.

3. تقصير رجال الدين والمؤسسات التربوية والإرشادية والإعلامية والقوى الوطنية في استئصال الأفكار المتطرفة، مع نجاح القوى الأصولية الخارجية في استقطاب أنصار ومؤيدين وأعضاء، كتنظيم القاعدة وحزب التحرير، والجماعات الإمامية الإثني عشرية، التي كان لها دور في إشعال التطرف المضاد.