في الإمارات: لا نريد الإخوان المسلمين، لأننا كلنا إخوة وكلنا مسلمون

بقلم: حمد ماجد الحمادي

ما لا يعلمه البعض أن المجتمع الإماراتي بحمد لله تعالى أنظف بكثير فكريا واعتقاديا، وكذلك أكثر تدينا من منسوبي الإخوان المتأسلمين. هذه الـمُسـَلَّمةُ والقضية يحاول الإخوان المسلمون - من خلال وسائل إعلامهم – طمسها، بل عكسها وقلبها، وإظهار المجتمع الإماراتي بمظهر المفلس فكريا، المنحل دينيا واجتماعيا، لأن هذا الإخونجي لا يمكنه العيش والحراك سوى في المجتمعات الفقيرة فكريا وثقافيا، ولا تروج له سلعة إلاَّ باتِّهام كل من ليس من جماعته بأنهم خارجون عن منهج الله. ثم ينطلق بعد ذلك في ممارسة هواية الترويج لأجنداته الحزبية واستقطاب الآخرين إليها تحت مسمى الدعوة إلى الإصلاح، ومن ثم يظهر هذا الإخونجي بمظهر المتدين، المصلح، صاحب الفكر الإسلامي الصحيح.

والحقيقة أن الأمر خلاف ذلك. فالمجتمع الإماراتي إذا كان قد عانى في التاريخ الماضي من شيء، فإن معاناته لم تكن في يوم من الأيام دينية أو فكرية، أو بسبب خلل اعتقاديي أو عقائدي. فساكنو الساحل الإماراتي بجميع قبائله وأفراده لم تكن معاناتهم سوى في التفرق والاختلاف، وقلة الموارد الاقتصادية ما جعلهم في كثير من الأوقات والحقب المختلفة بحاجة للبحث عن لقمة العيش ومكابدة شظف الحياة.

أما الجانب الديني والفكري، فقد كان ابن الإمارات من أصح وأنظف الناس دينا وفكرا واعتقادا. الإنسان الإماراتي ممن آمن بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا... آمن بأن الله ربه، فهو خالقه، وهو رازقه، وهو الذي يدبر أمره، وبيده الرزق والإنعام، وبيده الفضل والإكرام، ولأجل ذلك يحدث في يوم من الأيام أن أحدا من أفراد المجتمع الإماراتي كان يرجو الغيث والمطر والرحمة من غير الله، بل القلوب والألسن دائما تلهج بـ "يا الله"، وإذا اشتدت سنين القحط والجدب تجد الكبار والصغار والكهول والعجزة والشيوخ يخرجون من البنيان إلى المصليات في ضعف واستكانة لربهم ومولاهم، يصلون صلاة الاستسقاء، يستغيثون الله أن يمطرهم، وكان لصدق نواياهم وتقرّبهم لله يمطرون بفضل الله ورحمته، لم نعرف أحدا ممن أدركناهم من أهل الإمارات يلجأ لأحد دون الله، فيرجوه أو يدعوه أو يستغيث به، أو يعبده، بل الجميع مفطور على إخلاص الوحدانية والدين لله.

أما الإخوان المتأسلمون فانحرافهم الفكري في هذا الباب ناتج عن الجهل بالدين الإسلامي الصحيح. فالمؤسس لحركة الإخوان كان ملوثا بالانحراف الفكري الذي يعتري الجهلة والبسطاء، فقد كان صوفيا حسب الطريقة الحصافية، وكان يعتقد حضور النبي صلى الله عليه وسلم بذاته وشخصه وروحه في المولد حين الاحتفال! ويدَّعي أنه عليه الصلاة والسلام يغفر ذنوب جميع من حضر المولد!

وكان بنفسه يقود الفرقة الإنشادية قائلا:

هذا الحبيب مع الأحباب قد حضرا *** وسامح الكلّ فيما قد مضى وجرى

لقــد أدار علـى العشّاق خمرته *** صرفا يكاد سناهـا يذهب البصرا

يا سعد كرّر لنا ذكــر الحبيب لقد *** بلبلت أسماعنا يــا مطرب الفقرا

ومــا لركـب الحمى مالت معاطفه *** لا شكّ أنّ حبيب القوم قد حضرا

أليس هذا الاعتقاد بأن النبي صلوات الله وسلامه عليه بعد مماته يرجع ويحضر الموالد ويغفر ذنوب من حضرها؛ انحراف فكري كَرَّم الله عنه الإنسان البسيط من أبناء الإمارات بحمد لله وفضله، ومجرد حكايته تكفي عن نقضه وهدمه.

وأما دين أهل الإمارات، فهو الدين الإسلامي النظيف من أي عبث أو فكر منحرف، فهو العمل بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومكانة الدين الإسلامي من الدستور - الذي وضعه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان رحمه الله - كما ورد في المادة السابعة: الإسلام هو الدين الرسمي للاتحاد، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع فيه.

في مصر على سبيل المثال قديما في عهد ما يسمى "قبل الثورة" وحديثا في ظل الهيمنة الإخوانية؛ ما زال الخلاف محتدما إلى اليوم حول حلم الوصول إلى هذه المكانة التي وصلت إليها الشريعة من الدستور الإماراتي، فالمادة الثانية من الدستور المصري تنص على أن "مبادئ" الشريعة هي المصدر الرئيس للتشريع.

أما جماعة الإخوان المتأسلمين متمثلة في حزب الحرية والعدالة فلا تهتم كثيرا بهذه المادة ولا توليها كبير اهتمام، فهي متفقة مع القوى المدنية من الليبرالية والاشتراكية للإبقاء على نص مادة الدستور كما هي عليه، وذلك لأمرين اثنين:

الأول: أن الجماعة – منذ القديم – لا تولي الشريعة الإسلامية كبير اهتمام، و شعار "الإسلام هو الحل"، أو شعار "الدعوة إلى تطبيق الشريعة" عندها لا يساوي قيمة الورق والحبر الذي كتب به ما جعله فارغ المحتوى، فالتركيز الأساسي لهم ينحصر في كرسي الحكم والسياسة، ولأجل الوصول لهذا الهدف لا بد من اتهام المجتمعات بالانحلال والبعد عن منهج الإسلام، ومن ثم رفع هذه الشعارات بغرض خلق مساحة للعمل الحزبي، واستغلال الشعار من أجل العمل لزيادة القاعدة العددية للحزب، ومن ثم الوصول إلى كرسي السلطة واتخاذ القرار، أما تطبيق الشريعة فهم أسرع وأول المتنازلين عنه إذا تحقق لهم هدف الوصول إلى السلطة.

الأمر الثاني: أن كل ما يخالف الشريعة الإسلامية من النظم والقوانين يمكن للإخوان المتأسلمين تشريعه وأسلمته من خلال العبث بالدين، ومن خلال المصلحة والمفسدة، ومن خلال ما يسمى بروح الشريعة الإسلامية، فكل ما وافق مصلحة الحزب الإخواني يمكن تحويره بطريقة أو بأخرى على أنه من الدين والشريعة، وفي المقابل : كل ما خالف المصلحة الإخوانية يجردونه من شريعةً الإسلام. فالقتل، والاغتيالات - على سبيل المثال - وكذلك الإرهاب المحرم في جميع الملل والشرائع درج الإخوان على أسلمته، بل حتى الربا الذي اتفقت جميع المذاهب الإسلامية على تحريمه، أفتى الإخوان بأسلمته ومنهم د. يوسف القرضاوي في شراء البيوت الأميركية بالربا، باسم المصلحة والحاجة والضرورة، وكما يفعله المتحمسون لحكومة الإخوان اليوم حينما يقرر أحدهم أن القرض المصري من البنك الدولي ليس ربا، هذه الفتوى التي أضحكت جميع الربويين وأرباب المال أنفسهم.

والمضحك المبكي في الوقت نفسه أن استنكارهم لما أسموه الرقص، والديسكو، والغناء الماجن والقبيح، استبدلوه بالغناء والرقص والديسكو الإسلامي وقد أقرّ ذلك حكيم الإخوان المسلمين: حسن الترابي!

وإذا وصل التلاعب بالدين والإسلام إلى حد النفس والمال، وتحريفه لأجل المصلحة فعلى هذه الشريعة السلام. وحقيقة هؤلاء الإخوان المتأسلمين اليوم من خلال تلاعبهم بالشريعة: أنهم غدو فراعنة باسم الدين، وقولهم هو ما قاله الفرعون الأقدم : ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد.

فهؤلاء فراعنة باسم الإسلام.

الحاصل أن الفكر الإخواني ما يزال متخلفا، بعيدا عن المبادئ الحقة للدين الإسلامي، وأغلب مواد هذا الفكر هي نتاج حزبي يهدف بالدرجة الأولى إلى تأسيس تنظيم سياسي عالمي يسعى للاستحواذ على أنظمة الحكم والتمدد في العالم العربي والإسلامي، وما يُطلقه هذا التنظيم من دعاوى الإصلاح وغيرها هي شعارات جوفاء لاستعطاف البسطاء، وأكل ما في جيوب الأغنياء لدعم حزبهم السياسي.

المجتمع الإماراتي ليس بحاجة إلى الإخوان المتأسلمين، لأن الإماراتيين إخوة متحابون في الله، ومتحابون في المجتمع والوطن الواحد، الكل إخوة في الله، وليسو بحاجة إلى الأخونة.

والمجتمع الإماراتي أنظف بكثير فكريا، ودينيا، وثقافيا، وتراثيا، من فكر مؤسس الإخوان المسلمين نفسه، أو من تعاقب على إدارة هذا التنظيم إلى اليوم، وجميعنا في هذا المجتمع نتعاون في إصلاح أنفسنا، وبيوتنا، وأبنائنا، وإخواننا، ومجتمعنا، ونتعاون مع ولاة أمرنا في ترسيخ دعائم الاتحاد والمحافظة على مكتسباته، والرقي بهذا الوطن وإعلاء شأنه في جميع المجالات، فلسنا بحاجة إلى أن يصدّر لنا الإخوان المتأسلمون انحرافاتهم الفكرية، وعقائدهم الدينية باسم الإصلاح أو تحت أيِّ اسم كان.

وجميعنا في المجتمع الإماراتي مسلمون، ندين بالإسلام، ونعمل من أجل تطبيقه وتحقيقه، فليس بيننا تمييز.

نحن مجتمع له خصوصيته وله بعض مشاكله ولكننا داخل البيت الإماراتي أخبر من غيرنا بطريقة العلاج، وطريقة التصحيح، ولا نحتاج لتعلّم ما يسمى بالتصحيح والإصلاح من منظمة هيومن رايس، ولا الإخوان المتأسلمين، أو أي جهة خارجية، فأهل مكة أدرى بشعابها، وستبقى الإمارات بإذن الله يدًا واحدةً حكومةً وشعبًا متكاتفين، متحابِّين، مجتمعين على قلب رجلٍ واحدٍ، متعاونين على كل خير، واقفين بكل حزم أمام كل من يريد المساس بأمن هذا الوطن، وسلامته، واستقراره، والعبث بمقدراته تحت أيِّ شعار كان.

حمد ماجد الحمادي

كاتب من الإمارات