إسماعيل ياسين.. فنان يصعب الاقتراب من إنجازاته

عمل لإسعاد الآخرين بغير حساب

القاهرة ـ مرت في الـ15 من سبتمبر/ ايلول الذكرى المائة لمولد "الباحث عن السعادة" الممثل المصري الراحل إسماعيل ياسين، فكانت المناسبة لتذكر أحد أشهر الممثلين المصريين على مر العصور.

كان الممثل الراحل قد سعى طوال حياته محاولا استكشاف مصدر السعادة ومعناها. ورغم إخفاقاته وأحزانه، استمرت محاولاته واحدة تلو الأخرى دون كلل، لتقديمها إلى الآخرين متى أرادوها وأينما تواجدوا، لذلك كانت نيته الطيبة سبيلا لاختراق قلوب وعقول أجيال متتابعة لأعوام وعقود قد لا تنتهي.

قد تكون وفاة والدته في طفولته سببا لأن يبدأ الفنان الراحل اسماعيل ياسين رحلته في البحث عن هذه السعادة التي لم يشعر بها في حضن زوجة أبيه.

ترك الممثل الراحل مدرسته الابتدائية في الصف الرابع ليستكمل سلسلة حرمانه، مما يلاقيه من خشونة معاملة من زوجة أبيه، فنما طفلا بائسا، ثم شابا باحثا عن الفرحة، ثم رجلا معطاء من أجل إسعاد الآخرين بغير حساب.

ويقول أحد النقاد السينمائيين المصريين إن عقليته الصغيرة أوهمته بأن يترك دراسته بحثا عن عمل هربا من معاملة زوجة أبيه السيئة بعد الزج بوالده في السجن نتيجة تعثرات مادية في محل الصاغة الذي كان يملكه، فعمل مناديا لمحل أقمشة ثم مناديا مرة أخرى بأحد مواقف السويس، إلا أنه لم يجد ضالته في مهنة المناداة فقرر التوجه إلى القاهرة بحثا عن فرصة أفضل.

وفي شارع محمد علي قرر الاستقرار بعد أن وجد عملا في أحد مقاهي شارع الموسيقى، ثم وكيلا لأحد المحامين.

ويبدو أن مهنة المنادة التي امتهنها إسماعيل ياسين بعد هروبه من منزل والده قد أوحت إليه بعذوبة صوته، فأخذ يحلم بمنافسة الموسيقار محمد عبدالوهاب الذي كان يعشق كل أغنياته.

وحاول مرارا إقناع رواد المقهى الذي يعمل به بإجادته الغناء، إلى أن وجد ضالته في أبو السعود الإبياري الذي اقتنع بموهبته بعد أن تعرف إليه وألحقه بالعمل في فرقة بديعة مصابني عام 1935 وهو ابن 23 عاما ليقدم فقرة ثابتة يغني من خلالها عدد من المونولوجات التي كتبها له مكتشفه ورفيق رحلة كفاحه فيما بعد أبو السعود الإبياري.

ناقش إسماعيل ياسين من خلال المونولوج عددا من المشاكل والأفكار المختلفة، وقدمها بطريقة مبتكرة مستخدما بعض اللازمات التي ارتبطت به فيما بعد وحتى الآن، مثل استخدام فمه الذي اشتهر به في الوسط الفني وبين الجمهور، إلى أن ذاع صيته وأصبح مطلوبا في عدد من الملاهي الليلية، حتى أن الإذاعة المصرية طلبت منه تقديم مونولوج ثابت إعلانا منها في ذلك الوقت عن ظهور نجم جديد ستتخاطفه شركات الإنتاج وكبار النجوم فيما بعد.

ذاع صيت إسماعيل ياسين في فن إلقاء المونولوج، فتشجع كاتب السيناريو فؤاد الجزايرلي عام 1939 وأسند له عددا من الأدوار السينمائية، منها أفلام "خلف الحبايب"، "علي بابا والأربعين حرامي"، "نور الدين والبحارة الثلاثة"، "القلب له واحد"، ونجح "إسماعيل ياسين" فيما أسند إليه فذاع صيته مرة أخرى وازدادت شهرته.

تقول حكمة صينية إن "القدر يحمل لمن يعانون في طفولتهم الخير إلا أنه لا يستطيع إبعاد المعاناة عنهم".

وقد وهبت الايام مفاتيح أبواب الشهرة إلى إسماعيل ياسين بعد سنوات ثلاث من منتصف عمره، وكأن القدر يعلن له أن نصف المشوار انتهى وعلى صاحب المفاتيح أن يشعر بلحظات سعادة ما تبقى له من عمر.

وفي عام 1945 قرر المنتج والمخرج الجريء أنور وجدي الاستعانة بالممثل الراحل في عدد من أفلامه، وفي خطوة أكثر جرأة قرر أنور وجدي إسناد البطولة المطلقة له في فيلم "الناصح" قبل أن يتم عامه السابع والثلاثين، لتبدأ أسطورة إسماعيل ياسين الفنية الحقيقية في شق صفحاتها في كتب وموسوعات تاريخ الفن المصري والعربي، وليسطر بموهبته نجاحه الذي لم يكن قد خطط له من قبل.

ومع إتمامه الأربعين من عمره عام 1952، أصبح إسماعيل ياسين نجم الشباك الأول بلغة إيرادات السينما في ذلك الوقت، وتهافتت عليه شركات الإنتاج والمنتجون المستقلون أملا في الحصول على توقيعه على عقودها.

لم يكن إسماعيل ياسين يشترط في يوم ما أجرا معينا، فقط كان يطلب المتعارف عليه في السوق، فقدم خلال ثلاث سنوات فقط 48 فيلما من أنجح أفلامه، وهو رقم يتطلب من أي فنان في 2012 أكثر من 40 عاما تقريبا ليصل إلى أقرب رقم له، لتبدأ بعدها سنوات المعاناة مجددا بعد أن أبى القدر إبعاده عنها.

ويبدو أن إسماعيل ياسين قرر بنفسه أن يعيد إلى القدر مفاتيح النجاح والشهرة التي وهبها له من قبل. فقرر اقتحام عالم المسرح بتكوينه لفرقة مسرحية مع رفيق دربه أبو السعود الإبياري، ونجح الثنائي في تقديم أكثر من 60 رواية مسرحية خلال 12 عاما فقط بواقع خمس روايات كل عام.

ورغم نجاحه في إعادة تشكيل أفكار المسرح المصري وتغيير نمطه، إلا أن النجاح لم يكن حليفا له في نهاية مشواره الفني خاصة مع بداية الستينات عندما انحسرت عنه أضواء السينما لارتباط برواياته المسرحية، وما لبث أن حل فرقته المسرحية عام 1966 بعد وقوعه ضحية للديون، لينتهي مثلما بدأ تماما، وحيدا يبحث عن السعادة التي وهبها خلال 27 عاما هي تاريخ عمله في الفن للجمهور فلا يجدها، إلى أن توفى في 24 مايو/ ايار 1972.