مصر تلجأ لصندوق النقد الدولي لترقيع موازنتها المتهالكة


كريستين لاغارد في القاهرة: هل تحل المعضلة أم تزيد الديون؟

القاهرة – تواصل الحكومة المصرية مباحثاتها مع صندوق النقد الدولي لترقيع الخلل المتزايد في بنية الاقتصاد المصري، بقرض جديد لن يسد رمق الموازنة إلا لأشهر معدودة.

ويقول محللون إن الحكومة "تستدين لتأكل" على حد تعبير الشارع المصري، وأنها لا تقوم بأي جهد لانعاش الاقتصاد المتهالك، الذي واصل الانكماش في النصف الأول من العام الحالي.

وأعلنت الحكومة المصرية إنها تقدمت بطلب للحصول على 4.8 مليار دولار أميركي "بعد أن كانت تتفاوض للحصول على 3.2 مليار دولار" وذلك خلا زيارة تقوم بها رئيسة الصندوق كريستين لاغارد لبحث دعم اقتصاد البلاد. ولا يزال الرقم المعلن أقل بكثير من الإحتياجات الفعلية لمصر.

ويبدو احتمال إبرام الاتفاق كبيرا، بعد مفاوضات متكررة قامت بها الحكومات المتعاقبة منذ قيام الثورة قبل 18 شهرا. ويرى المحللون أن القرض لن يكفي لسد ثقوب الموازنة المصرية لأكثر من شهرين. وسيسمح للحكومة بالتقاط الانفاس، لكن ستعود بسرعة الى المربع الأول ما لم تقم بجهود لانعاش النشاط الاقتصادي في البلاد.

ويقول محللون إن مصر تحتاج إلى 12 مليار دولار كقروض من صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي لتجنب إفلاس وشيك، أي أن هذا القرض إن تم إبرامه، فلن يشكل سوى حل مؤقت.

وكانت قطر قد أودعت في الأسبوع الماضي ملياري دولار لدى البنك المركزي المصري، في مسعى لدعم اقتصاد البلاد المنهك منذ عام ونصف تحت وطأة الاضطرابات السياسية.

كما أودعت السعودية مليار دولار لدى البنك المركزي المصري، وأعلنت عن حزمة مساعدات بلغت قيمتها نحو 750 مليون دولار.

وحسب الارقام الرسمية، تراجعت احتياطيات الحكومة المصرية لأقل من نصف مستوياتها قبل الثورة، التي تسببت في نزوح المستثمرين الأجانب.

وبدأ احتياطي مصر من النقد الأجنبي في الهبوط بشكل حاد العام الماضي، بعد أن أدت الانتفاضة الشعبية إلى تراجع الاقتصاد، ودفعت البنك المركزي إلى البدء في بيع الدولارات لدعم الجنيه المصري.

وحتى الآن تراجع الاحتياطي من النقد الأجنبي من 36 مليار دولار أميركي قبل عام ونصف إلى 14.4 مليار دولار، وبضمنها الوديعتان القطرية والسعودية.

ويخفي الرقم المعلن خطورة بالغة للاقتصاد المصري لجهة أن الاحتياطي لن يكفي لأكثر من 3 أشهر، حسب تقديرات الخبراء، في ظل استمرار الهبوط المسجل في الصادرات المصرية وتوقف مصانع كثيرة عن العمل.

وانكمش الاقتصاد المصري في النصف الأول من 2012 مقارنة بالنصف الثاني من 2011 متأثرا بانخفاض الطلب على السلع المصرية، بسبب استمرار الضعف في اقتصادات منطقة اليورو ودخولها في مرحلة تقشف.

وقد يؤدي، من جهة أخرى، ارتفاع شديد في أسعار الغذاء العالمية، كما نبهت إلى ذلك منظمة الأغذية العالمية (الفاو) الأسبوع الماضي، إلى تضخم فاتورة دعم الواردات المصرية.

وتشير التقديرات المتحفظة الى أن الدين العام الداخلي المصري يبلغ نحو 193 مليار دولار، أي نحو 96% من حجم الناتج المحلي الاجمالي. ويبلغ الدين الخارجي نحو 34 مليار دولار، أي ما يعاول 17% من الناتج المحلي الاجمالي.

أي أن مجموع الدين العام المصري يبلغ نحو 227 مليار دولار ويعادل 113% من الناتج المحلي.

ويخشى المراقبون أن مستويات الدين العام لا يمكن أن تواصل السير في اتجاه واحد صعودا، وأن المقرضين سيتوقفون يوما إذا لم تتم معالجة هيكل الاقتصاد المصري.

ويبدو أن عجلة الاقتصاد المصري تدور اليوم في حلقة مفرغة، وأن القروض تذهب في قربة مثقوبة، وأن الحكومة لن تستطيع مواصلة الاقتراض الى ما لا نهاية.

ومن نماذج الحلول المطرحة ما توصلت إلية الحكومة مع إيطاليا مؤخرا، حيث اتفق الجانيان على برنامج مبادلة الديون وتحويل الديون المصرية لإيطاليا الي استثمارات جديدة.

لكن المراقبين يخشون من المقايضات غير العادلة، التي يمكن أن يشوبها الفساد من خلال حصول المسؤولين على عمولات غير قانونية.

وأصبح الاقتصاد المصري بالفعل أمام أزمة وشيكة في ميزان المدفوعات وارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي. ويقول خبراء إن هناك حاجة ماسة لمساعدات مالية لتفادي انخفاض قيمة العملة.

وسيكون على الحكومة الجديدة أن تقرر ما إذا كانت ستنفذ خطة تقشف جديدة وموجعة للمساعدة في ضبط موازنة الحكومة، وتأمين مساعدات مالية أجنبية.

وأدى الإضطراب السياسي إلى تراجع السياحة والاستثمارات الأجنبية ودفع موظفي الحكومة لتنظيم احتجاجات للمطالبة بزيادة رواتبهم.

وتنذر الأوضاع الحالية في مصر بحالة ركود وتضخم، بدءا من الانخفاض الحاد في سعر صرف العملة المصرية وتراجع النمو الاقتصادي وارتفاع نسبة البطالة في صفوف الشباب إلى 25%.

ومن المستبعد أن تهدأ الإضطرابات السياسية، على الأقل في هذه المرحلة الانتقالية، في غياب دستور جديد يحدد بشكل واضح سلطات الرئيس وسلطات الجيش.

ونقلت صحيفة الوفد المصوية عن الخبير الاقتصادى الدكتور أحمد آدم قوله إن تراجع احتياطى النقد الاجنبى وصل الى وضع مخيف، لأنه لا يغطي تمويل الواردات لأكثر من 3 أشهر. وأضاف أن ضخ ودائع عربية لا يمثل سوى حل مؤقت، ولابد من ادارة الاحتياطيات بشكل أفضل لتدر استثمارات جيدة.

وأكد آدم أن استمرار التراجع سيؤدي إلي عدم القدرة على استيراد احتياجاتنا الأساسية من الغذاء ومستلزمات الإنتاج والأدوية. وسيولد ضغوطا كبيرة على سعر صرف الجنيه المصري في ظل استمرار طبع البنك المركزي للعملة.

ولفت آدم الى أن البنك المركزى قام بطبع ما لا يقل عن 36 مليار جنيه في الأشهر ال، 12 الأولى من عمر الثورة. وقال إن الأمر خطير وقد يؤدي الى انخفاض سعر صرف الجنيه أمام العملات الرئيسية بشكل كبير.

وأكد آدم ان ما سبق من نتائج يمكن أن يؤدي إلى انفجار في معدلات التضخم وضغط شديد على المواطن المصري قد لا يتحمله.