تركيا والنزوح السوري

بقلم: مصطفى إسماعيل

مشهد المئات من النازحين السوريين وهم عالقون على بوابة السلامة الحدودية التابعة لمدينة أعزاز السورية الشمالية المحاذية لتركيا قبل فترة، بانتظار تمهيد الحكومة التركية لمعسكر جديد لموجة النازحين الجدد، أصبح مشهداً مألوفاً للرأي العام العالمي، وهو مشهد تلى الغارة الجوية لطيران النظام على مدينة أعزاز التي قضى فيها العشرات من المدنيين العزل، بينهم رضع.

تركيا كانت القبلة الأولى لموجات النزوح الجماعي للسوريين الفارين من ماكينة القتل والإرهاب العائدة لنظام بشار الأسد، بعدما تحولت المناطق المتاخمة للحدود التركية مسرحاً للعمليات العسكرية القمعية للنظام، وتالياً مسرحاً للقتال بين جيش النظام والمجموعات المسلحة وعلى رأسها الجيش الحر، وكانت الأعداد الأولى من النازحين قد توجهت إلى تركيا في شهر أبريل 2011 وكان جلهم من محافظة اللاذقية.

شجع السوريين على النزوح إلى الأراضي التركية بداية تصريحات ومواقف الساسة الأتراك وفي مقدمهم رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان الايجابية من ثورة الشعب السوري، وقد وصل الأمر بالمتظاهرين السوريين في بعض مناطق البلاد إلى حمل العلم التركي وتوجيه الشكر إلى رئيس الحكومة التركي، وقد أوسعت تركيا على أراضيها لآلاف اللاجئين السوريين، بينهم مئات الضباط والمجندين المنشقين، ولمعارضة النظام السياسية، وللعديد من الأنشطة المعارضة بدءاً من مؤتمر انطاليا في يونيو 2011 وليس انتهاء باتخاذ المجلس الوطني السوري تركيا المقر الأساس لأنشطته المعارضة.

في الآونة الأخيرة بدأت الحكومة التركية بالتململ من تزايد أعداد النازحين، تكثفت إثر ذاك مطالباتها ومناشداتها لشركائها الدوليين بالتدخل لفرض منطقة حظر جوي يمكنها من إقامة معسكرات للنازحين على الأرض السورية، وهو ما لم تتم تلبيته إلى اللحظة، وأسهم في وضع الحكومة التركية عقبات وعراقيل أمام موجات النزوح إلى درجة أن الجراح الفرنسي جاك بيريه - العائد من سوريا مؤخراً وعبر الحدود التركية السورية - يقول أن القوات التركية غمرت منطقة ريحانلي الحدودية مع سوريا بالماء للحيلولة دون عبور اللاجئين السوريين إلى أراضيها.

المؤكد أن بإمكان تركيا – نظراً لإمكاناتها الاقتصادية والمساحة الجغرافية وعلاقاتها الحسنة مع المجتمع الدولي، استيعاب المزيد من اللاجئين، لا الفرملة عند حدود الـ 100 ألف لاجئ، والتباكي على المجتمع الدولي ومجلس الأمن ونشدان التدخل والمساعدة، لهذا فإن تلكم المناشدات التي تطلقها وتنصب على ضرورة فرض حظر جوي على سوريا لتسهيل إقامة معسكرات النازحين على الطرف السوري من الحدود هو غير منطقي ومثير للشبهات، إذ أن الجيران الآخرين لسوريا (لبنان، الأردن، إقليم كردستان) وترتفع لديهم أعداد النازحين بشكل يومي أيضاً لم يطالبوا بإقامة مناطق حظر، بل يطالبون الأمم المتحدة بمساعدتها، ولزام على الحكومة التركية التحمل مثلها، كون مواقفها وتصريحات قادتها كانت تعني للسوريين الفارين من بطش النظام المزيد، لا استغلال محنة النازحين السوريين وتطويعها لصالح رؤاها وتصوراتها ومخططاتها السياسية واعتبارات أمنها القومي.

ندرك أن لكل دولة في الفضاء الجيوسياسي طموحات ورؤى ومخاوف، ومنها تنطلق تركيا في ترتيباتها المتعلقة بالشأن السوري، وهذا يعني لنا أن ليس كل المقاربات التركية هي إنسانية صرف بالضرورة، ولكن لا يملك السوري النازح المزيد من الخيارات.

السوريون محكومون بهذا الجوار الجغرافي، وليس بمقدورهم القفز فوق هذا الجوار سعياً للوصول إلى دول أخرى، والرهان الأول والأخير لعشرات الآلاف من النازحين بداخل وخارج البلاد هو سقوط النظام مع رأسه، ليتمكنوا من العودة إلى دورهم ومساكنهم.

مصطفى إسماعيل