السياسات الإعلامية... تحدًّ جديد أمام دول العالم

العلم لا يبنى على العشوائية

القاهرة ـ تمثل إدارة السياسات الإعلامية تحديا جديدا أمام دول العالم، فدول المستقبل لن يكون لها وجود حقيقي دون أن تكون لها سياسات إعلامية، وفي هذا الاتجاه يوجد مؤلفات عديدة باللغة الإنجليزية، أما باللغة العربية فلا يوجد مؤلف محدد في هذا الاتجاه، فقط مؤلفات في الإعلان وأسسه، في الاتصال الجماهيري، الإعلام ومعالجة الأزمات إلى غير ذلك، من هنا تجىء أهمية كتاب االسياسات الاعلامية الدولة المؤسسة الفرد الصادر عن دار أطلس للنشر في القاهرة والذي يستعرض فيه الدكتور خالد عزب الخبرات المتراكمة لجهود العديد من المؤسسات في هذا المجال وكان أكثر تحديدا لمسألة إدارة السياسات الإعلامية.

إن هذه الإدارة هي فن من فنون الدبلوماسية شديدة التعقيد والتركيب، إذ هي تجمع بين توازنات داخل المؤسسة قد تتطلب في وقت ما كبح جماح التوجه نحو الإعلام بسرعة غير مطلوبة من بعض إدارات المؤسسة، وفي وقت آخر حث وإقناع بعض الإدارات على التوجه نحو الإعلام وتلبية متطلباته، كما أن هذه الدبلوماسية قد تمارس داخل الدولة وخارجها، إذ من المطلوب تكثيف المادة الإعلامية التي قد يجري بثها للوسائط الإعلامية المختلفة، أو التقليل من حجم هذه المادة، لكن متى يتم هذا ومتى يتم ذاك، لا شك أن ذلك يتطلب قراءة جيدة يومية من شخص ما للحياة السياسية والثقافية والأحداث الجارية، حتى يتسنى لهذا الشخص اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.

ثم يلي هذا نوع المادة التي ستقدم للجمهور من خلال العديد من الوسائط الإعلامية التي أصبحت من الكثرة بحيث قد تربك الشخص المسئول، لكن هنا يبقى الفيصل هل حدد هدفه؟ هل حدد نوعية المادة؟ هل حدد وسيلة الاتصال المناسبة؟ هل يستخدم كل الوسائط أم بعضها؟ المهارة التامة تكمن في استخدام كل الوسائط لكن الاكتفاء بوسيط دون الآخر قد يضعف أداء الإدارة، فالاتصال المباشر وهو أقدم الوسائط التي عرفها الإنسان لا يزال أكثر الوسائط فاعلية وأكثرها صعوبة، لأن فيه إما أن يفقد المتصل به إلى الأبد، أو يكسبه إلى الأبد؟!

هنا يبرز الإقناع ولغة الحديث ولغة الخطاب كوسيلة من وسائل الإعلام، في عصر السماوات المفتوحة والإنترنت، قد يبدو مستغربا أن العديد من المؤسسات بل حتى الحكومات تلجأ إلى الاتصال المباشر بالجماهير، لأن العلاقة المباشرة تحمل حميمية التواصل الإنساني، حتى الولايات المتحدة الأميركية واليابان تلجأن إلى مثل هذا النوع من الدعاية، فالولايات المتحدة لديها برنامج الزائر، حيث تستضيف من خلاله أحد الأشخاص المرشحين في بلد ما للصعود السياسي أو الثقافي أو الإجتماعي لزيارة الولايات المتحدة لمدة شهر، ليبهر ببلد العام سام، وقد تم من خلال هذا البرنامج استضافة شخصيات تبوأت مناصب عليا فيما بعد في بلادها سواء من أوروبا أو إفريقيا أو آسيا أو أميركا اللاتينية، الملفت للنظر عند حديثي مع العديد من الأشخاص سواء من مصر أو من دول أخرى ممن استفادوا من هذا البرنامج، أن كل فرد منهم أعد ملف مسبقا عنه، حدد من خلاله ميول وأهواء هذا الشخص وما يحبه وما يكرهه، بحيث تخطط الزيارة وفق هذه الدراسة التي هي في جانب منها لها بعد نفسي وآخر انثروبولوجي، وقال المؤلف: لكي أوضح الجانب الأخير، فلا بد وأن أنبه له، فلا يستحسن أن تدعو شخصا من بلد مسلم لديسكو، في حين من المحبب أن تجعل زائر أوروبا ينبهر بالحداثة في مجال التكنولوجيا، على حين يجب أن ترى صينياً ذا تراث عريق متحف المتروبوليتان، في جانب آخر تقدم الولايات المتحدة نفسها على أنها أرض للتعايش الحضاري بين ثقافات متعددة، ولا مانع هنا من زيارة ناسا أو مفاعل نووي أو مشاهدة مترو لوس أنجلوس أو وادي التكنولوجيا في كاليفورنيا أو مصانع بيونج للطائرات مع العروج على البيت الأبيض ومكتبة الكونجرس، المهم في نهاية الأمر أن يتم غرس نوع من الحب والانبهار، وتركك وقد إقتنعت بعظمة أميركا أم الدنيا المعاصرة .

الملفت للنظر في مثل ترتيب هذه الزيارات أن المرافق للزائر، يحمل بتعليمات تتوافق مع طبيعة الزائر، بل قد تكون تركيبته الشخصية أو كيمياؤه النفسية تتكامل معه، لكي يتحول الاثنان إلى أصدقاء، هكذا تنشيء الدول العظمى لها أصدقاء في مختلف أنحاء العالم .

في عصر الرئيس جمال عبدالناصر، كان طلبة المدارس والعامة من الشعب لديهم حالة إبهار بكاريزما الزعيم، لذا كان يرسلون له طالبين صورة شخصية منه، سرعان ما يقوم مكتبه بإرسالها ممهورة بتوقيعة، تخيل طفل في نجع في صعيد مصر في منطقة منسية مهملة، تصله فجأة أمام أهل قريته رسالة من رئيس الجمهورية، فيها صورة عليها توقيعه، كيف سيكون رد فعلها لدى أهل القرية، لاشك أنه سيكون كبيرا، بل ها هو تأثيرها لدى الطفل سيدافع عن عبدالناصر مدى الحياة، لذا لم أكن مستغربا أن أرى صورة جمال عبدالناصر معلقة في بعض المحال أو المنازل، لأن من أعدوا له صورته لدى الشعب أحسنوا وأدركوا أهمية الإقتراب من رجل الشارع.

هنا يجب أن ألفت الانتباه إلى الحضور الإعلامي، فهناك أشخاص ليس لديهم حضور إعلامي وآخرون تجذبهم الكاميرا، بل وآخرون يخطفون الكاميرا.. الفرق بينهم شاسع، لذا فمن المهم دراسة سيكولوجية الأداء الإعلامي وتجنب السلبيات الخاصة بضعف الشخصية أمام وسائل الإعلام.

إن تفهم طبيعة الجمهور المخاطب وسيلة أساسية من وسائل النجاح الإعلامي، بل نجد كثيرا من الساسة لجأوا إلى حيل عديدة لكسب الجمهور، فها هو نابليون عند غزوه لمصر يشهر إسلامه ويتبنى منشورات تدعو المسلمين في مصر لمساندته ضد الظلمة المماليك، ويحضر الموالد الإسلامية، بل نرى الرئيس السادات يبرع في هذا حين يرتدي أحدث الأزياء في القاهرة عند سفره خارج مصر، ويلبس الجلباب والعباءة في ميت أبو الكوم، فالأولى لديه طبقة وجمهور معين يتناسب معه البذلة ورابطة العنق المتناسقة معها وطريقة الإيليت في التعامل، والثانية كان لدى السادات فيها جمهور آخر يخاطبه هو جمهور الفلاحين والعمال وأهل المدن الصغيرة، الذي كان يهدف إلى إقناعهم بأنه واحد منهم يأكل البط والأوز في المولد النبوي على الطبلية، بل نشأ مثلهم، وأن لديه قيم الريف الأصيلة.

كان السادات رجل إعلام عشق الصحافة منذ صغره، لذا كان من المتوقع أن تستقل شخصيته عن محمد حسنين هيكل الإعلامي البارز الذي لعب دوراً كبيرا في صناعة صورة وشخصية عبدالناصر أمام الرأي العام المحلي والعربي الدولي. لعل هذا هو المنشأ الحقيقي للخلاف بينهما بعد العام 1973، على الرغم من كونهما صديقين، لكن السادات أراد أن يقدم نفسه برؤيته التي اكتسبها وبناها من عمله في الإعلام.

لكن في عصر الإنترنت والفضائيات والصحف الإلكترونية والتلفاز والمذياع وغيرها من الوسائط الإعلامية، هل يصلح أن يعتمد شخص على ذاته في صناعة صورته، أو تعتمد مؤسسة على فرد في تقديم صورتها، أو شركة على وكالة إعلانات ذات اتجاه واحد في تقديم منتجها، أو دولة على سياسات ثابتة في تقديم إنجازاتها، لاشك أن هذا لم يعد يجدي في عصرنا؟!

واضاف د. خالد عزب: من هنا جاء هذا الكتاب، لا أعرف هل ما أهدف إليه منه سيكون مؤثراً بصورة أو بأخرى، لكنها محاولة لعلها تكون مفيدة، ثم هل هناك أصلاً علم لإدارة السياسات الإعلامية، لعل هذا العلم موجود في الغرب وحوله دراسات وأبحاث، ولعلني هنا أحاول، وقد يكون هناك من حاول قبلي، لكنها كلها إسهامات أرجو أن تكون مفيدة.

لكن مثل هذا العلم لا يبنى على العشوائية بل يخضع لقواعد وخبرات متراكمة، لا تخرج في نهاية الأمر عن كونها تخضع للتخطيط وتعني به توظيف الإمكانيات البشرية والمادية المتاحة والتي يمكن أن تتاح خلال سنوات السعي من أجل تحقيق أهداف معينة مع الاستخدام الأمثل لهذه الإمكانيات، ويقوم على مجموعة عناصر: المدى الزمني، معرفة الواقع، تحديد الأهداف والوسائل، ويرتبط هذا المفهوم دائما بمفهوم السياسة، وإن كانت السياسة أوسع من الخطط فهي تحدد الأسس العريضة التي يتم في إطارها أوجه النشاط المتصلة بالتخطيط فتنفيذ السياسات من مهام التخطيط.