جيل فريد ولكن.. بلا مَلامِح

بقلم: مصطفى القرة داغي

تُعَد الفترة الزمنية التي تفصل بين نهاية الستينات وبداية التِسعينات مِن القرن المُنصرم فترة زمنية شديدة التعقيد، فقد شهدت تحولات كبيرة على مُستوى السِياسة والفِكر والإقتصاد والتكنلوجيا، ألقَت بظلالها على الجيل الذي وُلِد ونشأ بتلك الفترة، جيل وُلِد في نهاية الستينات وبداية السَبعينات وعاش طفولته وشبابه مِن مُنتصف السَبعينات حتى نهاية الثمانينات وبداية التِسعينات، وقد أثّرَت هذه التحَولات على تركيبة هذا الجيل الفِكرية والنفسية والإجتماعية في كل العالم، كما لعِبَت دَوراً كبيراً برَسم صورته التي كانت ولاتزال مُشَوشة وغير واضِحة المَلامِح خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط والدول العربية تحديداً، صورة سَنُحاول في هذا المَقال توضيحها بَعض الشَيء.

إن أبرز إشكاليات هذا الجيل هي أن وَعيه لم يتبلور بشكل كامل، بالتالي لم يُنتِج رؤية واضِحة يَسير عليها وتمَيّزه عَن غيره مِن الأجيال، لأنه تأثر بالأجيال التي سَبقته والتي تلته سَلباً أو إيجاباً أما هو فقد أنعدم تأثيره على مَن سَبقه أو تلاه. فقد تنسّم لقاح أفكار الجيل الذي سَبقه، جيل الزمَن الجَميل والقراءة والأفكار التقدمية التحررية لكن دون أن يتحَزّب لفِكر سياسي مُعين، لذا تمَيّز النصف الأول مِن أعمار أبنائه بروح ليبرالية جَميلة تفتقدها الأجيال التي سَبقته والتي تلته، كان جيلاً مُتسامِحاً مُتحرراً مُحِبّاً للحياة ببساطة دون تعقيد ومُبالغة الجيل الذي سبقه، لكنها للأسف روح لم تدُم طويلاً إذ سُرعان ما عَكّر صَفوَها ظهور مَوجة تأسلم أجتاحَت الشارع العربي في تسعينات القرن الماضي أكتسَحَت بسيولها شرائح واسعة مِن هذا الجيل، وكان السَبب الرئيسي بظُهورها وتفشّيها دَعم الغرب لقوى الإسلام السياسي لكبح جماح الشارع العَربي الذي كان أما يسارياً أو قومياً، ولمواجهة المَد الشيوعي الذي بدأ يقترب مِن مَنابع النفط في الشَرق الأوسط. فجاءت الثورة الإسلامية بإيران، ثم طالبان والقاعدة بأفغانستان وحِزب الله بلبنان، وإستيلاء حِزب الدعوة وحلفائه مِن قوى الإسلام السياسي على حُكم العراق، ومؤخراً تطور الأمر لتحالف غَربي مُخجل مَكشوف مَع قوى الأسلام السياسي لتمكينها مِن الإستحواذ على الحُكم في المَنطقة العَربية عِبر إفتعال أحداث ظاهِرُها "رَبيع عَرَبي" وباطِنُها "خريف عَرَبي" بحُجّة المُطالبة بالحقوق والحُرّيات. فإذا بغالبية هذا الجيل وبَدلاً من أن تقِف سَداً مَنيعاً بوَجه هذه الأفكار وتحافِظ على ليبراليته وإعتِداله، تركبُ هذه المَوجة الدخيلة.

طَغَت في العَقدين الأخيرين ظاهِرة تأسلم مُفتعَل تبدوا على هذا الجيل بشكل أوضَح مِن غَيره لأنها ليسَت أصيلة في فكره وتركيبته الإجتماعية، فداخِله مُتحرر عَقلاني يَحمِل التدين التراثي المُعتدل، وركوبه هذه المَوجة أربك تدَيّنه المُعتدل الجَميل وشوّهَه، فبَعد أن كان أبناء هذا الجيل واعُين لحَقيقة أن التدَيّن علاقة بين الإنسان وربّه وبأن أداء الفروض الدينية أمر يَخُصّ الأنسان وحدَه ولاعِلاقة له بحياته وبصَيرورة المُجتمع وعلاقاته العامة، وعاشوا نصفَ أعمارهم يُمارسون هذه الحقيقة في حياتهم اليومية، باتوا في السَنوات الأخيرة يَتباهون ويُجاهِرون بالتديّن وأداء الفروض الدينية بمُناسبة وبدونها حتى وإن لم يَسألهم أحَد عَن ذلك، وكأنهم يُريدون أن يقولوا للآخرين أننا مُتدينون نصوم ونصلي، ولا أدري ما دَخل الآخرين بهذا سَواء مَن يَعيشون مَعَهم يومياً أو يتواصلون مَعَهُم عِبر مَواقع التواصل الإجتماعي التي باتت هذه الظاهرة واضِحة فيها، وهذه اليوم هي مِن أبرز سلبيات هذا الجيل التي تعكِس عَدَم وضوحه وارتباكه.

مِن ناحية أخرى فإن أهم صِفة لهذا الجيل هي أنه جيل إعتدال بَين جيلين. بين جيل سَبقه كان مُفرطاً برومانسيته ومِثاليته حتى بالأوقات التي تحتاج مِن المَرء أن يكون فيها واقعياً لذا لم يَعِش الواقع ولم يُحسِن التعامُل مَعَه ولا تزال شَريحة واسِعة مِنه حَتى اليوم مُؤدلجة برؤى وأفكار لا تريد مُغادرتها رغم ثبوت فشلِها إما خجَلاً مِن عُقود قضَتها مُؤمِنة بهذه الأفكار أو عِناداً مَع مَن يَختلف مَعَها فيها، وجيل تلاه مُتطَرّف بماديته ومُفرط بواقعيته لا علاقة له بالمُثل والأفكار والآيديولوجيات يَعيش الواقع بأبشع صوره ويَتصارع مَع أحداثه اليومية ليَكسَب أكثر ويُصبح أغنى في صِراع مُقزز مِن أجل البقاء. بَين جيل حَوّل أوطانه الى ساحة حَرب وصِراعات لأفكاره وآيديولوجياته الثورية بَين شيوعية وقومية وبعثية وناصرية وأرخ لبداية نهاية الكثير مِن الدول العربية كأوطان ومُجتمعات فتيّة كانت تسير في طريق التمَدّن والتحَضّر، وجيل دَمّر ما تبقى مِن هذا البلدان والمُجتمعات وحَوّلها لغابة وحوش ضارية ينهش أحدها الآخر كما في العراق الذي بات فيه الأخ يقتل أخيه من أجل المال والجار يقتل جاره لأن أسمَه عُمَر أو عَلي حتى باتَ العراق مَقبَرة كبيرة لأرواح وأحلام وآمال ما كان يُسمّى يوماً شَعب العراق. بَين جيل أفرط بعَلمانيته وشطَح برؤاه وتحليلاته لأبعاد لم تراعِ طبيعة المُجتمع ولم تُحسِن التعامل مَعَها بعَقلانية، وجيل مُتطرف بطائفيته ولا نقول تدَيّنه يُكفر مَن يَختلف مَعَه بسَبب ظروف شاذة إستثنائية عاشَها خلال العَقدين الأخيرين. بَين جيل كان مُحِباً عاشِقاً لأوطانه لكنه كان يَسعى أما لأمَميّة عالمية ومنارته أتحاد ستالين السوفيتي وتجربته الأشتراكية أو لأمة عَربية ومَنارته جُمهورية ناصِر العَربية المُتحدة، وجيل يَسعى لدولة إسلامية أو شيعية أو كردية أو سنية أما الوطن فآخر أولوياته. طبعاً الأوصاف التي تُطلقها في هذا المَقال على هذا الجيل والأجيال التي سَبقته وتلته نِسبية ولا تنطبق على هذه الأجيال بالمُطلق فلكل قاعِدة شَواذ وإستِثنائات، ولكننا نتحدّث عَن الأعَم الأغلب.

إن أجمل ما يُمَيّز هذا الجيل هو أنه جيل عابر للأزمان، فهو ربما الجيل الوحيد الذي بأمكانه الإستماع لفرانك سيناترا ومايكل جاكسون وانريكو اغليسيس وأن يطرب لهم جميعاً، ومشاهدة أفلام "موسيقى المدرسة الثانوية" و"صوت الموسيقى" و"غريس - شحم" والإستمتاع بها جميعاً. جيل لعب الألعاب الشعبية كما لعب الليغو والأتاري والبلاي ستيشن، جيل فتح عينيه على أفلام الرسوم المتحركة لميكي ماوس والأميرة النائمة لوالت ديزني وعاصر غرندايزر وسندباد والليدي أوسكار والغواصة الزرقاء وتوم آند جيري ويشاهد اليوم شبون شبوب مع أولاده، جيل فتح عينيه على النتاج الفني والثقافي الأسطوري لأساطين الفن والثقافة في القرن العشرين وعاصَر البَعض مِنهم ويشهد اليوم ولادة جيل جديد من الفنانين والمثقفين ويحاول التعايش والتأقلم معهم ومع نتاجاتهم، جيل جَمَع الكثير مِن التناقضات في جُعبته السِحرية العَجيبة.

أنه جيل وسط بين جيل الصُقور وجيل الطيور المُدَجّنة، فهو واقعي عَمَلي ولكن بنفس الوقت لديه مثل وقيم لا زالت تتحكم بالكثير مِن قراراته وتصَرفاته، جيل لم يُغرق نفسه في مثاليات وشِعارات لا تشبع جوعاناً ولا تكسي عَرياناً ولا يَصلح الكثير منها سوى لتعليقه على الحيطان أو رفعه بالتظاهرات كحال الجيل الذي سَبقه والذي كان ولايزال يعيش خارج الزمن وأضاع عُمره وأعمار الأجيال التي تلته ولايزال، في نفس الوقت نراه لم يَنغمِس في ماديات الحياة كحال الأجيال التي تلته والتي تحسب كل شيء وفق سِعر صَرف الدولار ولا تقيم إعتباراً لقيَم الحياة ومُثلها الجميلة التي أعطت في الماضي للحياة وللإنسان قيمة لم تعد موجودة في هذه الأيام. جيل كان مَحظوظاً بكونه قد لحِق في طفولته وشبابه بنهايات الزمن الجميل الأنيق فأخذ من أناقته وتلقح بأفكاره وتنسّم أجوائه الفنية والثقافية الجَميلة، وفي نفس الوقت كان تعيساً بكونه قد عاصَر بدايات الزمن الرديء القبيح ومَكتوب عليه أن يعيش حاضِره ومُستقبله بأجوائه الشاذة الغريبة المُشَوّهة. أنه جيل مشوش الفكر والتفكير، متذبذب القيم، مَجهول المَصير، بلا مَلامح واضِحة مُؤثرة ترسم صورته أمام الأجيال الأخرى التي وللمُفارقة فهمها ولم تفهمه، وسَيبقى الى حين لغزاً غامِضاً عَصِيّاً على الفَهم للكثير مِنها، فقد فهم الأجيال التي سَبقته وتأثر بها وأخذ مِنها وهو يَفهَم اليوم واقع الأجيال الحاضِرة ويحاول التأثير فيها قدر إستطاعته.

ختاماً يبقى السؤال الأهم هو.. هل سيَصحو هذا الجيل مِن غفوته ومِن دوامة الحياة التي تتلاطمه أمواجها مُنذ سنين قبل فوات الأوان؟ فالزمان يَمضي، وهو اليوم جيل الآباء وبعد سَنوات سَيُصبح جيل الأجداد ثم سَينتهي دوره في الحياة دون أن يَترك إرثاً فكرياً وثقافياً ليَستفيد مِنه جيل الأبناء والأحفاد، وليُعينهم على مُواجهة أزمنتهم القادمة التي ستكون أصعَب بكثير من زماننا الحاضِر. لذلك على هذا الجيل أن يأخذ زمام المُبادرة وأن يَعمَل على إعادة رسم صورته مهما كانت مَلامِحها وبالتالي الوقوف على أرض صَلبة تُعينه على لعب ما يُمكن أن نعتبره دوراً تاريخياً فريداً بتغيير طبيعة المُجتمعات التي نشأ وعاش فيها، وذلك بأن يَكون حلقة وصل وهو بالفعل كذلك بين أجيال سَبَقته وأخرى تلته لا يُمكنها بأي حال مِن الأحوال التواصل فيما بَينها وبَين بَعضها دون مُساعدة هذا الجيل الذي يَملك وحدَه مفاتيح وأحاجي التواصل بين هذه الأجيال، التي تفصل بينها هُوة عَميقة شاسِعة مِن الاختلافات في الأفكار والعادات والنشأة الإجتماعية، وهذا الجيل هو الوحيد القادر على رَدم هذه الهوّة وإصلاح وَضع هذه المُجتمعات وإعادتها الى وَضع طبيعي نسبياً مُقارنة بالأوضاع الشاذة التي تعيشها اليوم.

مصطفى القرة داغي

karadachi@hotmail.com