تونس لا تبنى بالحقد

بقلم: الهاشمي نويرة

يكاد يجمع الكلّ في تونس على أن وضع البلاد والعباد لا يبعث على التفاؤل.

ما رشح من مؤشرات الوضع الاقتصادي يدق ناقوس الخطر ويبرز أن عملية البناء معطلة وان حلم المواطن التونسي في توفير شروط العيش الكريم تبخر او يكاد.

كذلك حلمه في حياة حرّة مهدّد وقد يتلاشى تحت ضربات التطرف والارهاب المادّي والفكري المتنامي في المجتمع والذي لا يجد من يصده إما تواطؤا او خوفا.

وما يبعث على الخوف اكثر الخطابات التي تملأ الفضاءات الاعلامية والاتصالية والتي تؤجّج حالة الاحتقان الاجتماعي والسياسي وتزرع ثقافة التباغض والحقد والرغبة المحمومة في الثأر وفي تصفية الحسابات وفي زرع الفرقة بين المواطنين وفي تجييش بعضهم ضدّ البعض ورهن مصير ومستقبل البعض الآخر تحت غطاء مقاومة الفساد الذي هو شعار حقّ يراد به باطل في أغلب الحالات.

وما يزيد ايضا في تضييق مساحة الأمل ان المواطن التونسي لا يرى ضوءا في آخر النفق بل قناعته تترسخ بأن النفق لا آخر له.

وقد لا نبالغ القول اذ نستخلص أن حصيلة أزيد من عام ونصف العام لا تحمل بشائر خلاص اقتصادي وسياسي بل هي كرّست الازمة وعمقتها وغذّتها بنزاعات ايديولوجية وسياسية من عصور واحقاب اخرى وخلقت حالة من الفوضى تكاد تعصف بما تحقق من مكاسب حقيقية لا يتغاضى عنها الا جاحد ولا يتجاهلها إلا حاقد على نفسه وعلى الناس او كذلك من يريد استحضارماض لا يدرك تفاصيله وتغيب عنه قوانينه او ايضا من يريد فرض مثال إستوعبه عقله بطرق مشوّهة بما جعله يعيش حالة دائمة من التردّد داخله يحسبها ثورة في الخارج تؤهله الى الحكم وهو في واقع الامر يعيش حالة هذيان سياسي شفاه الله منه.

وأحسب أن حالة الاحتقان التي عاشها المواطن التونسي قبل 14 يناير واحساس المحروم فردا كان أم جماعة او جهة أدخلته في غيبوبة وقتية استغلتها الاطراف السياسية والبعض الآخر من أجل الكسب غير المشروع للسلطة وقد نقول غير الحلال وتظافرت جهود البعض بوعي وبغير وعي من أجل تقديم البلد على طبق إلى المجهول وهم يحسبون أن التاريخ أنصفهم هذه المرة ومكّنهم من فرصة تحقيق وتجسيد ما علموه من الكتب عن طريق السماع وهي ثقافة منتشرة هذه الايام مع تنامي وعي معكوس يستثني المدرسة من أدوات بناء الانسان.

وأحسب أيضا أن الحاكم عندما اساء تقدير وفهم تأثير بعض المكاسب التي تحققت في هذه الربوع ومنها المدرسة والادارة وتمثل المرأة لذاتها وعالم الحرية المطلقة التي يعيشها كل تونسي داخله وبالتالي لم تمكنه ادوات تحليله ومنطلقاته الفكرية من استيعاب هذه المتغيرات في المجتمع التونسي فاستسهل عملية فرض غيرها من مثل وسلوكيات، مستعملا في ذلك وسائل بدائية لا تخلو من عنف أخذ أشكالا عدة لم تساعده على الحكم المؤقت ولن تمكّنه من حكم دائم.

وأحسب كذلك أننا بعد هذه الحصيلة الدرامية وصلنا الى نقطة اللاعودة وكذلك الى لحظة الحسم.

أما نقطة اللاعودة فتعني ألاّ شيء يمكن ان يكون مثلما كان قبل 14 يناير 2011 وبالتالي فإن رهن مستقبل تونس والمواطن التونسي في انتظار استكمال مهام « ثورة» لم نر لها بداية والتعامل مع الماضي على أنه ورم خبيث يجب استئصاله و«شيطنة» كل معارض وتوظيف البعض الفعلي لمؤسسات الجمهورية ومنها القضاء والادارة من اجل تأبيد الوجود في الحكم وتوظيف البعض الآخر الخطابي لهذه المؤسسات من اجل الوصول الى هذا الحكم كل هذا لم يعد يجدي نفعا مع مواطن خرج من حالة الغيبوبة التي انتابته منذ عام ونصف العام وفهم ان المطلوب هو عملية اصلاح فعلي وهيكلي وشامل لا علاقة له بما نشهده الآن من تبادل للادوار في اخراج سيّء.فكلّ ملاك في الظاهر يمكن ان يخفي شيطانا والعكس ايضا صحيح وبالتالي فان اطلاق الفزاعات من اجل الاستقرار في الحكم او الوصول اليه غير ذي جدوى.. فالكل يعلم علم اليقين ألاّ شيء من الماضي يعود حاملا افكارا وادوات الماضي تجمعيا كان ام يساريا أم قوميا أم اسلاميا..

فالتونسي - وهنا نصل الى معنى لحظة الحسم -لا يريد تنويع ادوات الاستبداد أو تغييرها نحو الألطف او نحو الاكثر شدة بل هو مصرّ على قطع دابر الاستبداد العادل منه والفاشي ولن يتراجع عن مساحة الحرية والأمل التي تراءت له ولمس بعض محاسنها في مجال الاعلام الذي هو القطاع الوحيد الذي قام تدريجيا بعملية تعديل ذاتي لم يستوعبها البعض ولم يقبل بها مطلقا.لحظة الحسم تعني ايضا الكف عن الترويج للمقاومة المغشوشة والانتقائية للفساد المالي والسياسي الذي ادى الى محاسبة الكفاءات التونسية لمجرد أنهم قاموا بعملهم وفق مقتضيات القانون ما أدى الى حرمان المجهود الوطني من خدماتهم وخلق شروط احتقان جديد لن يساعد على بناء تونس على أسس سليمة ودائمة فتونس لا تبنى بالحقد ولا تبنى بتهميش الكفاءات وأخذها باخطاء غيرها، وأختم القول بأن ما ينقصنا في تونس هو ثقافة الحكم دون عقد او حقد او بغض وايضا ثقافة الحكم مع آخرين وبوجود آخرين نختلف معهم.

الهاشمي نويرة

كاتب تونسي