العالم، ومنطقة الشرق الأوسط بالتحديد، بين الحرية المطلقة والفوضى المفرطة

بقلم: حسان القطب

منذ ما يقارب القرن من الزمن وشعوب الشرق الأوسط (العالم العربي والإسلامي) تعيش حال من التعبئة المتواصلة التي اتقنها حكام هذه المنطقة، التي تستند إلى ترهيب شعوبهم مما يخطط لهم من الاستهداف الفكري والثقافي إلى مطالبتهم بالاستعداد لمواجهة المؤامرات العسكرية الخارجية والصراعات الدموية المحتملة. كل هذا التحريض والتثقيف ترك أثراً سيئاً في فكر ووعوي وفهم وإدراك هذا الجمهور، وهذه الشعوب. فهي مستهدفة حتى في زيارات السياسيين الغربيين، وفي تصريحات المثقفين، ويعمل البعض منهم على تسخيف قضايا هامة وإبراز اخرى قد تقل عنها اهمية.

على سبيل المثال لم يعترض الكثير من أصحاب الشأن واخرهم حسن نصرالله الذي دعا بالأمس للتظاهر احتجاجاً على الفيلم المسيء - وهو لا شك مسيء - على عبارات الكفر البواح التي اطلقتها عناصر مؤيدة لبشار الأسد حين قالوا "لا إله إلا بشار"، بل تجاهلها كلياً. السبب انه متحالف معه، مع ما فيها من إنكار لألوهية رب العباد ووحدانيته التي تتبناها كل الأديان السماوية؟

هذا لا يعني عدم إدانة او رفض أو استنكار هذا الفيلم او من دعم انتاجه وتسويقه. ولكن هل الغرب كله مسؤول عن هذا الفيلم حتى نعاقبه ونأخذ عامة بذنوب خاصة؟ بالتأكيد لا. فقد صدرت تصريحات رافضة ومستنكرة لهذا الفيلم. لذا فإن ما شاهدناه وما زلنا من تداعيات وممارسات جرت رداً على عرض الفيلم المسيء للإسلام والمسلمين من استهداف للسفارات وإحراق الممتلكات وقتل الدبلوماسيين غير مبرر على الإطلاق. فالإساءة لا يرد عليها بإساءة ومن غير المقبول ان يكون الرد على جريمة ارتكبها شخص او أشخاص او فريق باستهداف شعب وأمة؟ وإذا عدنا لنظرية المؤامرة التي ترعرعنا عليها في كنف أنظمتنا الحاكمة، فهل ننخرط في لعبة التأمر ونصبح جزءاً من المؤامرة التي يقودنا إليها هذا الفيلم وصاحبه ومنتجه ومخرجه وراعيه، ونسعى لتدمير العلاقات الدولية واللجوء إلى الانعزال والانكفاء خلف ستار من الخوف المصطنع والتخوف من التأمر المستمر والاستهداف الدولي غير المحدود للدين والأمة والكيانات التي نعيش فيها؟

قبل فترة ليست بعيدة تمت الاساءة لزوج النبي عائشة، ومن شخص يحمل الهوية الإسلامية، فهل كان هذا الشخص يتحدث باسم امة ام باسمه وبالتأكيد بما يكن صدره من حقد وغل وضغينة ورغبة في تمزيق الأمة وفض وحدتها والامعان في تدميرها؟ وقبل سنوات اندفع الألوف في مدينة نيويورك الاميركية وعلى اثر انقطاع التيار الكهربائي في المدينة لممارسة كافة انواع النهب والسلب والاعتداء، فهل هذا هو المجتمع الأميركي أم هو سلوك فريق منه وشريحة معينة؟ وما يحدث أيضاً في بلفاست عاصمة إيرلندا الشمالية من اقتتال بين الكاثوليك والبروتستانت، هل هو سلوك عام بين ابناء الطائفتين ام هو عمل يقوم بعض أبناء هاتين الطائفتين؟

لا شك إن الممارسة الخاطئة موجودة ولكنها مدانة ومستنكرة ومن أي فريق اتت.. لأن لا مجتمع في هذا الكون يمتاز بالكمال والصفاء والتجانس. فالمدينة الفاضلة لا وجود لها رغم انها حلم كل مخلص ومفكر ومثقف ومواطن؟

من هنا نرى ان ما حدث في بعض العواصم العربية والإسلامية من احداث مسيئة رداً على هذا الفيلم المسيء لا يجب ان تعتبر على انها ممارسات مجموعات تماماً كما جرى في نيويورك وبلفاست وغيرها وليست صفة عامة يتصف بها هذا الشعب أو هذا الجمهور في سلوكه ونهجه وفكره وفي كافة هذه الدول التي جرت فيها هذه الأحداث، دون ان نتجاهل اهمية التربية التي أشرنا إليها في مقدمة هذا المقال. ولكنها حالة شاذة قام بها البعض، لذا يجب تهذيبها وإعادة انتاجها وتصويبها عبر فتح قنوات التعارف والتفاهم بين مجتمعين غربي وشرقي عاشا لمئات السنين تحت شعارات الترهيب والتخويف من بعضهما البعض دون المباشرة في إطلاق عمل حثيث يهدف لتعريف هذا الفريق بذاك من منطلق إنساني وفكري وثقافي وديني، وعندها يفهم المجتمع الشرقي أن الحرية في المجتمع الغربي هي مطلقة وغير مقيدة وهذه في الحقيقة مشكلة يعاني منها حتى الغرب أيضاً! وهذا ما لم يعتاده مجتمعنا الذي عاش فقداً كاملاً للحرية نتيجة ممارسات الحكومات الشمولية التي استبدت به دون وجه حق ومنعته من ممارسة حقه في التعبير والتصريح وحتى في التفكير..وكذلك على المجتمع الغربي يجب ان يدرك أن أبناء المجتمع الشرقي ونتيجة هذه الظروف ونتيجة هذه الثقافة التي تقوم على إرهاب الشرق من الغرب ليحفظ حكام المنطقة بقيادتهم لها.. ستأخذهم فترة ليستوعبوا الحالة الجديدة التي انتقلوا إليها ليمارسوها مع القدرة على التعبير التي لم ينعموا بها منذ عقود.. مع الفهم بأنهم يجب ان يمارسوها يموضوعية دون إفراط، وبوعي وهدوء وثقة.

لذا فإن إطلاق الحوار ضروري للخروج من حالة الحرية المطلقة التي تتسبب بازمات والفوضى المفرطة التي تجعلنا في صراع دائم حتى لا يقع صدام بين الحضارات والأديان ونعود لمرحلة القرون الوسطى؟

حسان القطب

مدير المركز اللبناني للأبحاث والاستشارات