كم نحن بحاجة للرقص

لندن

الرقص يطهر الأرواح

ما كنت أنوي الذهاب إلى كرنفال "نوتنغ هيل" هذا العام، مع أنني استمتعت وطربت وتلذذت في كل مرة زرته فيها، على مدى عشرين عاما. السبب أنني كنت في العمل في ذورة يومي الكرنفال، الأحد والأثنين.

لكن ولحسن الحظ وجدتني قرب مضارب الكرنفال في ساعاته الأخيرة، في الثامنة من مساء الاثنين. فاستدرجتني طبول الكرنفال، أو بالأحرى استدرجت أقدامي، التي جرتني تحت تهديد الطبول الى قلب الحفلة الكبرى.

ويا لها من متعة!

أكتب الآن في ساعة متأخرة من ليل الأثنين وقلبي ما زال يهتز ويرقص من غبطة بحمى الرقص الجماعي.

تساءلت حينها:

هل تعاني مجتمعاتنا من قلة الرقص؟

ماذا لو شاع الرقص في مجتمعاتنا؟

هل يكون الرقص هو الحل الشامل لأزمات الشرق الأوسط؟

وقبل أن تبحثوا معي عن أجوبة وجودية!

لا بد أن أصف ملامح كرنفال نوتنغ هيل... أكبر حفلة شوارع في أوروبا، كما يحلو لسكان بريطانيا تسميتها والتفاخر بها! وثاني أكبر حفلة في العالم بعد كرنفال ريو دي جانيرو البرازيلية.

وتدور في مسار الكرنفال الذي يصل طوله الى ستة كيلومترات في قلب لندن، أنواع المواكب المتطرفة في بهرجها وألوانها... وعشرات آلاف الراقصات والراقصين، بأغرب وأبهى أنواع الملابس والألوان.

لينضم إليهم ثلاثة ملايين زائر- راقص، بعد أن يبتلعهم الكرنفال. وتتواصل الحفلة الصاخبة ليومي الأحد والاثنين وعلى مدى عشر ساعات يومياً.

لا ننسى آلاف الطبول والمغنين وأقوى سماعات الموسيقى في العالم، والتي أحار في كل مرة، في تفسير تأثيرها على الجسم حين أقترب منها لتهز بعنف هائل كل خلية من جسدي.

كان هناك آلاف الشرقيين ومئات المحجبات، اللاتي استسلمن للموسيقى وانفرجت اساريرهن وأجسادهن في غبطة عالية.

هنا إن لم ترقص فأنت غريب، وسينظر إليك الآخرون بريبة... لكن ما أن تتمايل وتضبط حضورك مع إيقاع الطبول حتى تبتسم لك الوجوه مرحبة بوصولك الى روح المكان.

في البداية صارعت، كما في كل مرة، من يقضة عقلي المزعج، الذي كان يفكر ويتلفت بين الراقصين والزوار، ويقارن بين هذا وذاك، أو بعبارة أدق هذه وتلك... حتى أشفقت على نفسي، وأنا أرى الجميع يسقطون بلا تحفظ في أحظان الموسيقى.

كان الجميع مستسلمين لسطوة الموسيقى، أو لنقل معظمهم أو "الأسوياء" منهم... أي من هم ليسوا على شاكلتي.

بالطبع، لم يكن سهلا إطفاء عقلي، لكنني تمكنت من الافلات منه بعد جهد كبير، لذلك لا أذكر تفاصيل الهيام التام في ساعتين من الرقص الحر بلا أدنى تفكير أو استعراض.

رقصت ورقصت ورقصت مع نساء ورجال من كل جنسيات الأرض.

أحسست بعدها وكأنني ألقيت عن كتفي سنوات من التوتر والتخشب.

وقررت من الآن فصاعداً أن أغتنم كل فرصة للرقص، وأن أطفئ عقلي، ما استطعت.

الآن وقد صحوت من ذلك الغياب اللذيذ، لن أجيب على الأسئلة التي ذكرتها في البداية! بل سأكررها وأضيف لها اسئلة أخرى... لأن الإجابات معروفة ومؤلمة ومثيرة لنباح الكثيرين.

قبل أي سؤال... هل كنت سأرقص بذلك الجنون والحيوية، لو كان حولي بعض معارفي وأصدقائي؟

ماذا لو كان لدينا تقاليد رقص شعبي واسعة؟

هل كانت ستنفس احتقان قلوبنا فتقلل من ترصّدنا بحركات وسكنات الآخرين؟

هل يقلل الرقص من التوتر والتطرف والقسوة؟

هل الرقص أفضل من التمارين الرياضية؟

وهل كانت صحة سكان المنطقة ستكون أفضل لو رقصنا أكثر؟

ماذا لو أدخلنا كل سكان العالم العربي في تجربة مماثلة ولساعات معدودة؟ ولتكن الموسيقى أياً كانت، من موسيقى الموالد الدينية أو من الغناء الصوفي... المهم أن نرقص.

وأخيرا أدعو كل من يقرأ هذه الكلمات لاغتنام كل فرصة للرقص... وباستسلام واسترخاء تام.

جربوا وسترون.

سلام سرحان

salam@alarab.co.uk