العراق: الدم القاني يوجب استقالة المالكي!

بقلم: رشيد الخيّون

يجول الإرهاب في مدن وقرى العراق، بينما مكتب رئيس الوزراء استأسد على عُزل يرتادون النوادي الاجتماعية والثقافية، بحملة سلفية، تحمل عمائم حزب الدعوة الإسلامية إلى الجنة. ما كنا نحسب أن "الدعوة" بهذه الشراسة، وهو كان يقدم نفسه ضحيةً، تعرض للإيذاء مع أنه كان يطلب السلطة، ويفجر مرافق، وأية سلطة لا ترد خصومها! أما العُزل المرتادون لتلك النوادي فلا حملوا السلاح، ولا هتفوا ضد حزب الدعوة، وربما انتخبوا قائمة الحزب "دولة القانون"، فعندها حسبوا أن الاسم (القانون) يحميهم ويحفظ كرامتهم، لا يغير عليهم غارة ضارٍ.

كان صباح يوم الأحد الماضي دامياً، أسفرت التفجيرات عن تسعين قتيلاً وأكثر من ثلاثمئة جريح، بالبصرة والناصرية وسواهما. سيضحك الإرهابيون والقتلة، من شتى الأجناس، إذا استمر الندب، وتحميلهم مسؤولية سيل الدم، فصناعة الموت صناعتهم، وأي قاتل نتوقع منه أن يسمع لشكوى ضحيته أو يرق لندب أرملة وشهقة أم أو أخت؟! فمِن البداهة، أن تلك الجماعات لا تقر بشيء من هذا القبيل، وعقيدتها أنها في حرب.

إذا كان القاتل من أعوان النظام السابق فمن وجهة نظره له الحق في استرجاع السلطة، مثلما كنا متسلحين بالحق الكامل لإسقاطه، حتى تعاونا مع الجيوش الغازية من وراء البحار، ومَن لم يتعاون فحبذ الفعل في داخله، من دون أن نفكر للحظة بالوطنية، لأن عقيدتنا كانت ما بعد سيأتي الخير العميم، وما فكرنا قيد شعرة أن السلطة معشوقة إلى هذا الحد إلا عند السابقين. تلك حقيقة لا يجب أن نمارس حيالها طِباع النَّعام فإذا ما حاصرتها الضَّواري طمست الرؤوس في الرمال، هكذا فهمنا وفسرنا غريزتها، لكن قيل مقصدها آخر.

قرأت في صحيفة "العالم" البغدادية لنائب قائد قوات عمليات بغداد، المهددة صباح مساء: "هناك إمكانيات متوافرة لدى حزب البعث المقبور، وهي لا تزال قوية خاصة في الخارج، ولها على نحو ما اتصال بالداخل العراقي، وهذه الشبكة كبيرة جداً، وتقودها رنا صدام حسين شخصياً" (6 سبتمبر 2012). وقرأت في تعليقات القُراء الآتي: "أخبار رنا معروفة، فهي مصابة باكتئاب حاد، بدأ معها منذ قتل زوجها صدام كامل، وأشتد بعد 2003 فلا داعي لهذه الأوهام، لا رنا ولا هم يحزنون... فمتى صارت قائدة للعمليات. أرى ذلك كلاماً مخجلاً، وأن يصدر من رتبة عسكرية عليا" (القارئ علاء الجوادي، العدد نفسه).

ولمن لا يعرفها فرنا الابنة الثانية لرئيس النظام السابق، قُتل زوجها صدام كامل مع أخيه حسين كامل (فبراير 1996) ببغداد بعد الهروب مع ابنتي الرئيس، زوجتيهما، وقرأت عن أخبارها في أكثر من مكان، مثلما تفضل القارئ المذكور، وربما أقل وربَّما أكثر. فأي أمن وأي جيش هذا الذي تهزمه وتقود إرهابه فتاة لم تشف بعد مِن صدمتها الأولى، ثم ما حصل لأخويها وأبيها، ونذكر الحالة بهذه التفاصيل كي نرجو من الفريق الرُّكن، وما أكثر الفرقاء الأركان وهبات التيجان والسيوف والنجوم، أن يتنبه إلى فضيحة هزيمته على يد رنا. ولعله أخطأ بالاسم وكان يقصد شقيقتها الكبرى رغد صدام حسين، فهل هذا عذر في هزيمة المليون عسكري عراقي؟! فبدلاً مِن هذه التصريحات يجدر بالمسؤولين الاعتراف بالفشل والعجز لوقف سيل الدَّم.

لا تتصوروا أن الخصماء يلينون، وأنه مثلما عملتم لخطف السُّلطة من أيديهم، هم سيتعاملون مع مَن كان، مع أشرار العالم لإزاحتكم. نحن نقول ذلك لأنه منطق الأشياء. فسيبقى الدم القاني يسيل إذا لم تتحقق مصالحة صحيحة صادقة، لا مصالحة مع ذوات، مَن كان معكم أدخلتموه إلى نظامكم الجديد، بينما شرعتم تطاردون بالاجتثاث من تعاون مع الآخرين. فعجب لماذا البعثيون الذين دخلوا في سلك مكتب نوري المالكي، ودولة القانون أُبعد عنهم سيف الاجتثاث، بينما مَن دخلوا القوائم الأُخر ما زالوا يُطاردون بالاجتثاث؟!

هاكم قصة انتهازي دخل إلى العملية السياسية من بوابة علي بن أبي طالب، مع أنه كان من حاشية عدي صدام حسين (قُتل 2003) الصف الثَّاني لا الأول، وخرج لشأن معلوم بين الناس، وهو خدمة النظام السابق، وبعد سقوطه صار دعوياً علوياً مخلصاً، وأخذ يدعي أن المخابرات السابقة كانت تطارده لإخلاصه للإمام علي ولكتابته عنه، ليجد نفسه أحد المقربين من الدعوة، وعضواً في البرلمان على حساب دولة القانون، من دون فوز بأصوات! وصحف النظام الجديد أخذت تحتفي بإخلاصه الشيعي المزيف بعرض إعلامي، وهو الذي استبدل بين ليلة وضحاها ولاءه البعثي بالولاء الشيعي، وصار يتحدث بالحلال والحرام، وينحاز إلى تأييد إلغاء المهرجانات الفنية! مثل هذه الممارسات لا تُحسب على المصالحة، إنما تزييف للمصالحة، ولم يعد أحد يُصدق خطابات المالكي وهو يتحدث عن الإنجازات وعن الوحدة الوطنية.

كذلك فإن إبعاد القوى السياسية الأُخر، التي فازت في أكثر من المناصفة، ومحاولة التآمر عليها بالبذخ والترهيب، وإشهار سيف القضاء الأعلى عليها قضى على الأمل في المصالحة. وفي تسييس القضاء، فإن الاجتثاث لا يصيب قضاة مطيعين، بينما اجتث المئات ممن هم أقل درجة في البعثية، وخدمة النظام السابق.

سيبقى الدم القاني يسيل، ولا تهتز قصبة المسؤول عن الأمن، إنما الاكتفاء بتوجيه الاتهام إلى "القاعدة" وفلول النظام السابق. إن أية مجزرة من هذه المجازر التي تتكرر يومياً، ومهما كانت الأسباب، هي في ذمة رئاسة الوزراء، فهي المسؤولة عن حماية الناس. لو كان هناك شعور بالمسؤولية لقدم هؤلاء استقالاتهم، ومن المخجل أن يتحصنوا بالخضراء، ولا يخرجوا إلا بمئتي سيارة حماية، ويتسترون على الفاسدين وعلى قاتلين، بل لم تكن لهم خبرة في إدارة السلطة أكثر مما ورثوه من السابقين.

أين التحقيق في قضية أمنية خطيرة مثل استيراد أجهزة الكشف عن المتفجرات مِن بريطانيا، التي حلت محلها أجهزة فاسدة، شأنها شأن كميات الشاي الفاسد، وصفقات الأسمنت من الشركات الإيرانية، التي تُمنح الموافقة على دخولها بعد استعمال الإسمنت غير الصالح بشهور؟!

لقد وجبت استقالة المالكي، واستقالة العشرات من الرُّؤساء، مِن بعده، إذا استمر الدم القاني يسيل. فهناك أزمة خانقة والمالكي وحزبه عاجزان عن التعامل معها.

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com