إسرائيل... تشجيع الإسلاميين ضد العلمانيين

منذ انطلاقها، وحتى الآن، تأثرت مواقف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من الحركة الإسلامية في فلسطين 48، بسلسلة من العوامل والمتغيرات، التي أملت طابع التعامل الإسرائيلي مع الحركة. فمنذ انطلاقها وحتى العام 1996، غضت المؤسسة الحاكمة في إسرائيل الطرف عن الحركة الإسلامية ونشاطاتها، وسمحت لها ببناء مؤسساتها التعليمية والدينية والاجتماعية والإعلامية، وأتاحت لقادتها هامش مرونة كبيراً في التحرك والتفاعل مع الجماهير الفلسطينية، والتواصل مع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ويعزى السلوك الإسرائيلي المتساهل هذا إلى عدة عوامل، منها رغبة المؤسسة الإسرائيلية في إيجاد منافس أيديولوجي للحركات السياسية العلمانية ذات التوجهات القومية، التي نشطت في ذلك الوقت في أوساط فلسطينيي 48؛ فقد وجدت السلطات الإسرائيلية في الحركة الإسلامية العنوان الصحيح، لتحقيق معادلة التوازن بين القوى القومية والاشتراكية من جهة، وبين القوى التي تقوم على الفكر الديني من جهة ثانية.

يقول الباحث الإسرائيلي مئير توماس: إن إسرائيل تعاملت مع الحركة الإسلامية في فلسطين 48، بالأسلوب نفسه الذي تعاملت به مع جماعة الإخوان المسلمين في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ عندما غضت حكومة الليكود العام 1977 الطرف عن نشاط جماعة الإخوان المسلمين في الضفة والقطاع، التي لم تتبن بعد الكفاح المسلح ضد الاحتلال، من أجل أن تكون منافساً قوياً للحركات الفلسطينية العلمانية التي كانت تمارس العمل المسلح، وقدمت لها أكبر خدمة على الإطلاق، عندما سمحت لها ببناء الجامعة الإسلامية في غزة، التي تنظر إسرائيل إليها حالياً كـ"معمل لإنتاج الإرهابيين".

من العوامل المهمة في إرساء هذا الطابع من التعامل مع الحركة الإسلامية، هو حقيقة تزامن انطلاقها مع نجاح الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في القضاء على تنظيم إسلامي مسلح، نشط لفترة وجيزة في أوساط فلسطينيي 48، وكان يطلق عليه اسم "أسرة الجهاد"، وقد خطط هذا التنظيم ونفذ سلسلة من العمليات العسكرية ضد أهداف إسرائيلية.

ويرى الباحث الإسرائيلي البروفيسور إيلي ريخيس، أستاذ الدراسات الشرقية في جامعة تل أبيب، أن نجاح الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في القضاء على "أسرة الجهاد"، دفع قادة الحركة الإسلامية "الوليدة" إلى توخي أقصى درجات الحذر، عندما شرعوا في ممارسة نشاطاتهم الاجتماعية والدينية والثقافية؛ حيث خشي قادة الحركة أن يتم تفسير المؤسسة الأمنية الإسرائيلية سلوكهم على نحو يبرر ضربهم.

ويرى كثير من الباحثين الإسرائيليين أن مواظبة الحركة الإسلامية، برئاسة رائد صلاح، على رفض المشاركة في الانتخابات التشريعية الإسرائيلية، على الرغم من أن أعضاءها يتمتعون بحق المشاركة في هذه الانتخابات؛ يأتي ضمن مشروع تعزيز الأسلمة والقضاء على الأسرلة. ويرى يوسي بن أهارون، مدير عام مكتب رئيس الوزراء الأسبق إسحاق شامير: أن اهتمام الحركة الإسلامية بالانتخابات المحلية، يمثل صورة من صور "التوجهات الانفصالية" التي تحكم عمل الحركة الإسلامية.

ومن مظاهر التهديد الأمني، الذي تمثله الحركة الإسلامية، كما تدعي السلطات الإسرائيلية، هو علاقة الحركة بإيران، فقد شن جهاز (الشاباك) العام 2003 حملة اعتقالات ضد قادة الحركة الإسلامية، وعلى رأسهم الشيخ رائد صلاح، بدعوى إقامة اتصالات مع المخابرات الإيرانية. لكن كما بات واضحاً، فإنه بعد عامين من الاعتقال تبين أن الاتهامات التي وجهت لرائد صلاح ورفاقه، تفتقر إلى أدلة دامغة، لدرجة أن لائحة الاتهام التي قدمت ضد قادة الحركة، قد خلت من معظم الاتهامات التي وجهت للحركة عند انطلاق الحملة ضدها.

ومن الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن المطالبة بإخراج الحركة الإسلامية عن إطار القانون، تأتي في إطار تعاظم التوجهات الشعبية اليهودية المطالبة بنزع الشرعية عن مشاركة فلسطينيي 48 بشكل عام في الانتخابات التشريعية. فحسب استطلاع للرأي العام تبين أن 40% من اليهود يطالبون بنزع حق الانتخاب عن فلسطينيي 48.

من أجل تسويغ تحمسه لفكرة إخراج الحركة الإسلامية عن إطار القانون، يقول الجنرال عاموس جلبوع: "تعاظم شأن الحركة الإسلامية يعبر عن رغبة فلسطينيي 48 في مواجهة الدولة ومؤسساتها، ولا يعبر بحال من الأحول عن إرادة للاندماج في المجتمع ومؤسسات الدولة، ويجب على الدولة ومؤسساتها المختلفة مواجهة التحدي الذي تمثله هذه الحركة بكل الوسائل المتاحة لديها، فمن حق النظم الديمقراطية الدفاع عن نفسها".

لكن في المقابل هناك من يرى أن إخراج الحركة الإسلامية عن إطار القانون، سيعود كسهم مرتد إلى عنق إسرائيل ذاتها، ويشارك في هذا الرأي أوساط عسكرية وسياسية. فقد كشفت الإذاعة الإسرائيلية، باللغة العبرية، النقاب عن أنه خلال مداولات سرية أجراها رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون في مارس 2004، حول مسألة إخراج الحركة الإسلامية عن إطار القانون، اعترض قادة شعبة الاستخبارات العسكرية وبعض قادة "الشاباك" على هذه الفكرة، على اعتبار أن مثل هذا الإجراء سيدفع الحركة الإسلامية للعمل السري، بشكل يجعل من الصعب على مؤسسات الدولة متابعتها، إلى جانب أن مثل هذه الخطوة ستؤدي لتعاظم شعبيتها في أوساط فلسطينيي 48، وقد يدفعها للانتقال للعمل العنيف ضد الدولة.

تحاول النخب الحاكمة في إسرائيل "شيطنة" الحركة الإسلامية، من خلال محاولة لصق الكثير من التهم بها، للتغطية على موقفها العدائي من فلسطينيي 48 بشكل عام على خلفية عنصرية، كونهم يشكلون أقلية وطنية، يخشى صناع القرار في تل أبيب أن تنمو لتهدد الطابع اليهودي للدولة. وترفض السلطات مناقشة المسوغات التي تسوقها الحركة الإسلامية وبقية الحركات والأحزاب التي تمثل فلسطينيي 48، للاحتجاج على سلوك الدولة تجاههم.

فإسرائيل تصور سعي الحركة الإسلامية لتحقيق اكتفاء ذاتي لفلسطينيي 48، عبر إقامة المؤسسات الاجتماعية والتعليمية والإغاثية، بأنه دليل على التطلعات الانفصالية للحركة، وكان الأجدر بصناع القرار في تل أبيب أن يعملوا على وقف سياسة التمييز العنصري في تقديم الخدمات لفلسطينيي 48؛ فقد تخلت إسرائيل عن دورها كدولة في تقديم الخدمات لفلسطينيي 48، الذين تعتبرهم الدولة من ناحية دعائية جزءاً لا يتجزأ من مواطنيها.

قصارى القول، إن الحملة التي تشنها إسرائيل على الحركة الإسلامية، إنما تأتي تعبيراً عن خيبة أمل المؤسسة الحاكمة في الدولة العبرية لفشل مشروع "الأسرلة"، والذي حمل منذ البداية بذور فشله، ولذلك تقوم إسرائيل بتضخيم دور الحركة الإسلامية في إفشال مشروع "أسرلة" فلسطينيي 48، مع أنه كان من الطبيعي أن يفشل هذا المشروع؛ لأنه كان يحمل في طياته العديد من التناقضات البنيوية، التي جعلت فرص نجاحه تؤول إلى الصفر.

ولقد أخطأت القيادة الإسرائيلية منذ البداية، عندما اعتقدت أنه بالإمكان تدجين مجموعة قومية، وأسرلتها، ودفعها نحو التخلي عن مركبات هويتها الوطنية والدينية والحضارية، لمجرد إغرائها بمكتسبات وهمية. لكن إسرائيل بدلاً من محاولة إعادة تقييم علاقتها مع الأقلية العربية فيها، وضمنها المنتمون للحركة الإسلامية، إثر فشل مشروع الأسرلة؛ فإنها تتبع في مواجهة هذا الفشل سياسة "الهروب للأمام"، عبر تكثيف تصعيدها ضد القيادات السياسية لفلسطينيي 48، في مؤشر واضح على العودة لأسلوب "القوة الخشنة" لتحجيم فلسطينيي 48، وهذا ينذر بخروج الأمور عن نطاق السيطرة.

إن مبعث الإحباط لدى الأوساط الإسرائيلية الحاكمة، مرده إدراكها أن الحركة الإسلامية قد تجاوزت الطور النخبوي، وتمكنت من تعميق تفاعلها الجماهيري، فضلاً عن إدراك الكثير من النخب في إسرائيل أن حملات المطاردة والملاحقة، التي تقوم بها إسرائيل ضد الحركة الإسلامية، ستؤدي في الأغلب إلى نتائج عكسية.