اللاهوت السياسي ... التكفير عن التكفير

بقلم: حسين ناصر الحسين الغامدي
تشدد ما زال متداولاً بانتظام

هناك من يزعم أنه يعتقد أن الجهاديين طاقة شريرة، خرجت من غيهب الضلال المُغرق في تاريخ الخوارج منذ أكثر من 1300 عام في محاولة أن يزيل عن نفسه أي تبعية تاريخية أو معاصرة، كنشأة النزعة التكفيرية في اللاهوت السياسي، و"إخوان من طاع الله"، وما سمي في آنه بالفتوحات، ثم صب الناس في قالب أئمة الدعوة السلفية المتشددة في مسائل إثبات الإيمان، والمتساهلة في الإخراج منه، وأرثهم الفقهي الذي يعتبر من أقوى الأدوات للاستغلال الديموغاجي، والذي أدى إلى كثير من الانتهاكات تحت بنود التصفية والنقاء العقدي. علاوة على ذلك أضحت تلك الأفكار بعد توافر المال النفطي سلعة قابلة للتصدير والمساومة خارجياً رغم كونها آلة خطرة، ولكنها ظلت سهلة السيطرة داخلياً، ولعل المتفحص يتبين له أن التاريخ المتوسط والحديث للجزيرة، أن التكفير قد بدأ فعلياً بالفتاوى الدينية السياسة، والتي اعتبرت العثمانيين كفاراً ومشركين لا ذمة لهم، فكان وما زال دأب هذه الفئة، تسمية مقاتلة القوي المتغلب فتنة وخروج، وعند تضعضعه يوصم هو بالكفر.

ينابيع التكفير والعنف

هنا ينبغي أن نُلمح الى أن التكفير يَنبعُ من الأفكار التصفوية الدينية الحاسمة والحدية التي مازالت متداولة بشكلٍ منتظم؛ وتبرز على شكل مقولات مثل: صفاء العقيدة، والولاء والبراء، ومحاربة البدع، وتبجيل الأئمة غير السلفيين والدعوة للاهتمام بقضايا الأمة الإسلامية، ونشر عقيدة السلف بالرجال والكتب والمال.

تعاميم وتعاليم، الأمن الفكري، الأمنية ضد التنوعية، ومسائل علمية شائعة حكم السفر لبلاد الكفار تهنئة الكفار تقليد لبس الكفار، وأفعال كمقاومة الآداب والفنون، ومقاومة حق المرأة الإنساني (نظامياً) باسم الشريعة، ومزايدات موسميه كتطبيق الشرع بحذافيره! والتي توحي بشمولية القرون الوسطى المظلمة أكثر من المتوقع بأنها رغبةٌ عَدليةٌ رحيمه جوائز (حفظ) السنة الصحيحة، وصبغ التدين الشعبي بالصبغة الرسمية، وهو تدين سَهل التوجيه والإثارة، تجاه المخالف فضلاً عن غير المسلم (الكافر) وذلك بإطلاق البرامج المتوالية والمركّزة التي تحرر مزيد من التشدد الاجتماعي حول فرعيات الخلاف الفقهي والمذهبي.

في الجانب القانوني هناك تضخيم للعقوبات في القضاء الشرعي؛ حتى انطبع لدى المجتمع أن الشريعة هي العقوبات القامعة، وأن المبالغة فيها زيادة تقوى وشرعية وحتى أن جودة القاضي التي يُعتمد عليها، هي في قسوته مع قضايا الشعب العامة والخاصة، ومدى نصوصيته، وكل تراخ عن ذلك هو ضعف في الشرعية، حتى ليخال للمراقب المتبصر أن القضاء وُجِدَ للقضاء على حقوقه لشدته المفرطة في استخدام قانون الطورائ الشرعي التعزيز.

وسياسياً استقدام الإسلام السياسي الحركي من الخارج نكاية في الحركات التقدمية، وتوطينه لُيديّن الثقافة فكرياً وميدانياً تمهيداً للمزيد من التخدير والتهميش والسلبية، ثم إنشاء إسلام سياسوي مضاد له في الداخل عبر التكفير والتخوين المتبادل! الخلع والعزل باسم الدين، وعلماء الفتوى في المجموعة القرابية النموذجية.

اجتماعياً إنشاء مؤسسة دينية متكاملة لرقابة الدين على الناس وتطويعهم ليتبنوا لازم الفعل، باستبطان ذاتي أن مجتمعهم ساقط ، وغير مؤهل حتى في العلاقات الروحية

ولابد من ممارسة سلطوية دينية أقسى حتى يصبح مجتمعاً إيمانياً.

ومن أمثلة تلك المؤسسات: "مؤسسة الفتيا السياسية والمنحازة بالكامل"، "وهيئة الأوامر والنواهي الشرعية"، "وزارة الدعوة والإرشاد"، وهي مؤسسات مُسلطة على فعل الشعب الاجتماعي، مما حدى بالناس كي تسلم من سلطة الأوامر والنواهي والنصائح المجانية الشخصية اللجوء لأحد خيارين أن تصبح مطوع، أو تصبح منافق عليم في النفاق.

كل هذه الكثافة والفيضان الطهوري من المتوقع أن لا يعطي إلا نتائج اجتماعية تكفيرية، ثم عنفية ظاهرةً أو مخفية كهوية بديلة متعالية، للوصول للاصطفائية المستحيلة.

تبريرات النشأة المُكَرِسَة

ولو كانت الإيدلوجية الصارمة وأدواتها القائمة ،مبررةًلدى البعض في عصر ما قبل الدولة الحديثة ،وفي زمن الحروب من أجل الحدود، فهي الآن لا تعتبر إلا جرائم إنسانية. وقد يظن بعض الواقعيين أن هذا تحيز ضد السياسي الحاكم، وأن فيه إغفال لطبائع الشعوب المتدينة والمغلقة، لكن يجدر بنا القول: إن الإغلاق هي إرادة وإدارة استبدادية، وهو موطن خصب لنمو وتكاثر هذا الفكر العنفي، وهذا أيضاً لا يتنافى من أن العنف قد يكون خارج جبة الفكر الحكومي، لكنه تمَظْهُر من سياق استبدادي سياسي دينـوي محترف، والذي يبدو أن الغرب قد بدأ يلتفت لهذاالفعل الفيزيائي بجدية وهو في طور التخلص من تبعاته المكلفة والخَطِرة إستراتيجياً ،وذلك عبر التخلص من وكلائه الرسميين النشطين في هذا الدائرة من نهر السند الى نهر اليرموك مروراً بنهر النفط.

الغرب الذي يخشى أن يفقد زمام المبادرة يقوم باختيار أخف الأضرار الإستراتيجية كمخاطرة المشاركة (النخبشعبوية) على مخاطرة الانفجار المتوقع بعد الحشد والاحتدام المعنوي النفسي القومي والديني في المنطقة، والذي لم يجد بعد ُمتنفسه الشعبي منذ الإستعمار، وفلسطين الى حرب الأفغان العراق الأخيرة، متجــهاً نــحوكوزموبوليتانية يسارية لا تفهمها عقلية مُلاك الاقطاعيات، فهل العصب السياسي الحكومي يعاني من الضمور واتخذ موقف اللاموقف، وأصبح يسير ولا يهمه أن يدري أين يسير كبغل عجوز بائس يائس يجر عربةً ثقيلةً ويقتات من بقايا ذاكرة الرحمة!

اعتمد المقال على المراجع:

- الدرر السنية مواضع متعدده.

- كتاب التوحيد الثاني ثانوي 1418هـ تأليف، سفر الحوالي، وحمد الصليفيح، مراجعة صالح الفوزان.

حسين ناصر الحسين الغامدي

السعودية - جدة

باحث ماجستير علم اجتماع جامعة الملك عبد العزيز