وعود النهضة المؤجلة تدفع الشباب التونسي إلى 'قوارب الموت'

'هربوا من جحيم الفقر فابتلعهم البحر'

تونس - تعيش تونس منذ أسبوع على وقع فاجعة غرق "قارب موت" كان يقل نحو 136 من المهاجرين السريين في عرض البحر الأبيض المتوسط قبل وصوله إلى شواطئ جزيرة لامبادوزا الايطالية التي تبعد نحو 80 كلم عن أقرب نقطة للشواطئ التونسية.

وأججت الحادثة غضبا وسخطا شعبيين واسعين تجاه حكومة الائتلاف الثلاثي الحاكم التي تقوده حركة النهضة الإسلامية، حيث حملها التونسيون مسؤولية تفاقم ظاهرة الهجرة السرية لآلاف الشباب نتيجة انسداد الآفاق في البلاد بعد فشل الحكومة في توفير الشغل لأكثر من 800 عاطل.

وكان قارب صيد غرق خلال الأسبوع الماضي على بعد 15 ميلا من سواحل جزيرة لامبادوزا الايطالية مخلفا أكثر من 80 مفقودا فيما تم انتشال 86 مهاجرا بينهم أطفال ونساء.

وأعلنت الخارجية التونسية أن قوات خفر السواحل الإيطالية تمكنت حتى الجمعة 14 سبتمبر/أيلول من إنقاذ 86 من ركاب القارب المنكوب وانتشال جثتين٬ فيما يظل أكثر من 80 شخصا في عداد المفقودين وسط تضاؤل الأمل في العثور على ناجين من الهلاك بعد مرور أسبوع على الحادث المأساوي .

ومن بين الجثث التي تم انتشالها جثة امرأة حامل.

وألهبت صور الجثث المنتشلة التي بثتها الفضائيات وأنباء المأساة القادمة من السواحل الإيطالية سخط الرأي العام التونسي حيث تصاعدت معها مشاعر الحزن والإحباط والغضب بسبب تردي الوضع الأمني إلى جانب الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.

وعلى الرغم من حوادث الغرق المتكررة في البحر المتوسط لا يزال الشباب التونسي يضطر للمغامرة عبر رحلات على متن قوارب صيد صغيرة إلى السواحل الإيطالية هربا من الفقر المدقع الذي تبلغ نسبته في عدد من الجهات أكثر من 28 بالمائة .

ومنذ ثورة 14 يناير/كانون الأول التي أطاحت بنظام الرئيس بن علي ومكنت من صعود حركة النهضة إلى الحكم شهدت الهجرة السرية باتجاه إيطاليا ارتفاعا مفزعا وبدا الشباب التونسي وكأنه يخير قوارب الموت على الحياة في مجتمع تعصف به الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتتفاقم بين فئاته حالات الإحباط والسخط الشعبي وعدم وضح ملامح المستقبل.

وقال رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عبد الرحمان الهذيلي إن عدد التونسيين الذين غادروا البلاد في رحلات هجرة سرية منذ الثورة بلغ 40 ألف شخص مضيفا أن أكبر عملية هجرة سرية على قوارب الموت في اتجاه السواحل الإيطالية شارك فيها خلال شهر فيفري فبراير الماضي ما لا يقل عن 5400 تونسي وتونسية.

وأظهرت دراسة حديثة أنجزها المنتدى أن 90 بالمائة من المهاجرين السريين ينحدرون من الجهات المحرومة ومن الأحياء الشعبية الفقيرة وهي نفس الجهات والأحياء التي قاد شبابها ثورة 14 يناير كانون الأول.

وأضاف الهذيلي أن الدراسة التي أنجزها المنتدى كشفت عن مؤشرات في منتهى الخطورة بخصوص ظاهرة الهجرة السرية مشددا على أن من أخطر المؤشرات التي سجلتها الدراسة تتمثل في أن 24 من المهاجرين هم من التلاميذ و10 بالمائة من الفتيات.

وعلى امتداد أسبوع نفذ أهالي المفقودين حركات احتجاجية في عدد من المدن منها العاصمة تونس ومحافظات صفاقس والمهدية والمنستير مطالبين الحكومة بتحمل مسؤوليتها ومدهم بمعطيات دقيقة حول مصير أبنائهم.

فقد نظم أقرباء الضحايا مظاهرات ساخطة أمام مقر وزارة الخارجية التونسية قابلتها قوات الأمن باستعمال القنابل المسيلة للدموع لتفريق عائلات أنهكها الحزن على مصير فلذات أكبادها.

كما شهد شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة مسيرات شعبية صامتة عبر خلالها المشاركون٬ من كل فئات المجتمع٬ حاملين الشموع ترحما على أرواح الضحايا٬ عن مشاعر الحزن والأسى.

ورفع نشطاء من جمعيات وأحزاب سياسية ومواطنين في المسيرات التي نظموها شعارات مثل "هربوا من جحيم الفقر فابتلعهم البحر" و" فضلوا قوارب الموت على وعود الحكومة" و'شباب الثورة من نيران القناصة إلى قوارب الموت" و"الشباب أهدى النهضة ثورة فأهدته الموت".

ويطالب المحتجون الحكومة بالتعامل مع ظاهرة الجرة السرية بـ "جدية من خلال تقديم حلول ناجعة لمشاغل الشباب وفي مقدمتها الشغل" الذي قامت من أجله الثورة كما يطالبون ب "تشكيل لجنة مشتركة ذات مصداقية" مع منظمات المجتمع المدني وعائلات المفقودين من أجل التحقيق في ظروف الحادثة والضغط على الحكومة الإيطالية من أجل أن تتعاون في تقصي مصير المفقودين.

ويتهم الأهالي الحكومة بـ"الاستهانة بحياة الشباب التونسي الذي ضاق ذرعا بالبطالة والفقر وعدم توفر أبسط مقومات الحياة الكريمة في ظل وعود الحكومة الواهية التي لم تقدم حلولا منذ تشكيلها" رغم أن حركة النهضة وعدت خلال حملتها في انتخابات المجلس التأسيسي التي جرت يوم 23 أكتوبر/تشرين الأول بتوفير 300 ألف موطن شغل .

غير أن وزير الخارجية التونسية رفيق عبد السلام نفى الاتهامات الموجهة للحكومة بالتقصير في معالجة ما بات يعرف بـ"قوارب الموت".

واعتبر أن مشكلة الهجرة السرية ناتجة عن "تراكم مشاكل اقتصادية واجتماعية٬ لا يمكن حلها بإجراءات استعجاليه٬ وإنما بحلول متوسطة وطويلة المدى"٬ وشدد على أهمية ما وصفه بـ"التوعية وطرد الأوهام من أذهان الشباب وعائلاتهم بشأن الهجرة". الأمر الذي اعتبره نشطاء المجتمع المدني والفاعلين السياسيين "تنصل الوزارة من مسؤولياتها وتنكرا لالتزاماتها في معالجة مشاغل الشباب التونسي وفي مقدمتها الشغل".

وكان بيان رسمي صادر عن رئاسة الحكومة التونسية قد أعلن عن فتح تحقيق "للتعرف على ملابسات هذا الحادث الأليم"٬ واعتبر أنه "على الرغم من الجهود الكبيرة المبذولة للتقليص من ظاهرة الهجرة غير الشرعية، فإن النجاح في ذلك يبقى رهينا بتكاتف جهود المجموعة الوطنية وتقدم نسق التنمية للحد من استنزاف الطاقات والموارد البشرية في مغامرة التسلل إلى أوروبا".

غير أن موقف الحكومة لم يقنع نشطاء حقوق الإنسان والمجتمع المدني كما لم يقنع الأحزاب السياسية التي شددت على أن "الحكومة لم تتعامل مع ملف الهجرة السرية على أساس دراسة موضوعية وعلمية وإنما اكتفت بالحلول الأمنية من خلال تشديد الحراسة على الشواطئ".

واعتبر الاتحاد العام التونسي للشغل أن "الحلول الأمنية المتمثلة في مواجهة ظاهرة الهجرة السرية بمراقبة السواحل التونسية، على أهميتها تبقى غير كافية" مؤكدا أن ذلك لا يمكن أن يشكل "حلا لمعالجة الأسباب العميقة التي تدفع بالشباب التونسي إلى الهجرة غير الشرعية عبر قوارب الموت".

ورأت الرابطة التونسية لحقوق الإنسان أن "الفقر والبطالة هما الدافع الرئيسي إلى الهجرة السرية" وقالت إن "على الدولة والمجموعة الوطنية بذل الجهد الكافي للحدّ من هذه الظاهرة بتنفيذ المشاريع والبرامج التي تكرس الحق في التنمية للمناطق المحرومة وتؤمن فرص العمل للعاطلين".

ودعت الرابطة إلى تشكيل لجنة مستقلة للبحث في مصير المفقودين وفتح حوار وطني من أجل إيجاد حلول للمشاكل الاجتماعية وعلى رأسها البطالة والحرمان والتهميش.

وطالب المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (منظمة مدنية غير حكومية ( بتكوين لجنة تحقيق مشتركة تضم ممثلين عن الحكومة والمجتمع المدني ودعا الحكومة إلى "وقف تعامل تونس مع سياسة غلق الحدود التي ينتهجها الاتحاد الأوروبي حتى يتمكن كل من يرغب في الهجرة من التوجه إلى البلدان الأوروبية في ظروف آمنة و قانونية بما لا يعرض حياتهم للخطر".

أما سياسيا فقد عمق ملف الهجرة السرية "أزمة الثقة بين الحكومة والمعارضة" التي لم تتردد في القول "إن حكومة النهضة لم تقدم شيئا يذكر لشباب أنهكه الحرمان والخصاصة وقهرته البطالة وسلبت كرامته وسدت في وجهه الآفاق لذلك فإنه بات يفضل، في ظل فشل الحكومة في الاستجابة لمطالبه المشروعة، ركوب قوارب الموت هربا من الجحيم وطمعا في الجنة".

واعتبر المنسق العام لحركة الوطنيين الديمقراطيين شكري بلعيد أن نزيف الهجرة السرية "هو دليل على أن الحكومة لم تتوفّق بعد في إيجاد حلول جدية تفتح باب الأمل أمام شباب تونس الذي راهن كثيرا على الثورة في أن تفتح له آفاقا جديدة ".

ودعا إلى "محاسبة الحكومة لأنها لم تضمن حقّ شباب تونس في الشغل القار واعتباره أولوية الأولويات" كما دعا إلى "فتح حوار وطني حول ملف الهجرة السرية وحول مصير المفقودين و القابعين في سجون أوروبا التي لا تعلم عنهم عائلاتهم شيئا وهو ما يتطلب اتخاذ اجراءات عاجلة وتفعيل حقيقي للدبلوماسية التونسية.

وقال الناطق الرسمي باسم الحزب الجمهوري عصام الشابي "نحن نعتقد أن الهجرة السرية وقوارب الموت كارثة وطنية حلّت بتونس لأن عندما يتعرّض العشرات من الشباب إلى الموت والفقدان وهم في مقتبل العمر هذا يترجم عن حالة اليأس وانسداد الأفق أمام من قام بثورة راجيا تحسين أوضاعه والنهوض بكرامته".

وأضاف يقول "يجب أن تدفع ظاهرة قوارب الموت التي فتكت بآلاف من شباب تونس إلى "اتفاق مؤسسات الدولة والمجتمع حول معالجة الظاهرة ومحاصرتها من خلال وضع خطط تفتح باب الأمل عبر ضخ استثمارات وإقامة مشاريع سريعة في كامل جهات البلاد وبعث رسالة ثقة للتونسيين في إمكانية العيش بكرامة في هذا البلد.

ودعا زعيم حزب العمال حمة الهمامي الحكومة إلى "ضرورة طرح ملف الهجرة السرية أمام الرأي العام الوطني وكل الجهات المسؤولة من أجل الحد من تداعياته الخطيرة على الشباب التونسي".

وحذر الهمامي من أنه "إذا لم تسارع الحكومة إلى معالجة حالة الإحباط واليأس التي تعصف بالشباب التونسي فقد تتطور الأمور نحو الأخطر ويدفع اليأس بالشباب إلى الانخراط في شبكات الإرهاب".

وقال النائب في المجلس التأسيسي إبراهيم القصاص إن 'الحكومة التونسية عجزت عن توفير الخبز لأبنائها وعوض ذلك قدمتهم طعاما لأسماك القرش في البحر المتوسط.

وأضاف القصاص" أبناؤنا يغرقون والحكومة تقيم الأفراح والأعراس" في إشارة إلى ما تناقلته صفحات التواصل الاجتماعي "فيسبوك" من صور لأعضاء من الحكومة كانوا شاركوا السبت الماضي في احتفال بحفل زفاف جماعي نظمته جمعية خيرية مقربة من حركة النهضة فيما كانت أنباء الفاجعة القادمة من إيطاليا تنتشر عبر وسائل الإعلام.

من جانبه يرى القيادي في الحزب الجمهوري المعارض ياسين إبراهيم أن حادثة قوراب الموت هي مؤشر على أن "تونس تختنق وأن شبابها يضطر إلى المغامرة للتنفس خارجها" مشددا على "تونس تعيش أزمة اجتماعية كبيرة وليست في تحسن".

وبقدر ما أجمعت مختلف القوى السياسية والمدنية والنشطاء على أن الهجرة السرية "تعد كارثة وفاجعة بالنسبة للشباب التونسي" بقدر ما تتعامل الحكومة مع هذا "الملف الحارق" ببرودة مريبة.

واكتفى الناطق باسم الحكومة ووزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية سمير ديلو بالقول "نحن نحاول تحسين الوضع بتونس وهذا يحتاج إلى وقت، نحتاج إلى الصبر والناس لا يطيقون الصبر".

واضطرت الحكومة التونسية تحت ضغط الفاعلين السياسيين والمدنيين إلى تشكيل "خلية أزمة" في مرحلة أولى لكن تفاقم الاحتجاجات وضغوطات قوى المجتمع السياسي والمجتمع المدني دفع الحكومة إلى إرسال وزير الخارجية رفيق عبد السلام إلى روما للتباحث مع وزيرة الخارجية الإيطالية حول ملف الهجرة السرية.

وتمخضت "جهود" وزير الخارجية التونسي مع نظيرته الإيطالية عن "إحداث لجنة تحقيق مشتركة للتحقيق في ظروف غرق القارب" لا أكثر.

ولم يصدر عن حركة النهضة أي موقف أو توضيح فيما تعالت أصوات المعارضة ومنظمات المجتمع المدني منادية بوضع حد لظاهرة قوارب الموت من خلال معالجة جذرية لأوضاع الشباب التونسي.