الإساءة للرسول وطلب المعاملة بالمثل

بقلم: محمد علي آل مسيري

قبل 10 أعوام تقريباً احتجت الولايات المتحدة الأميركية لدى المملكة العربية السعودية بشأن مقال تم نشره في إحدى الصحف المحلية للدكتورة أميمة الجلاهمة بعنوان "عيد البوريم" قالت فيه إن اليهود لهم عيد يتضمن طقوس خاصة تتمثل في صنع فطيرة مخلوطة بدم بشري. خلق هذا الأمر حالة عارمة من الغضب على المستويات الرسمية والشعبية الغربية مما دفع المتحدث الرسمي باسم الخارجية الأميركية في ذلك الوقت ريتشارد باوتشر لأن يقول ما نصه:

" إن نشر مثل هذه المادة سيضر بجهود تحسين العلاقات وإن معاداة السامية أمر بغيض ونحن ندينه بأقوى التعبيرات، ونعتقد أن مثل هذا سيضر بجهود تحسين العلاقات، وأضاف إننا على وجه الخصوص نشعر بالقلق من ظهور مقال في صحيفة سعودية في الآونة الأخيرة تُكرر مزاعم عمرها قرون… وقد فاتحنا السعوديين في الأمر لتسجيل شكوانا من الطبيعة العارية والتحريضية لهذا المقال."

أسفرت تلك الجهود التي اتخذت طابع الرسمية والجدية في اعتذار مباشر من رئيس تحرير تلك الصحيفة عن المقال الذي تم حذفه من الموقع الإلكتروني للصحيفة وإيقاف كاتبته عن الكتابة مع فرض رقابة صارمة لمنع تكرار مثل هذه المواقف مرة أخرى والتأكيد المستمر على احترام المملكة العربية السعودية لكافة الديانات والمذاهب المختلفة.

اليوم تثار قضية إعلامية أخرى لكنها تأتي هذه المرة من الولايات المتحدة الأميركية نفسها، حيث قامت جهة مجهولة حتى الآن بإنتاج فيلم يسيء إلى النبي محمد عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام كما ظهر في مقطع فيديو تم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي احتوى على ألفاظ نابية وإساءة متعمدة أفرزت احتجاجات متصاعدة ضد الولايات المتحدة في البلدان الإسلامية.

عدم وجود حالة من الإجماع والفهم العالمي المتقارب لسقف سماء الحرية الفردية في القول والفعل مقابل مفهوم الإساءة إلى الآخرين وممارسة الأعمال الجارحة تجاههم وتجاه رموزهم يجعل من فهم هذه القضايا خاضعاً إلى تبرير الأيديولوجيات، تكرار هذه الإساءة في أوروبا من خلال الرسوم الكاريكاتورية المسيئة ثم الفيلم المسيء في أميركا الآن لا يتم التعامل معه بنفس الجدية والرسمية التي يتم بها ملاحقة من يوصفون بأعداء السامية، هذا التبرير المختلف للأحداث يجعل الولايات المتحدة الأميركية اليوم أمام مسؤولية أخلاقية قبالة العالم بشكل عام والعالم الإسلامي بشكل خاص في دولة تقول إنها تحمل الديمقراطية والسلام إلى العالم.

هذه الحالة العائمة من التعامل تهدد السلم الاجتماعي لشعوب العالم وتجعلهم أكثر قرباً نحو تبني الخيارات الراديكالية في علاج مشاكلهم التي يوجد لها حلول متنوعة ويجلب إلى الجماعات المتطرفة المزيد من الجماهير التي تسعى لترسيخ فكرة أن العالم فسطاطين متصارعين بقاء أحدهما قائم على صرع الآخر وليس فسطاطاً واحد ورحب يلم شمل الجميع.

إن تجاوز هذا النوع من المشاكل لا يتم إلا بسن قوانين دولية واضحة تضع خطاً فاصلاً بين الحرية الشخصية التي تبدو مكفولة للبعض وممنوعة على البعض الآخر وبين الإساءة وتعمد التشويه، سن مثل هذه القوانين على المستوى الدولي سوف يفوت الاستغلال السياسي والديني لمثل هذه الأحداث في توجيهها نحو ملفات أخرى كوقود يزيد من سرعة اشتعال بعض القضايا التي ليست على صلة مباشرة بهذه الأحداث بالضرورة.

أمام حُكام الدول الإسلامية مسؤولية بالغة الأهمية في هذا الجانب تفوق الجوانب الأخرى، فهذه الحكومات التي جاءت بالانتخاب أو التغلب هي في النهاية تمتلك كافة أدوات القوة في الداخل وتحتكرها وتملك الشرعية الدولية في الخارج، وبما أن هذه الحكومات تمثل شعوبها فإن عليها مسؤولية حفظ كرامة هؤلاء المواطنين والدفاع عنهم وعن معتقداتهم ورموزهم تجاه أي إساءة أو محاولة تشويه أو استفزاز من خلال السعي إلى خلق حالة من طلب المعاملة بالمثل كما استشهدت في بداية المقال لنصل إلى حالة من التوازن في التعامل مع هذه القضايا مما يجنب المجتمعات نفسها أي حالة شقاق داخلية يمكن أن تبرز نتيجة الحالة العائمة في التعامل مع مثل هذه القضايا ويعطي المواطنين شعور بأن حكومات تلك البلدان قادرة على توفير حل لهذه المشكلات في المستقبل القريب.

محمد علي آل مسيري