العلويون وفرصة الحل في سوريا

بقلم: غازي دحمان

ليس بوسع أحد، من أولئك الذين يتصدرون المشهد السياسي والعسكري، في سوريا اليوم الإدعاء بأنه يملك خلاص سوريا ومعافاتها من جرحها النازف، والذي يهدد بالإستمرار بالنزف لسنوات قادمة؛ لا النظام بقوته النارية وحجم إجرامه الفائق وصلافته المقززة، ولا معارضته بكثافة أحلامها وسذاجة سياساتها وإستعراضيتها المنفرة. تلك القدرة صارت خلف هؤلاء، لسبب بسيط وهو أن هؤلاء جميعاً لايشكلون متفرقين ضمانة وثقة لدى جميع السوريين، وإجتماعهم مستحيل أكيد.

وحدها الطائفة العلوية في سوريا من لديها هذه الإستطاعة، وتملك القدرة على تجنيب سوريا الخوض في حرب طائفية مديدة، بدأت تعبر عن نفسها بشكل صارخ عقب مجزرتي المعضمية وعرطوز في ضواحي دمشق، وبنفس الوقت، يمكن لهذه الطائفة ترسيخ اللحمة الوطنية على أسس حقيقية، وليس بناءً على شعارات كاذبة، كما فعل نظام الأسد على مدار أربعة عقود.

كيف ذلك؟ لم يعد خافياً على احد أن هذه الطائفة تشكل أساس قوة النظام الحاكم في دمشق، وأن أبناؤها يشكلون الذراع العسكري والقوة الضاربة لهذا النظام، ويعرف السوريون ان لدى الطائفة عشرات الآلاف من المقاتلين ينضوي أغلبهم في إطار أجهزة الأمن وفرق النخبة العسكرية، وجزء أخر جرى استدعاؤه ممن له خبرة في الأمن والتعامل مع السلاح من العسكريين السابقين، وحتى أرباب السوابق من المجرمين والشاذين جرى استدعاؤهم ليشكلوا فرق الشبيحة سيئة الصيت.

بذلك تكون الطائفة العلوية هي الحامل الاساسي لنظام الحكم في دمشق، رغم وجود العديد من أبناء الطوائف الأخرى، بما فيها وربما أكثرها الطائفة السنية نظراً لنسبتها العددية الكبيرة، لا يزال يقوم بأدوار مهمة في خدمة النظام، وبالتالي فإن من شأن إنفكاك هذه الطائفة عن النظام أن يؤدي إلى تعطيل آلة القتل لديه وتدفعه إلى البحث عن مصالحها الحقيقية، لا ان تبقى منجرفة وراء توليفة الهواجس التي يركبها النظام عن امنها ومستقبلها.

لا شك بأن ثمة من سيعتبر أن هذه القراءة تحمل قدراً هائلاً من التبسيط والتسطيح لأزمة كبيرة، كما أنها تفتقد لفهم طبيعة العلاقة بين نظام الحكم والطائقة العلوية، والتي تكاد تكون علاقة عضوية، ذلك أن قيم هذا النظام وعقيدته إنما تصدر عن مخاوف وأمال عميقة ومتقدمة بنفس الان للوجدان الشعبي الذي يقف خلفها، كما أن هذه الجماهير "الطائفة" هي التي صاغت هواجسها على شكل مسلكيات ومنهجيات لنظام الحكم، ما دام الطرف الأخر يرفض، أو لا يقدر أن يضمن إلغاء فتوى إبن تيمية الخاصة بتكفير من ليس على مذهب السنة.

وفوق ذلك، ثمة شبكة من العلاقات المصلحية التي لا يمكن نكران رؤيتها بين النظام وأفراد الطائفة العلوية، عبر تمييزهم بالمناصب والوظائف والمنح الدراسية، وتخصيصهم بالمساكن والقروض وكافة أنواع التسهيلات، لدرجة بات معها العلويون يشكلون النسبة الأكبر من كتلة الموظفين، ويحتلون الوظائف ذات العوائد المالية الكبيرة، كالمناصب الدبلوماسية والعمل في مكاتب الطيران وسواها من المراكز الوظيفية المهمة، وبالتالي فإن العلويين ليست لديهم مشكلة مع النظام، ولا يجدون مبرراً للوقوف في مواجهته كرمى لعيون أطراف يرتابون من توجهاتها ولا يثقون بعهودها.

فضلاً عن هذا وذاك، فإن الطائفة العلوية، مثل غيرها من الطوائف الأخرى، لا تستطيع إتخاذ قرارات مصيرية من هذا القبيل بدون موافقة وجاهاتها وزعاماتها الدينية والسياسية، وهذه محصورة في عائلات محددة مرتبطة بالنظام أو هي جزء أساسي منه، وبالتالي فإن الخروج الفردي عن هذه الأطر معناه الانتحار الطائفي والسياسي بنفس الآن.

لا شك بأن كل ما سبق ذكره يشكل حقائق راسخة في واقع الطائفة العلوية، كما يشكل عوائق أكيدة في طريق خياراتها الوطنية في هذه الأزمة، لكن ورغم ذلك، تبقى الطائفة العلوية، سواء بنخبتها العسكرية، أو بانتفاضة في قواعدها، أمل سوريا في الخلاص، لا يعني ذلك بالطبع أن هذا النظام لا يمكن أن يرحل بطريقة أخرى، ذلك أن سقوطه ليس أكثر من مسألة وقت، لكن أفضل أن يتم بتوافق وطني، على أن يتم تحت ظلال سيوف المنازعة.

غازي دحمان - دمشق