ملك القلوب.. فقط لو أنه يتقن الإصغاء

اللهم حوالينا ولا علينا

عمَّان ـ يشهد الشارع الأردني حالة عامة من السخط على تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية إثر الإجراءات التقشفية الصارمة التي تقول الحكومة إن صندوق النقد الدولي اقترحها لتقليل عجز الميزانية المتفاقم.

ورفعت الحكومة الأردنية الجمعة أسعار صنفين من المحروقات واسعة الاستهلاك، في ثاني زيادة تفرضها حكومة فايز الطراونة التي تشكلت في أبريل/نيسان الماضي ووسط احتجاجات شعبية تطالب خصوصاً بوقف رفع الأسعار.

ويستهجن كثير من الأردنيين إجراءات الحكومة ويرون فيها استفزازاً متعمداً لهم في ظل تدني دخل الفرد إلى أدنى مستوياته وارتفاع التضخم إلى مستويات قياسية.

وارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل حاد في السنوات الخمس الأخيرة مما أعطى زخماً للحراك الشعبي بالتزامن مع الدعم المعنوي للمعارضة بتأثير من الربيع العربي.

ويشهد الأردن منذ كانون الثاني/يناير 2011 تظاهرات واحتجاجات سلمية تطالب بإصلاحات سياسية واقتصادية ومكافحة جدية للفساد.

وارتفع سقف المطالب ليصل إلى مناطق كانت محرمة في الماضي لتطال العاهل الأردني شخصياً وزوجته الملكة رانيا.

وضمن الخطاب الشعبي الغاضب، لا يشفع للأسرة المالكة تاريخها النزيه خصوصاً بعد تردد أصوات عن محسوبية تمس مقربين من مكتب الملكة رانيا.

إلا أن الحكومة أعلنت أنها تدرس رفع أسعار سلع وفرض ضرائب أخرى لتفادي ارتفاع عجز موازنة العام 2012، الى نحو ثلاثة مليارات دولار بعد تجاوز ديون الاردن في شباط/فبراير الماضي 21 مليار دولار مقابل حوالي 18 مليار دولار عام 2010. وتبلغ قيمة الموازنة الحالية 9.6 مليارات دولار.

وتثير الإجراءات الحكومية المزيد من الشكوك في قدرة الملك عبدالله على حفظ توازن النظام وإدارة الدفة في البلاد.

ويسعى الملك عبدالله إلى احتواء الغضب الشعبي بالتودد إلى العشائر ، إلا أنه لا يفعل ذلك بالشكل الصحيح على ما يرى المراقبون.

ويقول المراقبون إن محاولات الملك عبدالله اقتفاء والده الراحل الملك حسين ينقصها الفهم الدقيق لطبيعة التحديات الجديدة والهموم الشعبية الآنية.

وكان الملك الراحل الحسين بن طلال الذي تمتع برصيد شعبي كبير في خضم بحر متلاطم الأمواج من المشاكل الإقليمية والدولية يحافظ دوماً على توازن القوى في بلده الذي تأثر بزلازل سياسية واقتصادية متتالية.

وحظي الحسين بثقل عشائري كبير بالإضافة إلى ثقله في أوساط الأردنيين من أصول فلسطينية، وكان يعرف كيف يكسب الجميع.

لكن الملك عبدالله يبدو عاجزاً عن المحافظة على رصيد والده الراحل، لأنه يدير الدفة للصدام مع المطالب الشعبية، فيهمِّش معالجة الهم اليومي للمواطن في حين يعنى بقضايا لا يعتقد بأن لها كبير تأثير في الرأي العام الأردني.

وامتدت المظاهرات خارج العاصمة لتشمل المحافظات الأخرى التي ظلت تمثل قاعدة شعبية قوية للنظام الأردني. وشهدت محافظات مثل الطفيلة واربد إغلاقا للطرق الرئيسية في وجه مسؤولين حكوميين ابرزهم رئيس الوزراء الحالي فايز الطراونة والأسبق معروف البخيت.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد تململ كبار المتقاعدين العسكريين، وهم أيضا دعامة أخرى للنظام، احتجاجا على سياسة الخصخصة التي يصفونها بأنها "تبيع الأردن للشركات الأجنبية".

ويدلل المراقبون على ذلك العجز بما يعدونه "مغامرات اقتصادية" متتالية أدت إلى عجز ضخم في الميزانية في زمن قياسي وتضخم هائل مع انخفاض حاد في القدرة الشرائية للدينار، في حين يعطي أولوية قصوى للانتخابات التشريعية التي لم تعد تستقطب اهتمام الأردنيين.

وأدت تلك المغامرات إلى تحميل الأردنيين أعباء ضخمة لم يكونوا مهيئين لها في ظل التدني الشديد في أجورهم.

ويقدر الخبراء معدل أجور الأردنيين بأقل من أربعمائة دينار شهرياً أي نحو 550 دولاراً، وهي أجور لا تكاد تلبي المتطلبات الأساسية الدنيا للعيش في البلاد.

وبدلاً من العلاج الحقيقي للمشاكل الاقتصادية عمدت الحكومات المتعاقبة في عهد الملك عبدالله إلى اللجوء إلى ما يصفه إعلاميون أردنيون بالمسكِّنات، كأن يتم رفع أجور بعض الفئات من موظفي الدولة، أو استرضاء المؤسسة العسكرية بزيادات في الرواتب.

لكن تلك الزيادات تزيد الأمر سوءاً وفق الخبراء، لأنها تؤدي إلى ارتفاعات متتالية في الأسعار وتزيد في وهن الدينار الضعيف أصلاً، خصوصاً في ظل معدلات التضخم القياسية.

كما يعتقدون أن استرضاء الملك للموظفين والعسكريين بهذه الطريقة يؤدي حتماً إلى المزيد من السخط في بقية الأوساط الشعبية الأردنية التي تدفع عملياً من جيوبها تلك الزيادات.

ولا تكفي الزيارات التي يقوم بها الملك عبدالله إلى بعض المناطق المحرومة في زيادة شعبيته، إذ أن الشارع بات يرى فيها مجرد زيارات صورية لا تعالج مشاكلهم المعيشية المزمنة.

ويبدو بذلك أن العاهل الأردني ماضٍ في خسارة المزيد من رصيد نظامه الشعبي، لأنه بدلاً من أن يكسب الجميع أصبح يخسر الجميع كما يرى المراقبون.

وطال التململ من الفساد أقل الفئات صدامية مع النظام في المجتمع الأردني.

وأصبح مألوفاً التذمر في أوساط العسكريين وموظفي القطاع العام، بعد أن كان تذمرهم يعد نوعاً من "الكُفر الوظيفي" في عهد الملك حسين.

ورصدت "ميدل ايست اونلاين" تذمراً في أوساط خطباء المساجد من موظفي وزارة الأوقاف، الذين يُعدون أكثر الموظفين ولاء للقصر.

وأصبح بعض الخطباء يضمنون في خطبهم الحديث عن عواقب الظلم والفساد الوخيمة بعد أن كانوا في الماضي يدعون الناس إلى الصبرعلى جور ولاة الأمر.

ويسود اعتقاد لدى الأوساط السياسية والإعلامية الأردنية أن النظام بات في مهب الريح، وأن على العاهل الأردني أن يستدرك أخطاء نظامه ويصغي أكثر إلى المطالبات الشعبية ويسرع في وتيرة تحقيقها.